- وهذا شرف كبير يتوّج صاحبها ومن سار في ركابه ومن تحمل المتاعب معه..
أما الصليبية فشأن آخر، إنها تشبه أن تكون ديانة جديدة في منبعها ومصبها!!
والمتفرس في هذه الديانة يجد أنها من ناحية الإيمان جمعت بين التوحيد والتعدد، ومن ناحية السلوك جمعت بين المسئولية الشخصية والقربان الفادي المخلص، و لما أحست بغرابتها عن تعاليم الرسل الماضين، وصفت نفسها بأنها عهد جديد!!
و المنهج الذي اتبعه القرآن في مواجهة ذلك كان سهلا حاسمًا، فعندما حمل على الوثنية في مكة رفض بصيغة عامة أن يكون لله أولاد، وكان المشركون يسمون أصنامهم بنات الله. وتدبر الآيات النافية للتعدد، يشعرك بأنها تعني الوثنية والصليبية معًا، وانظر في قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحمَنُ وَلَدًا سُبحَانَهُ, بَل عöبَادُ مُّكَرَمُونَ(26) لاَ يَسبöقُونَهَ, بöالقَولö وَهُم بöأَمرöهö يَعمَلُونَ) (الأنبياء:26-27). إن الرد هنا يتناول الصليبية قبل أن يتناول الوثنية، ويؤيده ما جاء عقب ذلك: (وَمَن يَقُل مöنهُم إöنöّي مöّن دُونöهö فَذَلöكَ نَجزöيهö جَهَنَّمَ كَذَلöكَ نَجزöي الظَّالöمöينَ) (الأنبياء:29)
إن الأصنام الحجرية لا يتصور منها هذا القول، وإنما يتصور من الأصنام البشرية! وعلى أية حال فما زعم نبي قط أنه إله مع الله!!
وفي سور أخر مكية كثرت الآيات النافية للشفعاء والأولياء والوسطاء، وتحدد بجلاء أن من أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها: (قُل أَغَيرَ اللهö أَبغيö رَبًَّا وَهُوَ رَبُّ كُلöّ شَيءٍ وَلاَ تَكسöبُ كُلُّ نَفسٍ إلاَّ عَلَيها وَلاَ تَزöرُ وَازöرَةُ وöزرَ أُخرَى) (الأنعام:164)
وهذا التوضيح لمبدأ المسئولية الشخصية يستبعد أن يكون المسيح ربّا أو فاديًا أو حاملا خطايا الآخرين أو مكفرًا عنها بدمه.
- ويكتفي القرآن الكريم بتقرير عقائده وتكثير أدلتها ومناقشة خصومه بالأسلوب العقلي واثقًا من أن المصير إليه مهما طالت اللجاجة وتراخت الأيام..
أما الصليبية فقد قررت الإجهاز على هذا الدين والخلاص منه بأي ثمن، وقد مضت القرون وهي تحاول، ونحن نقاوم!!.
ولا نستعرض الآن الماضي، وإنما ننظر في حاضرنا الدامي وما يتربص بنا من أحداث جسام.
العالم الصليبي الآن راجح الكفة بالغ القوة تسود أرجاءه حضارة بشرية متفوقة في ميادين الصناعة بعيدة السبق في استغلال التقدم العلمي لخدمة مآربها المادية والمعنوية..!
وعنوان "العالم الصليبي" يطلق على كيان موار بالمذاهب الفكرية والخلقية والنزعات المادية والإباحية، والمسالك الروحية والفوضوية.
ولاشك أنه يحتوي على بقايا من النصرانية الموحدة القديمة، كما يحتوي على أعداد من أتباع الكنائس المثلثة!.
ومن المكابرة الكاذبة القول بأن الحضارة البشرية السائدة في ربوع هذا العالم من صنع الصليبية، وأن الصليبية أسهمت في رفعتها.
الحق أن المدنية الحديثة شاركت في بنائها عناصر بشرية حرة الفكر، نيّرة العقل، ليس لها انتماء ديني مؤثر، ثم جاءت بعد ذلك الصهيونية والصليبية والشيوعية، ووضعت يدها على الحصيلة الأخيرة لتجعلها في رصيدها الخاص!..
وصادف ذلك كله أن الأمة الإسلامية كانت تتلوى مكانها من علل فادحة برحت بها وعطلت حراكها، ومن ثم أخذت تتلقى الضربات من كل ناحية.
والذي يدعو للغرابة أن الضربات لا تفتر، وأن الكيان لا يسقط! ترى كم سيبقى؟
إن الأعداء ماضون في الهجوم وقد أصابهم في الأيام الأخيرة لون من الهوس، لأنه خيل إليهم أن الدين الضحية، غالب آلامه، وعاودته العافية، ولذلك فإن العدوان زاد..
ولا يزال الدين الجلد صامدًا، بل بدا كأنه يتأهب لأمر ما..!