ولم يجد أعداء الإسلام أفضل من هذه الفرصة لبلوغ مآربهم، فانطلقوا خفافًا إلى بيت المقدس يحكمون المقاومات الشعبية التي تعترضهم، ومع أن الجماهير استماتت في الدفاع عن المدينة المقدسة، وتحملت الحصار الرهيب نحو خمسين يومًا، إلا أ، النتيجة الكئيبة لم يكن منها بُدّ.
ماذا تفعل الحامية القليلة المعزولة أمام جيوش أوروبا كلها.
ما تحركت دولة إسلامية لنجدة البلد المحروب! تُرك وحده ليواجه مصيره!
ولنسمع كلام المؤرخين المسيحيين، يصفون هذا المصير الفاجع..
يقول ابن العبري المالطي: "لبث الإفرنج في البلد أسبوعًا يقتلون المسلمين، فقُتل بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفًا".
أما المؤرخ متى الرهاوي فقد نقّص العدد خمسة آلاف فقال: "إن عدد من قتلهم الإفرنج من المسلمين زاد على خمسة وستين ألفًا".
ويقول المؤرخ وليم الصوري: "إن المدينة المقدسة قد أصبحت مخاضة واسعة من دماء المسلمين".
ويقول المؤرخ ريمون ديجل: -وكان من الذين قاتلوا في صفوف الصليبيين- "أنه ذهب لزيارة الحرم الشريف بعد المذبحة الرهيبة، فلم يستطع أن يشق طريقه وسط أشلاء المسلمين إلا بصعوبة بالغة، وإن دماء القتلى بلغت ركبته".
قال الأستاذ الشقيري –وعنه نقلنا الروايات السابقة- "شاء القدر أن يحفظ لنا مذكرات وافية كتبها أحد الذين قاتلوا في تلك المعركة، وتُرجمت أخيرًا إلى اللغة العربية جاء فيها: إن الإفرنج جدوا في قتال الأهلين ومطاردتهم حتى قبة "عمر" حيث تجمعوا واستسلموا لرجالنا الذين أعملوا فيهم أفظع القتل طيلة اليوم بأكمله، حتى فاض المعبد كله بدمائهم، وانطلق رجالنا في جميع أنحاء المدينة يستولون على الذهب والفضة والجياد والبغال، وكما أخذوا في نهب البيوت الممتلئة بالثروات.
وفي صباح اليوم التالي تسلق رجالنا أسطح المعبد وهجموا على الرجال والنساء، وراحوا يعملون فيهم القتل، فرمى بعضهم بنفسه من أعلى المعبد وصدر الأمر بطرح الموتى كافة خارج البلد لشدة النتن المتصاعد من الجثث، ولأن المدينة كادت بأجمعها تغص بهم، فتعالت أكوام الجثث حتى جاوزت البيوت ارتفاعًا.."