لماذا ننقل هذه الذكريات الفظيعة الآن؟ لأن التاريخ يعيد نفسه، والهجوم على الأرض الإسلامية يتجدد في هذا العصر، فالمطلوب منا طال الزمان أو قصر أن نرتد عن ديننا وأن نتنازل عن بلادنا..
وأحوال المسلمين صورة قريبة الملامح من صورتهم قبل الهجوم الصليبي الأول، والفجوات الواقعة بين شتى الحكومات هي هي، وكذلك البعد عن تعاليم الدين، واتخاذ القرآن مهجورًا، ونسيان محمد وسيرته وسنته...
والسؤال الذي أطرحه على نفسي وعلى غيري: ماذا كان موقف الفقهاء من الحكام الذين جلبوا هذه الهزائم وأحلوا قومهم دار البوار؟
لا أعني محاكمة ناس جيفوا، وانتقلوا إلى دار أخرى يلقون فيها جزاءهم!
إنما أعني: كيف بُليَ المسلمون بأولئك الرؤساء؟ كيف وصلوا إلى مناصبهم؟ هل ناقش الفقهاء الطرق التي وصلوا بها إلى الحكم؟ هل كانت هناك أجهزة تشير عليهم وتضبط أعمالهم؟
وإذا فقدت الدولة هذه الأجهزة، فهل اقترح وجودها وضمن بقاؤها؟
هناك حكام ارتدوا بتعاونهم مع الصليبيين، فهل أعلن ارتدادهم؟ وكيف تمر خيانة عظمى بهذه السهولة؟؟
وهناك حكام أضعفوا الجبهة الداخلية بمظالمهم ومآثمهم فكيف تُرöكُوا يمهدون لسقوط البلاد بين أيدي أعدائها؟
إن المسلمين الذي جاء في وصفهم أنهم جسد واحد، صعقهم شلل رهيب، فكان كل عضو يقطع ويمزق وبقية الجسد لا يدري أو لا يحس، كيف حدث هذا؟ ومن المسئول..؟
ترى ماذا يشغل فقهاءنا ومفكرينا إذا كانت حياة الدين كله في مهب العواصف؟ ما هي القضايا الأهم التي تشد انتباههم ويبدءون فيها ويعيدون؟
وإذا كان المسلمون حملة دعوة عالمية، فهل درسوا العالم حولهم وعرفوا ما يسوده من ملل ونحل؟!
وهل عرفوا العدو والصديق؟
وإذا قيل لهم –في كتابهم عن المتربصين بهم-: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقاتöلُونَكُم حَتَّى يَرُدُّوكُم عَن دöينöكُم إöنö استَطاعُوا) (البقرة:217)
فهل فتحوا عيونهم على مكامن الخطر واتخذوا أسباب الحيطة؟! كيف بوغتوا بالهجوم الصليبي؟
وبعدما بوغتوا به، كيف تقاعسوا عن رده؟
ما هي الملذات وأنواع الترف التي فتنتهم عن دينهم؟ وهل جفت منابعها أم بقيت تجعل الحكم مغنمًا لا مغرمًا؟ وتجعل المناصب العليا مصيدة للحرام لا خدمة للصالح العام.