إن الذي يريد أن يتصدى لقضايا مجتمعه وأمته، ويسعى لإقامة مجتمع يرتفع فيه لواء العدل والمساواة والأخوة الإنسانية الحقة، إن الذي يريد أن يقوم بهذه المهمة لابد أن يدرس واقعه ومحيطه: محلياً وإقليمياً ودولياً، دراسة عميقة ليتعرف من خلال هذه الدراسة على عوامل قوته بكل أشكالها، وعوامل ضعفه بكل أحوالها، وليعرف حجم التحديدات والمخاطر التي تحيط به من الداخل والخارج ويترقب الفرص السانحة له على كل الأصعدة، كما عليه أن يحدد مجالات نجاحاته، ومجالات إخفاقاته، بمعنى أشمل لابد أن يكون مستوعباً تماماً للواقع. وهذا ما نطلق عليه: فقه الواقع. ومن هنا وجب التأكيد للقائمين على حركة النهضة أن يتبينوا هذه الحقيقة ويستدركوها في مناهجهم التربوية وخططهم المستقبلية وذلك من خلال عمل مؤسسي شامل يقوم على الدراسة والبحث العلمي الرصين.
وسنتناول هذه الدراسة في هذا الفصل من خلال القسمين التاليين:
القسم الأول: التحليل الوصفي (النوعي)
القسم الثاني: التحليل الإحصائي (الكمي)
القسم الأول
التحليل الوصفي (النوعي)
الملفات الرئيسية التي سيواجهها المد النهضوي:
يعرض الأستاذ البنا تحليلاً وصفياً لمظاهر أزمة الأمة قائلاً:
قود علمتنا التجارب وعرفتنا الحوادث أن داء هذه الأمم الشرقية متشعب المناحي، كثير الأعراض، قد نال من كل مظاهر حياتها. فهي مصابة في:
1- ناحيتها السياسية بالاستعمار من جانب أعدائها، والحزبية والخصومة والفرقة والشتات من جانب أبنائها.
2- وفي ناحيتها الاقتصادية بانتشار الربا بين كل طبقاتها واستيلاء الشركات الأجنبة على مواردها وخيراتها.
3- وهي مصابة من ناحيتها الفكرية بالفوضى والمروق والإلحاد يهدم عقائدها ويحطم المثل العليا في نفوس أبنائها.
4- وفي ناحيتها الاجتماعية بالإباحية في عاداتها وأخلاقها والتحلل من عقدة الفضائل الإنسانية التي ورثتها عن الغر الميامين من أسلافها، وبالتقليد الغربي يسرى في مناحي حياتها سريان لعاب الأفاعي فيسمم دماءها ويعكر صفو هنائها.
5- وبالقوانين الوضعية التي لا تزجر مجرماً ولا تؤدب معتدياً ولا ترد ظالماً، ولا تغني يوماً من الأيام غناء القوانين السماوية التي وضعها خالق الخلق ومالك الملك ورب النفوس وبارئها.
6- وبفوضى في سياسة التعليم والتربية تحول دون التوجيه الصحيح لنشئها ورجال مستقبلها وحملة أمانة النهوض بها.
7- وفي ناحيتها النفسانية بيأس قاتل، وخمول مميت، وجبن فاضح، وذلة حقيرة، وخنوثة فاشية وشح وأنانية تكف الأيدي عن البذل، وتقف حجاباً دون التضحية، وتخرج الأمة من صفوف المجاهدين إلى اللاهين الاعبين.
وما يرجى من أمة اجتمعت على غزوها هذه العوامل بأقوى مظاهرها وأشد أعراضها، متمثلة في:
1- الاستعمار والحزبية.
2- الربا والشركات الأجنبية.
3- الإلحاد.
4- الإباحية.
5- فوضى التعليم.
6- فوضى التشريع.
7- اليأس، والشح، والخنوثة والجبن.
8- الإعجاب بالخصم يدعو إلى تقليده ..
إن داء واحداً من هذه الأدواء يكفي لقتل أمم متظاهرة، فكيف وقد تفشت جميعاً في كل أمة على حدة؟ لولا مناعة وحصانة وجلادة وشدة في هذه الأمم الشرقية التي جاذبها خصومها حبل العداء من بعيد، ودأبوا على تلقيحها بجراثيم هذه الأمراض زمناً طويلاً حتى باضت وأفرخت، لولا ذلك لعفت آثارها ولبادت من الوجود، ولكن يأبى الله ذلك والمؤمنون. يا أخي: هذا هو التشخيص الذي يلمسه الإخوان في أمراض هذه الأمة، وهذا هو الذي يعملون في سبيل أن يبرئها منه ويعيد إليها ما فقدت من صحة شباب (رسالة دعوتنا).
وعلى ذلك يأتي:
- ملف الاستعمار.
- وملف الاقتصاد والاحتكارات الأجنبية.
- وملف الحالة الاجتماعية.
- وملف التعليم.
- وملف التشريع.
- وملف الحالة النفسية.
لتشكل أهم محاور الاهتمام النهضوي للدعوة المعاصرة.