ولقد انصرفت بعد ذلك إلى الاستعداد لامتحان الدبلوم، إذ كانت هذه هي السنة النهائية، وكنت كلما تذكرت أنني سأفارق المعهد المبارك أجد إليه حنينا غريبا وإلى هؤلاء الإخوة في حجرة الدراسة شوقا شديدا. ولست أنسى بعض الوقفات بين مسجد المنيرة والدار، أو في زاوية حجرة الدراسة أرمق الدار ومن فيها بعاطفة قوية من الشوق والحنين، وصدق رسول الله” وأحبب من شئت فإنك مفارقه”.
ولست أنسى هذه الدعابات اللطيفة في حجرات الدراسة بيني وبين الأستاذ بدير بك رحمه الله، وإن له لموقف لا ينسى معنا إذ أسندت إليه إدارة المدرسة، ونحن في السنة الثالثة، تدريس الأدب العربي والمحفوظات والإنشاء فدخل علينا كئيبا يقول: أو ما علمتم أن الله نكبكم نكبة لا مثيل لها؟ فقلنا: وما ذاك؟ فقال: إن بديراً أسند إليه تدريس آداب اللغة للسنة الثالثة وهذا العصر العباسي بالذات لا أعلم فيه شيئا. أفلا أدلكم على ابن بجدتها وفارس حلبتها؟ ذلكم الأستاذ النجاتي فعليكم به واطلبوا من إدارة المدرسة إقصائي وانتدابه، وثقوا أنني أدلكم على الخير، والحق أحق أن يتبع. فأخذنا نجامله بعبارات الطلاب مع أستاذهم فكان جوابه: لا تخدعوني عن نفسي فإني أدرى بها منكم، وأعرف بمصلحتكم وما أريد إلا الخير. وقد كان، فنزلنا إلى الناظر واقترحنا عليه هذا الاقتراح فقبل، وأفدنا كثيرا من الأستاذ النجاتي، وشكرنا كل الشكر للأستاذ بدير هذا الموقف النبيل والخلق الفاضل الجميل رحمه الله.
ولست أنسى في القاهرة منزل الأستاذ فريد بك وجدي وقد كنت من قراء مجلة الحياة وكتبه الكثيرة عن الإسلام ومدنيته، وعشاق دائرة المعارف، فما إن أقمت بالقاهرة حتى قصدت إلى داره، وكانت حينذاك بالخليج المصري وكان له بالوالد صداقة قريبة، وكانت داره مجتمع الفضلاء من الناس، يتدارسون علوما شتى من بعد العصر تقريبا، ثم يخرجون للنزهة. وكنت كثيراً ما أغشى هذا الدار رغبة في الاستفادة.
ولا أزال أذكر هذا الخلاف الذي قام بيني وبين الأستاذ فريد بك وانضم إليه فيه صديقه أحمد بك أبو ستيت حول شخصية الأرواح، إذ كان فريد بك يرى أن الأرواح التي تستحضر هي أرواح الموتى أنفسهم وأرى غير ذلك، وتشعب بنا البحث في هذه الناحية، وانتهينا وكل عند وجهة نظره، وقد أفدت كثيرا من هذه المجالس حينذاك.
وهكذا كانت حياتي في القاهرة خليطا عجيبا من الحضرة في منزل الشيخ أو منزل علي أفندي غالب، إلى” المكتبة السلفية” حيث السيد محب الدين، إلى دار المنار والسيد رشيد، إلى منزل الشيخ الدجوي، ثم منزل فريد بك وجدي، ودار الكتب أحيانا، ومسجد شيخون أحيانا أخرى.