ولم تكن الدراسة في دار العلوم حينذاك دراسة جامدة بل كان للسن في الطلاب والمدرسين وللمرحلة العلمية التي يجتازونها حكمها، فكثيرا ما كنا نتناول بين حجرات الدراسة كثيرا من الشئون العامة في السياسة والاجتماع حتى في دقائق المسائل الخاصة بالطلاب والمدرسين.
كانت فورة السياسة غالبة في مصر إذ كان هناك الانقسام بين الوفديين والأحرار الدستوريين، وما تلا ذلك من حوادث الائتلاف والاختلاف والوساطات بين المختلفين، وما كانت تسفر عنه من نجاح الطلاب أحيانا وفشل أخرى. وكانت هذه المعاني كلها موضع أحاديث الطلاب والأساتذة وتعليقهم، ولم يكن الأساتذة يبخلون على الطلاب ببيان آرائهم واضحة.
وكانت هناك كذلك آراء دينية يختلف فيها الطلاب مع الأساتذة وتكون موضع الحديث والنقاش والجدل في حرية وأدب كامل. ولا زلت أذكر كيف كنا نحترم هؤلاء الأساتذة الفضلاء ونوقرهم إلى درجة أننا كنا نتحاشى المرور أمام حجرة اجتماعهم مع أنها كانت في طريقنا إلى الفصول، وهذا مع الحرية التامة والمعاملة الطيبة والصلات الروحية القوية التي كانت بيننا وبينهم.
وكنا نتحرش ببعضهم أحيانا في الدرس، فتكون نكتة طريفة أو إجابة مسكتة.. أذكر أن أحد الزملاء سأل أحد الأساتذة: هل هو متزوج؟ فقال له الأستاذ: لا، فقال ولماذا لم تتزوج يا سيدي؟ قد كبرت سنك. فقال حتى يكثر المرتب ويكفي تكاليف الزواج والأسرة حتى تتربى الأولاد تربية صالحة، فقال الأخ الطالب: ولكن إذا تأخرت عن هذا الوقت لم تضمن أن تعيش لتشرف على تربيتهم والرزق والأجل يا سيدي بيد الله، فأحرج الأستاذ وقال: هل أنت متزوج؟ فقال: نعم وولدي يجيء معي كل يوم إلى مدرسة البنين الابتدائية، فأدخل مدرستي ويدخل مدرسته، وانتهي النقاش بضحك الزملاء.