وعقب الحرب الماضية” 1914 - 1918” وفي هذه الفترة التي قضيتها بالقاهرة، اشتد تيار موجة التحلل في النفوس وفي الآراء والأفكار باسم التحرر العقلي، ثم في المسالك والأخلاق والأعمال باسم التحرر الشخصي، فكانت موجة إلحاد وإباحية قوية جارفة طاغية، لا يثبت أمامها شيء، تساعد عليها الحوادث والظروف.
لقد قامت تركيا بانقلابها الكمالي وأعلن مصطفي كمال باشا إلغاء الخلافة، وفصل الدولة عن الدين في أمة كانت إلى بضع سنوات في عرف الدنيا جميعا مقر أمير المؤمنين، واندفعت الحكومة التركية في هذا السبيل في كل مظاهر الحياة. ولقد تحولت الجامعة المصرية من معهد أهلي إلى جامعة حكومية تديرها الدولة وتضم عددا من الكليات النظامية، وكانت للبحث الجامعي والحياة الجامعية حينذاك في رؤوس الكثيرين صورة غريبة: مضمونها أن الجامعة لن تكون جامعة علمانية إلا إذا ثارت على الدين وحاربت التقاليد الاجتماعية المستمدة منه، واندفعت وراء التفكير المادي المنقول عن الغرب بحذافيره، وعرف أساتذتها وطلابها بالتحلل والانطلاق من كل القيود.
ولقد وضعت نواة” الحزب الديمقراطي” الذي مات قبل أن يولد ولم يكن له منهاج إلا أن يدعو إلى الحرية والديمقراطية بهذا المعنى المعروف حينذاك: معنى التحلل والانطلاق.
وأنشئ في شارع المناخ ما يسمى بالمجمع الفكري، تشرف عليه هيئة من التيوصوفيين، وتلقى فيه خطب ومحاضرات تهاجم الأديان القديمة وتبشر بوحي جديد وكان خطباؤه خليطاً من المسلمين. واليهود والمسيحيين وكلهم يتناولون هذه الفكرة الجديدة من وجهات النظر المختلفة.
وظهرت كتب وجرائد ومجلات كل ما فيها ينضح بهذا التفكير الذي لا هدف له إلا إضعاف أثر أي دين، أو القضاء عليه في نفوس الشعب لينعم بالحرية الحقيقية فكريا وعمليا في زعم هؤلاء الكتاب والمؤلفين.
وجهزت”صالونات” في كثير من الدور الكبيرة الخاصة في القاهرة يتطارح فيها زوارها مثل هذه الأفكار، ويعملون بعد ذلك على نشرها في الشباب وفي مختلف الأوساط.