وفي الصحراء هائم آخر، بيده الملف الضخم، ملف الهفوات يُحصيها على أصحابه، وما من هفوة إلاَ ولها تأويل يصرف صاحبها عن السوء والعمد ويجعله في دائرة الاجتهاد الذي يؤجر عليه، ولكن النفس المنحرفة تتبرم.
وأعجب منه ظالم لا يحصي على أصحابه فقط بل على جماعة بأكملها، وقد رأيت في بعض البلاد ملفاً من نحو ألف صفحة سماه جامعه: (ألف خطأ وخطأ لجماعة كذا)، يستخرج فيه من الكتب أقوالاً، ومن التصريحات ومن هفوات أعضاء الجماعة، ويفنّد ويتوتر، ويُرعد ويزبد، ويدعو إلى الاستئصال وهدم هذه الجماعة المحتكرة للساحة، لتخلو الأرض، ليبني - في زعمه - بناءه الجديد مكانها، ولم ير المسكين مناقب الجماعة وإنجازاتها بمقابل ذلك، ولم يشفع أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، ولم يسمع أنّات مسجونيها وراء حديد الظالمين، ولا دماء شهدائها المراقة، ولم يفتش عن تأويل يزيل وهْمَه، ولا عن عذر توجبه الموازنات بين درجات المصالح ونوايا درء المفاسد التي أذنö بها الفقهاء، وما درى أن الشيطان يؤزّه للهدم، فإذا خلت الأرض: صرف همته عن البناء البديل، ورجع بوزر الصدّ عن سبيل الله... !!!
وفي هذه الصحراء تائه آخر يستبد به القلق، ويغلو في الأسلوب، فيتورط بمدح مبالغ فيه، ثم يتورط في أخرى بذم كثيف، فميزانه متأرجح، وعياره حصاة التقطها جُزافا، ليست سبيكة قد خَتَمها ولي السوق ورقيب الحسبة بختمه.