إنه لا يرتفع للطغيان صرح إلا ويدك للحرية صرح مقابل، وإذا تمادى الطغيان في قطر تحول إلى سجن كبير تحوي شعبًا مسلوب الحرية يحكمه مستبد حوله منافقون ومنتفعون، وقد شجب القرآن الكريم هذا النوع من الحكام، وشجب الملأ حول الحاكم المستبد، كما شجب الشعب الذي يستسلم لهذا الهوان، وقصة فرعون التي كررها القرآن في أكثر من موضع خير مثال لذلك.
إن الإسلام يفرد الله- سبحانه وتعالى- بصفات العظمة والجلال، وأنه وحده الذي له الخلق والأمر، فالخضوع والخشوع لله وحده، والخوف منه وحده، وذلك في ظل حبنا لله واطمئنان القلوب بذكره، فلا يجوز لهامة من هامات البشر أن تستعلي وتُذل رقاب الغير لها، لقد شجب القرآن منطق فرعون عندما قال:?أَنا رَبُّكُمُ الأعْلَى? وعندما قال:?مَا أُرöيكُمْ إöلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدöيكُمْ إöلاَّ سَبöيلَ الرَّشَادö? فكان حكم الله:?فَأَتْبَعَهُمْ فöرْعَوْنُ بöجُنُودöهö فَغَشöيَهُم مّöنَ الْيَمّö مَا غَشöيَهُمْ* وَأَضَلَّ فöرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى? وحكم الله على قومه:?فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إöنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسöقöينَ?.
إن الله ذكر لنا قصة فرعون وقومه في القرآن وقصة موسى وقومهº لنأخذ العبرة، ونرفض الظلم وسلب الحريات، وقد ندد القرآن في مواضع كثيرة بالظلم والظالمين، كما ندد بالاستكانة للظلم فقال تعالى:?إöنَّ الَّذöينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئöكَةُ ظَالöمöي أَنْفُسöهöمْ قَالُوا فöيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفöينَ فöي الأَرْضö قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهö وَاسöعَةً فَتُهَاجöرُوا فöيهَا?.
إن رسالات السماء تضافرت منذ القدم على تحرير ساحة الحياة ورفع رؤوس الجماهير في مواجهة الطاغينº مما يمد الشعوب بطاقات هائلة في سعيها نحو الحرية ورفضها لقيود العبودية وأغلال الهوان.
لذلك كانت الحرية من أهم وألزم الدعامات في المجتمع الإسلامي، ولنا أن نقول هل للحياة من قيمة بغير الحيرة؟ وهل لمجتمع فقد حريته من صلاحية البقاء؟
ومن أبرز وأعلى قمة للحرية التي كفلها الإسلام للإنسان حرية العقيدة، حريته في أخص خصائصه التي خلقه الله من أجلها في هذه الدنيا، فيقول تعالى:?لاَ إöكْرَاهَ فöي الدّöينö قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مöنَ الْغَيّö فَمَنْ يَكْفُرْ بöالطَّاغُوتö وَيُؤْمöن بöاللهö فَقَدö اسْتَمْسَكَ بöالْعُرْوَةö الْوُثْقَى لاَ انفöصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمöيعñ عَلöيمñ? وقال أيضًا:?وَقُلö الْحَقُّ مöن رَّبّöكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمöن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ?، ولكنه أوجب مع ذلك إزالة العقبات والحواجز التي تحول دون تبليغ عقيدة التوحيد ودين الله الحق إلى خلق الله، تلك العوائق التي يضعها الطغاة من البشرº ليستمروا في استعبادهم لغيرهم وتحكمهم في مقدراتهم.
لذلك شرع الله القتال لرفع الإصر عن المستضعفين، وكسر قيود الاستعباد عن المستعبدين، وتأكيد حق الإنسان في أن يختار عقيدته ويحدد مصيره:?وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتöلُونَ فöي سَبöيلö اللَّهö وَالْمُسْتَضْعَفöينَ مöنَ الرّöجَالö وَالنّöسَاءö وَالْوöلْدَانö الَّذöينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرöجْنَا مöنْ هَذöهö الْقَرْيَةö الظَّالöمö أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مöنْ لَدُنْكَ وَلöيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مöنْ لَدُنْكَ نَصöيرًا?(النساء:75) لذلك كان انتصار بدر هو انتصار للحرية وتخلص من الاستضعاف:?وَاذْكُرُوا إöذْ أَنْتُمْ قَلöيلñ مُسْتَضْعَفُونَ فöي الْأَرْضö تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بöنَصْرöهö وَرَزَقَكُمْ مöنَ الطَّيّöبَاتö لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ?(الأنفال:26).
وأكد هذا المعنى قوله تعالى?أُذöنَ لöلَّذöينَ يُقَاتَلُونَ بöأَنَّهُمْ ظُلöمُوا وَإöنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرöهöمْ لَقَدöيرñ * الَّذöينَ أُخْرöجُوا مöنْ دöيَارöهöمْ بöغَيْرö حَقٍّ إöلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهö النَّاسَ بَعْضَهُمْ بöبَعْضٍ لَهُدّöمَتْ صَوَامöعُ وَبöيَعñ وَصَلَوَاتñ وَمَسَاجöدُ يُذْكَرُ فöيهَا اسْمُ اللَّهö كَثöيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إöنَّ اللَّهَ لَقَوöيّñ عَزöيزñ?(الحج:40).
وثَمَّة معنى له أهميته نلفت النظر إليه، وهو أن ما تعرض له المسلمون الأُوَل من اضطهاد وتضييق وإعنات من المشركين، وما استنفده المسلمون من جهد في مقاومة هذا الظلم كان تجربةً ضروريةً في قيام المجتمع الإسلاميº كي يدرك قيمة الحرية، ويحافظ على تحقيقها كعنصر من عناصر الحياة.
وإن التيار الإسلامي- وقد تعرض في عصرنا هذا إلى ألوان شتى من الظلم والإعنات والتضييق- ليشعر بأهمية الحرية وضرورة السعي لتحقيقها، والمحافظة عليها بكل غال ورخيص.
وفي ظل حرية العقيدة التي يكفلها الإسلام، لا يشعر أحدُُ ممن لا يدينون بالإسلام باضطهاد ولا ذلة، وقد عاش أهل الكتاب في حرية ظاهرة في كل أنحاء المجتمع المسلم، لم يُحملوا على ترك عقيدتهم، ولم يُضيق عليهم في شعائرهم، ولم يشعروا يومًا بالهوان والاضطهاد، ولا يزالون حتى اليوم في كل أقطار الإسلام. فالمسلمون يتعبدون لربهم بمعاملتهم بالبر والقسط امتثالاً لقول الله تعالى:?لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنö الَّذöينَ لَمْ يُقَاتöلُوكُمْ فöي الدّöينö وَلَمْ يُخْرöجُوكُمْ مöنْ دöيَارöكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسöطُوا إöلَيْهöمْ إöنَّ اللَّهَ يُحöبُّ الْمُقْسöطöينَ?(الممتحنة:8) هكذا طالما أنهم ملتزمون بما نصت عليه الآية الكريمة.
وحرية الرأي للفرد مكفولة في ظل المجتمع الإسلامي، فكل فرد يستطيع أن يستعلن برأيه وأن يجهر بحجته، دون أن يصيبه أذىً أو يلحقه خوف، ولو كان خاطئَ الرأي ،إلا أن يدعو إلى الكفر والإلحاد.
ورغم أن الوحي كان ينزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويرشده إلى الصواب، إلا أن الله أمره أن يشاور المؤمنين في الأمر، وأن يستمع إلى كل رأي، ثم يتبع الرشاد في كل وجهة، والأمثلة على مشورة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه كثيرة، وتَصلح أن تكون دستورًا لحرية الرأي في المجتمع الإسلامي، يُعلَن فيه أنه ليس هناك رأيُُ مقدس لفرد من الأفراد، ولتختفي تلك الصورة البالية، صورة قطيع من البشر ينطلق وراء فرد مهما كان حظه من العبقرية والصواب، إنها صورة لا تتفق ورشد البشرية.
هكذا، يجب أن يكون الرسول -صلى الله عليه وسلم- قدوةً لكل من يلي شيئًا من أمر هذه الأمة، بطلب المشورة والسماح لكل مؤمن أن يقول كلمته ورأيه في اطمئنان.
ويتبع حرية الرأي في الإسلام حق الفرد في النقد والتقويم، فليس للإنسان أن يري الخطأ والانحراف ثم لا يرفع صوته بالمعارضة، وإلا فإنه يأثم، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول "الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابة ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، ويقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
ورحم الله عمر بن الخطاب حين قال: "من رأى فيَّ اعوجاجًا فليقومه" فيجيبه أحد الناس "لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا"، دون أن يتعرض إلى اعتقال أو تعذيب، بل إن الإسلام يحث اتباعه على الجهر بكلمة الحق والشجاعة في النصح، ويرى ذلك أفضل الجهاد.. حيث يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
ولننظر لهذا القول الذي يذم طائفة من الناس قد ابتلي مجتمعنا بالكثير منهم..
عن محمد بن زيد أن ناسًا قالوا لجده عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إنا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم، فقال كنا نعد هذا نفاقًا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
والإسلام ينهى عن إيذاء المؤمنين قال تعالى?وَالَّذöينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمöنöينَ وَالْمُؤْمöنَاتö بöغَيْرö مَا اكْتَسَبُوا فَقَدö احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإöثْمًا مُّبöينًا?، بل إن الإسلام يحمى الفرد من كل ألوان الاعتداء أيًا كان مصدره، ويكفل له الحصول على حقوقه في أية يد كانت، فهو يحمى حياته، ويرى في النفس الإنسانية قدسيةً تحتم صيانتها وحفظها من الهلاك، وقد قال الله تعالى:?مöنْ أَجْلö ذَلöكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنöي إöسْرَائöيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بöغَيْرö نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فöي الأَرْضö فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمöيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمöيعًا? ويقول سبحانه وتعالى?وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمöنًا مُّتَعَمّöدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالöدًا فöيهَا وَغَضöبَ اللهُ عَلَيْهö وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظöيمًا?.
وليس هناك من سبب يبيح إلحاق الأذى بإنسان إلا ما يقترفه من جرائم لها حدودها المقررة، وما عدا ذلك عدوان تجب مقاومته، وأقل الناس في ذلك كأعظمهم ممن يقدس حق الفرد ويصونه، وهانحن نرى في أيامنا هذه رجالاً من الأمن، يؤذون ويعذبون المواطنين دون جريرة أو إدانة لذنب اقترفوه، وقد أدان النائب العام بعضًا منهم، ولكننا نرى محاكمتهم تتعثر وتكاد تموت.
وقد كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يوصي الأمراء ألا يضربوا المسلمين فيذلوهم، وألا يميتوا فيهم مشاعر الحرية والكرامة، وهاهو- رضى الله عنه- يمكّöن ابنَ رجلٍ مصري قبطي-من عامة الشعب- من القصاص من ابن عمرو بن العاص- فاتح مصر وواليها- ويقول له: اضرب ابن الأكرمين، وقال كلمته المضيئة على مر الزمان والتي تعتبر شعارًا للحرية:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا".
وهذا حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من ضارّ أضر الله به ومن شاق شق الله عليه" كما قال "أبغض الرجال الألد الخصم" وقال "أيها الناس اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيام".
فمن ضمانات الحرية في المجتمع الإسلامي، أن الإسلام لا يُقرّ نزعة العدوان والانتقام في مجتمعه، فليس هناك تنكيل من قوي بضعيف، ولا تسلط من حاكم على محكوم، ولا تزر وازرة وزر أخري، وللجريمة والعقاب حدودُهما الفاصلة، التي تكفل أن يكون العقاب على قدر الذنب بلا تهويل ولا تنكيل، ولكنَّا -وللأسف الشديد- نجد في مجتمعنا الحالي تجاوزات لا حدود لها، ويؤخذ البريء بجريرة المذنب، وينكل به أشد التنكيل، ثم تظهر براءته بعد ذلك وربما حُوكم ظلمًا وحُكöم عليه بشهداء زور.
إن التيار الإسلامي يريد أن يتخلص مجتمعنا من هذه الصورة المشينة، وأن يسعد أبناء وطننا بالحرية والمساواة والأمن والتكافل في ظل الإسلام وشريعة الله، والأمل في الله كبير أن يتحقق ذلك، رغم كيد الكائدين وتشاؤم المتشائمين.