القانون الحادي عشر: التداول والاستبدال الحضاري
يقول الأستاذ البنا:
اعلم وتعلم أن مثل الأمم في قوتها وضعفها وشبابها وشيخوختها وصحتها وسقمها مثل الأفراد سواء بسواء .. وعلاجها إنما يكون بأمور ثلاثة: معرفة موطن الداء، والصبر على آلام العلاج، والطيب الذي يتولى العلاج، وهذا مصداق لقول الله في سورة آل عمران: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (137) هذا بيانñ للناس وهدىً وموعظة للمتقين (138) ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) إن يمسسكم قرحñ فقد مس القومَ قرحñ مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين). [آل عمران: 137-141] (رسالة دعوتنا).
ونحن نقول إن قانون التداول يسري على الجميع، فكل من فاته قطار اليوم يجب أن يعد العدة لقطار الغد، فهو قادم لا محالة. والعبرة بالاستعداد والفعل الإنساني، والأخذ بالأسباب، ومن ثم التوكل على الله.
إن القرآن الكريم يطرح في هذا المقطع التاريخي ذي المغزى العميق، والذي ترد فيه كلما ت ذات علاقة عضوية بالمسألة مثل: سنن، مداولة، تمحيص، قاعدة أساسية في موقفه إزاء الدول والتجارب البشرية والحضارات، إنه يقرر منذ البدء عدم ديمومة أي من هذه المعطيات، ولا يستثنى الإسلام والمسلمين. وقد قال الله تعال في الآية بين الناس بمعنى عموم هذا القانون أو السنة التي لا محيص عنها، والتي تقوم بلا ريب على أسبابها ومقدماتها في صميم الفعل الإنساني نفسه، حيث توحى هذه المداولة بالحركة الدائمة بالتجديد وبالأمل البشري الذي يرفض السكون، ويرغب في الانطلاق نحو الفعل الحضاري الإيجابي الذي يمكنه من استعادة ذاتيته الحضارية.
إن الإسلام يعترف بسقوط الدول والحضارات، عندما تتكاثف الأمراض الحضارية في شكل ظاهرة يطلق عليها القرآن الكريم: الاستبدال أو الاستخلاف. وهذا مصداق لقوله تعالى: (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) [محمد: 38]، وقوله تعالى: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) [يونس: 14].
إن أمتنا تقف على مفترق الطريق، وهي إذا تجذر عندها الوعى بهذا القانون، فيبقى أن تعد العدة وترتب أوراقها لتأخذ دورها.