إن شعورنا بالألم يصاحبه شعور بالأمل يعتملان في نفس كل فرد من التيار الإسلامي بسب ما آل إليه الحال في مجتمعنا من تراكم المشاكل والأزمات التي يعاني منها الغالبية العظمى من الشعب دون حل جذري لها من جهة المسئولين، فدفعنا ذلك إلى القيام بما يمليه علينا ديننا من واجب الإقدام بكل القوة والإيجابية لتدارك الأمر والحيلولة دون انهيار الأوضاع، وضرورة الإسهام في بناء الوطن وتخليصه من العلل والأمراض التي أصابته في فترات احتلال الأعداء وما تلاها من فترات حكم دكتاتوري متسلط.
وإن الشعار الذي رفعه التحالف الإسلامي بأن "الإسلام هو الحل" هو الطريق الوحيد للإصلاح الشامل والعلاج الشافي من تلك العلل والأمراض، وسنظل نطالب به المسئولين ونكسب الرأي العام لجانبه وحتى يستجيب له المسئولون ونكسب الرأي العام لجانبه، وحتى يستجيب له المسئولون اختيارًا أو إجبارًا نزولاً على إرادة الشعب، طالبنا أبناء الوطن بالإيجابية وتصحيح المسار كل مع نفسه وفي موقعه وعمله، بأن يلزم كل منا نفسه بتعاليم ديننا الحنيف وما فيه مصلحة الوطن المواطنين.
ونوجه حديثنا هذه المرة إلى الأسرة وما يمكن لرب الأسرة وأفرادها من خطوات إيجابية لتصحيح المسار، فالأسرة دعامة أساسية في البناء، لأن المجتمع ما هو إلا مجموعة من الأسر، فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع وتكونت القاعدة المتينة لبناء الوطن، وإذا انهارت الأسرة انهار المجتمع، وقد حرص أعداء الوطن وأعداء الإسلام على تحقيق هذا الانهيار بكل وسائل الفساد والإفساد بالخمر والميسر والتبرج والفحشاء واستخدام المرأة كوسيلة لنشر الرذيلة، وشغلها عن رسالتها الأساسية في تنشئة الأجيال، وتسبب ذلك في تشرد كثير من الأبناء وضياعهم وانتشار الجرائم وساعد إعلامنا الفاسد على ذلك، كما أن التعليم في مدارسنا ومعاهدنا أهمل جانب التربية في مراحل التعليم وفي فترة بناء شخصية الأجيال.
ونريد من كل رب أسرة أن يستشعر مسئوليته وواجبه الديني والوطني نحو أسرته وألا يقتصر اهتمامه بتوفير المطعم والمشرب والملبس ومستلزمات الحياة الدنيوية فقط، ولكن ليعلم أنه قبل ذلك وأهم منه رعايتهم دينيًا وخلقيًا، فالله تعالى يقول?يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلöيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحöجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائöكَةñ غöلاظñ شöدَادñ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ?(التحريم:6) وكذلك حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يؤكد رعاية الرجل لأهل بيته والمرأة راعية في بيت زوجها.
نريد هذا التصحيح في المقاييس والموازين لتكون ربانية قرآنية لا ما دية دنيوية، فكثيرًا ما نري الأبوين يهتمان بمن يمرض من أبنائهم وبعلاجه وانتظامه في أخذ الدواء ولا نلمس منهما مثل هذا الاهتمام حينما يقصر الأبناء في أمور دينهم وفي انتظامهم في أداء الصلاة أو الصوم أو امتثال الأخلاق الإسلامية.
وهنا نحب أن نذكر الآباء والأمهات أن الأبناء يكونون نعمة وقرة أعين إذا أحسن إعدادهم وتربيتهم وتنشيءتهم على الاستقامة، ويصيرن نقمة ومصدر عنت إذا أهملت تربيتهم، والأبناء في فتراتهم الأولي مثلهم كمثل النبتة اللينة إذا نمت مستقيمة اشتد ساقها مستقيمًا، أما إذا حدث لها اعوجاج وهي لينة فسيشتد ساقها بعد ذلك معوجًا وقد يصعب إعادته إلى الاستقامة إلا من رحم ربك.
ونذكر أيضًا بمعنى في غاية الأهمية يغفل عنه كثير من الناس وهو الفهم الخاطئ عند الكثير من الشباب والفتيات حيث يعتقدون إن السعادة الزوجية تتحقق بتوفر المسكن الجيد والأثاث الفخم والثياب الفاخرة وتوفر السيارة وغير ذلك من متاع الدنيا، في حين أن السعادة الزوجية الحقة تتحقق بتوفر تقوى الله عند الزوج والزوجة، هذه التقوى التي تولد تبادل الثقة بينهما وتبعد الشكوك والظنون ووسوسة الشيطان، ويضفي الله على حياتهما السكن والمودة والرحمة ولو كانا يسكنان في كوخ صغير، وقد يكونان في قصر منيف لكنهما يفقدان هذه النعم وتكون حياتهما شقية لا أنس فيها ولا مودة ولا رحمة.
والقرآن الكريم يشير إلى هذا المعني في قوله تعالى?وَمöنْ آيَاتöهö أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مöنْ أَنْفُسöكُمْ أَزْوَاجًا لöتَسْكُنُوا إöلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إöنَّ فöي ذَلöكَ لَآياتٍ لöقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ?(الروم:21) ورسولنا الحبيب -صلى الله عليه وسلم- ينبهنا عند اختيار الزوجة أن نظفر بذات الدين ولا يغرينا مالها أو جمالها أو حسبها إذا نقص دينها.
والشاعر يقول:
ولست أرى السعادة جمع مالٍ ولكن التقيّ هو السعيد
ونريد رب الأسرة الذي يغار على عرضه فلا يترك زوجته أو بناته دون تربية، فيخرجن متبرجات متكشفات يتعرضن إلى الفتنة وإلى الذئاب البشرية وإلى غضب الله عليهن، ويعدن إلى البيت وقد حملن من السيئات بعدد النظرات التي سقطت عليهن ممن لا يحل لهم أن يروا ما أمر الله به أن يستر، وهذه النظرات المحرمة لو قدرت لتجاوزت الآلاف في كل مرة يخرجن فيها.
ونريد من الرجل رب الأسرة أن يعامل زوجته بالحسنى، وأن يقوم بواجباته نحوها فرسولنا -صلى الله عليه وسلم- يقول "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" وكان دائمًا يوصي النساء خيرًا وكان يشارك أهله أحيانًا في عمل البيت، لا نريد رب الأسرة المستبد برأيه والذي يريد فقد أن يأمر فيطاع فالزوجة لها دورها الخطير في بناء الأسرة واستقرارها فلابد أن تشارك بالرأي وأن يسود جو التفاهم والتعاون فيما بينهما في شيءون الأسرة.
على رب الأسرة أن يضفي على الأسرة جو البهجة والحب والمناخ الطاهر النظيف الخالي من العادات السيئة والأخلاق الهابطة كي لا ينعكس ذلك على الأبناء لأنهم يقتدون بألصق الناس بهم وهما الأب والأم.
لا نريد رب الأسرة الذي تشغله أعماله عن رعاية بيته وأولاده وحمايتهم من الانحراف فلن ينفع المال مهما كثر في إصلاح أي فساد أو انحراف نتج بسبب انشغاله في جمع المال.
وصدق الشاعر حين يقول:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال إن أودى فأكسبه ولست للعرض إن أودى بمحتال
ونريد من المرأة زوجة كانت أو أمًا أن تقدر دورها الخطير في بناء الوطن، وذلك بحسن أدائها لدورها في البيت وتنشئة الأبناء، فهي صانعة الرجال.
إن الإسلام جاء من أكثر من ألف وأربعمائة سنة ليكرم المرأة ويرفع من مكانتها وما كانت عليه من امتهان، وأعطاها حقوقها كاملة بما لم تعطه لها قوانين الدول الحديثة التي يسمونها بالدول المتقدمة وأصحاب الحضارة الحديثة، إن كثيرًا من هذه الدول وإلي عهد قريب كانت تحرم المرأة من الميراث إذا كان لها أخ كما كانت تحرمها من الميراث إذا كانت أمًا.
إن هناك فئة ضالة تدعي أنها تدافع عن حقوق المرأة وأنها تريد أن تحررها من القيود التي يقيدها بها الإسلام وتعاليمه الخاصة بها، والحقيقة أن هؤلاء الأدعياء لا يدافعون عن المرأة ولكنهم يدفعون بها إلى الضياع والابتذال والامتهان، في حين أن الإسلام بتعاليمه الربانية يريد أن يكرمها ويحفظ عليها كمالها وجلالها، وأن يصونها من أن تكون مجرد متعة لحظية يتبادلها أمثال هؤلاء الأدعياء الذين يدعون أنهم يدافعون عنها، يريدون لها السفور والتبرج والاختلاط الذي لا يُلتزم فيه بما يحول دون الفتنة.
ألا فليعلم الجميع أن الحرية الحقيقية التي تحقق الخير للأفراد والمجتمع هي في التزام تعاليم الله خالق البشر وهو أعلم بمن خلق وبهم رءوف رحيم، وهل يتصور عاقل أن الله في تعاليمه يجور على المرأة! أو أنه منحاز للرجل على حساب المرأة! كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا. ويكفينا نظرة إلى الواقع في بلاد الغرب أو الشرق المادي وحال المرأة والأسرة والعلاقة بين أفرادها، وكثير من هذه الدول يشكون اليوم من التفريغ السكاني ويحاولون بكل الوسائل معالجة هذه الظاهرة.
كما نرى المرأة في تلك الدول تشقى في سبيل توفير أسباب معيشتها، في حين يُلزم الإسلام الرجال بكفالة المرأة وتكريمها، وهذا حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحث على تكريم المرأة، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال -صلى الله عليه وسلم-: "ما من مسلم تدرك له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة".
إننا نطلب من كل زوجة أو أم أن تقوم بدورها بإقامة البيت على أساس من آداب الدين الحنيف وتعاليمه وتنشيء الأبناء على أخلاق الإسلام وسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وحمايتهم من التأثر بالأخلاق والعادات السيئة التي يجدونها في الشارع وعن طريق أجهزة الإعلام، كما ننبه إلى خطورة ترك الأبناء للخادمات أو المربيات بسبب الانشغال بالعمل، فإن ذلك له انعكاسات سيئة في بناء شخصية الأبناء، وإن أي نقص أو انحراف في تنشيءتهم لا يعدله مال.
كما نطالب ربة البيت أن تتحرى الحلال والبعد عن الحرام في مطعمهم ومشربهم، كذلك عدم الإسراف في استهلاك المياه والكهرباء والطعام وغير ذلك، خاصةً في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الشعب.
وهكذا عندما تستجيب الأسر لهذا الذي ندعوهم إليه نكون قد خطونا خطوة بناءة عظيمة في مراحل بناء الوطن، ومما يبشر بخير أن نرى هذا الأثر الطيب على الساحة المصرية، بل وعلى غيرها في الأقطار الإسلامية من انتشار الزي الإسلامي للمرأة بعد أن كان مستغربًا وموضع سخرية منذ عشرات السنين القليلة وكان التعري والتكشف هو السائد، فبفضل الله وانتشار الوعي الإسلامي ساد الحجاب وصارت المرأة أو الفتاة المتكشفة المتبرجة هي المستغربة المستنكرة، وهكذا نرى دعاة السفور والتبرج تمتلئ قلوبهم بالغيظ والكمد تحسرًا على جهودهم التي ذهبت هباء، والأمل كبير في أن يستمر هذا المد الإسلامي الواعي حتى يعم الساحة كلها بإذن الله والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.