وبسط لنا الأستاذ المرشد عمر التلمساني رحمه الله اُصول فقه القضاء في الفتن فقال:
من الموازين في قضاء المحاكم الدعوية في الفتن، أو معالجة القيادات واللجان لها: تعجيل البت، فإن تأجيل الحكم أو تأخير السعي للإصلاح إنما هو فتح لباب الشيطان، يغري بالتمرد، والتسيب ليس صحيحاً، وقد تكون هناك مماطلة غير مقصودة تأتي بضرر، وإنما يصح التأجيل لحين، لضرورة التحقيق، أو الى فترة نقدر فيها ميل النفوس الى السكون، أو لترك فرصة للمخالف للتأمل في معاني التوبة، وهذه فسحة لا مماطلة، وإرخاء حبل، وليس تركه على غاربه.
وكذلك من الموازين هنا: أن لا نطلب العدل والحق فقط، بل نطلب الرحمة أيضاً، والوحمة فوق العدل، والمخطئ محتاج للرحمة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُشتم ويُؤذَى فيحلم، والذين فصلهم الأستاذ الهضيبي رحمه الله مثلا لم يفصلوا من أول خطأ ولا ثاني خطأ، بل لما تكرر الخطأ كثيراً، والمسألة خاضعة لتقدير المصالح والمفاسد لا الحكم بجنة أو نار، وإنما نجتهد اجتهاداً.
لكن لا يصح تحميل قائد أوضاعاً مهترئة، والفصل اضطرار نضطر له، وهناك أصحاب نزعة انفرادية طبيعتهم عدم التقيد بالأوامر، وإذا وضع في الصف يُفتن رغماً عنه، وهنا تكون الرحمة بأن نعفيه من العمل والمسؤولية، لنحفظ إيمانه، فضلاً عن أن وجوده يسبب الحرج.
وهذه المعاني هي تربية لنا جميعاً، ثم هي مسألة تنظيمية ثانيا"، فتجميد أحد أو نقله من مركزه: أمر اختبار له من باب، ويفسر بموجب القواعد الجماعية من باب آخر، أي القواعد القائلة بأن كل داعية هو جندي يعمل في الموطن الذي يوضع فيه، ومن الإفتيات على مصالح الدعوة العليا أن نعتبر الأوامر بإجراء بعض التغييرات انعكاساً لموقف شخصي أو حقد أو تنافس، لأن الانسجام مطلوب، وكل له أجره، وقد يكون أحد صاحب كفاية لكن إخوانه لا ينسجمون معه.
ومن الموازين: اجتماع عدة مفاسد وأضرار في آن واحد، من العدو أو من بعض الدعاة الساذجين، بحيث يكون وضعنا مرهقاً، كثير الإتعاب، ولا يحتمل مزيداً من المتاعب باختلاف المختلفين، ويصبح الحزم في البت من باب الرحمة بالدعوة، وهي أرجح من الرحمة با لأفراد.
كذلك لا ننكر أن الأخ قد يُحترم لسبب آخر غير مكانته الإدارية، كعلمه الشرعي مثلاً، أو سابقة له، والعفو عن العالم المخطئ أسبابه مضاعفة. ومع ذلك فالتفريق واجب بين العفو عن حقوقنا الشخصية والعفو عن الحقوق الدعوية العامة، فتتسع هناك، مع شدتها على النفس، وتضيق في ا لأخرى.
ومن القواعد أيضاً: كثرة التداول في أمر الاختلاف لإنضاج الرأي في معالجته، دون التسرع أو شبه الانفراد، لكن الاستطراد في ذلك في وقت اْلفتنة: زيادة في الفتنة، وإعنات، وسوء الظن أحياناً حزم من المسؤول، كما ينسب لعمر رضي الله عنه.
وهكذا فإن الحكم والموقف في قضايا الاختلاف هو شد وجذب بين عدة موازيَن، يميل بك ميزان إلى الرحمة، ويشدك آخر إلى الحزم، ولكل حادثة ظروفها الخاصة التي ترجح أحد الموقفين، ولكل حادث حديث، ولكن يجب أن يكون من القضاة والقادة خلوة إلى أنفسهم لاستذكار هذه المعاني والموازين، ويتركون قلوبهم تتأرجح مدة بين يمينها وشمالها، ثم يهزونها هزة الإيمان لتستقر بعدئذ على قرار.
رحمة الله عليه، كم كانت هزاته هذه منصفة...
ويلاحظ في أمر الخلاف أنه كلما كان فكرنا واضحاً وقواعدنا الإدارية واضحة: قل الخلاف جدا". وكلما كان التعميم: كثر التأويل، ويدعي كل واحد أن شرحه وتفسيره هو الصحيح.
فالوضوح وتخصيص الدلالات هو ضمانة ضد الفتن أكيدة.
ما أحلى النصوص المرنة الفضفاضة في أيام التحابب، لكن الخلاف إذا اشتد فإنها تكون مصدر متاعب، وتكثر التفسيرات.
لك تأويل لها، ولي تأويل، وأشد فتشد، فيكون التعطيل.
ويصح أن نقول: إن الأوضاع الاستثنائية ووجود الفتن تجعل اتباع حرفية نصوص الأنظمة أحياناً مرجوحاً، والخروج عنها جائز لتحقيق مصلحة، لكن لا يخرج عنها أحد باجتهاده، ولا تخرج عنها المجموعة الصغيرة، وإنما تخرج عنها الجماعة بإجماع أو بقرار شوري.
وتعصر القلب مرارة حين لا يجد المخلص أمامه لتجنيب الدعوة أضرار الفتنة سوى اللجوء إلى قضاء سليمان عليه السلام بين الوالدتين، الحقيقية والمزيفة، ضحت به الأم الحقيقية رأفة أن يشق إلى نصفين، فيكون تحمل أسواء السيئ شفقة على الدعوة ان تنشطر شطرين، و فيمن يظاهر السيئ أبرياء يأخذون بالظاهر، والسر يلجم المخلص أن يبوح به، ولو صرح به لاقتنعت نفوس، وهدأت قلوب، لكنه السر..
وتتضاعف المرارة حين يتوهم المقضي لهم أنهم على حق، وانهم كسبوا جولة، فتكون لهم صولة ، لا يدرون أن سد الذريعة أنجاهم.
إن الجدد لا يلغطون إلا إذا لغط بعض القدماء، ومن طبائع النفوس التقليد. ومَن سَنَ سُنة سيئة فعلية وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة.
وخطبنا الثقة فقال:
إن حزن القلب إزاء الإساءة فطرة، وفي تعزية الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم عبرة، إذ قال: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون، فإنهم لا يكذبونك، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون).
فكيف بمن هو أقل مثلنا؟
وكيف إذا كانت الإساءة لا من كافر طبيعته الإساءة بل من مسلم، بل من أخ لك في الصف؟
إن التقوى تدعونا إلى أن نتحكم بألسنتنا، ثم ندعو الله أن ينسينا ويمحو من ذاكرتنا حوادث الإساءة لنا كي تبرد قلوبنا ولا يستمر غليانها. لا نقول إلا ما يسدد ويقارب، وما يرضي الرب، أما ما يفرق وينبت الضغائن فلا، بل نصمت، ولا تتحرك ألسنتنا إلا بخير، وتلزمنا تقوى مضاعفة عندما تفور قلوبنا.