بعد الدراسة العميقة للتاريخ، والدراسة الفاحصة للواقع، والتعرف على مواطن الداء، كان لابد من العمل على مواجهة هذا الواقع والعمل على إنقاذ الأمة مما هي فيه، ووصف الدواء المناسب لها. وهذا ما دفع الأستاذ البنا إلى ضرورة الاستعداد للنهوض بالأمة من جديد، فاسمعه يقول:
كذلك شاءت ظروفنا أن نواجه كل ذلك، وأن نعمل على إنقاذ الأمة من الخطر المحدق بها من كل ناحية. وإن الأمة التي تحيط بها ظروف كظروفنا وتنهض لمهمة كمهمتنا، وتواجه واجبات كتلك التي نواجهها لا ينفعها أن تتسلى بالمسكنات أو تتعلل بالآمال والأماني، وإنما عليها أن تعد نفسها لكفاح طويل عنيف وصراع قوي شديد بين الحق والباطل، وبين النافع والضار، وبين صاحب الحق وغاصبه، وسالك الطريق وناكبه، وبين المخلصين الغيورين والأدعياء المزيفين، وإن عليها أن تعلم أن الجهاد من الجهاد من الجهد والجهد هو التعب والعناء وليس من الجهاد راحة حتى يضع النضال أوزاره وعند الصباح يحمد القوم السري (رسالة هل نحن قوم عمليون).
إذا كانت معطيات واقعنا الإسلامي هي كما بينتها الملفات الرئيسية السابقة والإحصاءات الاستقرائية المعروفة، فتبقى عدة مسائل هامة نجملها فيما يلي:
القسم الأول: إمكانية النهضة.
القسم الثاني: دلالات النهوض.
القسم الأول - إمكانية النهضة
يقول الأستاذ البنا في هذا .. بثقة المسلم وعزة المؤمن:
.. إن مهمتنا سيادة الدنيا وإرشاد الإنسانية كلها إلى نظم الإسلام الصالحة وتعاليمه التي لا يمكن بغيرها أن يسعد الناس.. (رسالة إلى أي شيء ندعو الناس).
ثم يؤكد هذه الحقيقة بقوله:
إن العالم كله حائر يضطرب، وكل ما فيه من النظم قد عجز عن علاجه، ولا دواء له إلا الإسلام، فتقدموا باسم الله لإنقاذه، فالجميع في انتظار المنقذ، ولن يكون المنقذ إلا رسالة الإسلام التي تحملون مشعلها وتبشرون بها (رسالة إلى الشباب).
ويوضح الأستاذ البنا بجلاء عهد الانتقال من حالة الضعف والركود في حياة الأمم إلى حالة القوة والنهوض بقوله:
وإن أخطر العهود في حياة الأمم وأولاها بتدقيق النظر عهد الانتقال من حال إلى حال، إذ توضع مناهج العهد الجديد وترسم خططه وقواعده التي يراد تنشئة الأمم عليها والتزامها إياهاº فإذا كانت هذه الخطط والقواعد والمناهج واضحة صالحة قويمة فبشر هذه الأمة بحياة طويلة مديدة وأعمال جليلة مجيدة، وبشر قادتها إلى هذا الفوز، وأدلتها في هذا الخير، بعظيم الأجر وخلود الذكر وإنصاف التاريخ وحسن الأحدوثة (رسالة نحو النور).
وأخيراً يقرر الأستاذ البنا إمكانية النهضة .. وطريقها القويم، فيقول:
دعوت قومي إلى أن يختاروا، أو بعبارة أصح وأوضح، إلى أن يبروا بعهدهم مع الله ومع أنفسهم، فيقيموا دعائم حياتنا الاجتماعية في كل مظاهرها على قواعد الإسلام الحنيف، وبذلك يسلم مجتمعنا من هذا القلق والاضطراب والبلبلة التي شملت كل شيء، والتي وقفت بنا عن كل تقدم، والتي حالت بيننا وبين أن نتعرف الطريق السوي إلى علاج أية قضية من قضايانا الكثيرة المعلقة في الداخل والخارج. وقلت إنه لا سبيل إلى النجاة إلا هذا الاتجاه عقيدة وعملاً بكل ما نستطيع من حزم وسرعة (رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي).