سبق لنا أن أوضحنا العلل والأدواء التي أصابت مجتمعاتنا وكيف أنها أدواء متشعبة كثيرة الأغراض قد نالت من كل مظاهر حياتنا، ففي الناحية السياسية فلا زال الاستعمار رغم جلاء الجيوش له سلطانه وسيطرته، وفي الناحية الاقتصادية الربا والتضخم والديون وارتفاع الأسعار، وفي الناحية الفكرية الفوضى والمروق ومحاولات هدم العقائد وتحطيم المثل العليا في نفوس المواطنين وفي الناحية الاجتماعية الإباحية والتحلل من عقدة الفضائل وتقليد الغرب في مدنيته المادية وفي قوانينه الوضعية التي لا تزجر مجرمًا ولا تؤدب معتديًا ولا ترد ظالمًا ولا تغني يومًا من الأيام غناء القوانين السماوية التي وضعها خالق الخلق ومالك الملك ورب النفوس وبارئها. وفوضى في سياسية التعليم والتربية تحول دون التوجيه الصحيح لنشئها ورجال مستقبلها وحملة أمانة النهوض بها، وفي الناحية النفسانية بيأس قاتل وخمول مميت وجبن فاضح وذله حقيرة وخنوثة فاشية وأنانية تكف الأيدي عن البذل وتقف حجابًا دون التضحية وتخرج الأمة من صفوف المجاهدين إلى اللاهين اللاعبين.
وبعد أن عرفنا الداء تعرفنا على الدواء وعرفنا أنه الدواء الوحيد الذي يضمن معه الشفاء من كل هذه الأدواء وهو هذا الدين الحق بشريعته السمحة العادلة، وقلنا إن بداية الطريق هو التخلص من آثار الهزيمة النفسية أولاً.
وقلنا أن الهزيمة النفسية هي أخطر أنواع الهزائم.. ولن نستطيع أن ننهض من هذه الكبوة ونصحو من تلك الغفوة إلا إذا تخلصنا من آثار هذه الهزيمة النفسية، وتولدت في أفراد الشعب الإرادة القوية، وبعث الأمل في المستقبل وإزالة كل آثار اليأس من النفوس. ونريد التخلص من الخمول والكسل ومن الشح والجبن، ونريد التخلص من الإعجاب بالخصم ومن التبعية الذليلة له ويحل محلها الاستقلالية وحرية اتخاذ القرار.
والتيار الإسلامي يؤمن إيمانًا قويًا أن عقيدة الإسلام كفيلة بالتخلص من كل الآثار السلبية التي تركها الاستعمار وخاصةً الهزيمة النفسية، وأوضحنا أنه ليس في الدنيا نظام يمد الأمة الناهضة بما تحتاج إليه من نظم وقواعد وعواطف ومشاعر كما يمد الإسلام بذلك كله أممه الناهضة، وبفضل الله ظهرت جليًّا قناعة الشعب المصري بهذا المعنى حينما تجاوب بصورة قوية وفعالة مع شعار "الإسلام هو الحل" الذي رفعه التحالف الإسلامي في الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب.
نريد من الشعب المصري أن يتعرف على نفسه وعلى القوى الكامنة فيه، وكأنى بشعب وقد خطط له الأعداء ليفقد وعيه بوجوده ويعيش وكأنه مخدر في شبه غيبوبة لا يشعر بما يحاك له من مؤامرات ولا بما يصيب جسده من جراح عميقة وإصابات قاتلة خاصةً في العقل والقلب في الفكر والروح.
نريد من شعب مصر أن يفيق من هذه الغيبوبة، وأن يستيقظ من هذه الغفوة، وأن يتحسس أعضاء جسمه والقوى الكامنة فيه، أن يتعرف على شبابه بناة المستقبل فيهتم بإعدادهم وتربيتهم على العزة والقوة لا على الذلة والضعف.
نحن نعلم أن عهدًا سابقًا قد أذل الشعب وترك في النفوس خوفًا وجبنًاº بسبب ممارساته الفظيعة من الإيذاء والتعذيب والقهر خاصةً للدعاة إلى الله وما صاحب ذلك من جو التجسس والتصنت حتى صار الابن يتجسس على أبيه والأخ على أخيه، وما ينتجه ذلك من تقطيع للأرحام وهبوط بكل القيم والأخلاق. التيار الإسلامي الذي خرج من هذه المحن أشد قوة وأقوي عزمًا وأصلب قناةً يدعو شعب مصر إلى أن يتخلص من كل هذه الآثار السلبية، وأن يلجأ إلى الله القوي القهار المعز المذل، ولن تظل القيود قيودًا أبد الدهر فإنما الدهر قلب، وما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال، ولن يظل الحائر حائرًا، فإنما بعد الحيرة هدى وبعد الفوضى استقرار ولله الأمر من قبل ومن بعد.
نريد من أفراد الشعب أن ينتصر كل منهم على نفسه أولاً، وإلا ففاقد الشيء لا يعطيه، نريد قوة نفسية عظيمة تدفع صاحبها إلى الشعور بالمسئولية نحو مستقبل هذا الوطن، قوة نفسية تدفع إلى العمل الجاد لتحقيق البناء والاستقرار والازدهار، نريد قوة نفسية عظيمة لا تسمح بالاستجابة إلى وسائل الإلهاء والتخدير والخداع بزخرف القول.
نريد قوة نفسية تجعل صاحبها يقول الحق ولو كان مرًا ولا يخاف في الله لومة لائم. نريد قوة نفسية نربي عليها أبناءنا وأجيال المستقبل، فيشبون على العزة وقوة الشخصية والشعور بالمسئولية وأن الوطن وطنهم وعليهم أن يدعموا بناءه وأن يكونوا حراسًا عليه من أي لون من ألوان الاعتداء السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الفكري من داخله أو من خارجه.
لا نريد أن نترك فردًا من أفراد الشعب مخدرًا أو في حالة اللاوعي نريد حركة إيقاظ عامة تعم كل طوائف الشعب، وتقوي حاسة الاستشعار عند أفراد الشعب، فيتنبهون إلى كل صغيرة وكبيرة تمس مصالح الوطن ومستقبله فإن كانت خيرًا اغتنموها وإن كانت شرًا درءوها ومنعوها، إن التخدير المعنوي أخطر من التخدير البدني، إنه يعطل الطاقات ويقبر المواهب ويقضي على القيم والمثل ويقضي على العزة والكرامة، ويجعل الفرد وكأنه كمُُّ مهملُُ لا أثر له ولا تأثير، موجود وغير موجود.
لقد لمسنا في الانتخابات الأخيرة تغيرًا واضحًا في نفوس الكثير من أبناء الشعب، لمسنا الغيرة الوطنية الصادقة والحيوية المتدفقة، والرغبة الصادقة في العمل لصالح الوطن وتخليصه من أزماته ومشاكله. لمسنا ذلك خاصةً عند الشباب فاستبشرنا خيرًا وفرحنا وازداد سرورنا بهذه الظاهرة الطيبة، واستشعرنا مع ذلك ثقل المسئولية على عاتق أمثالنا نحو هذا الشباب، وما يحتاجه من تسديد وإرشاد ومن تزكية هذه الروح التي لمسناها لتتأصل وتنمو مع الزمن.
ما أحوج الشباب إلى حكمة الشيوخ، وما أحوج الشيوخ إلى حيوية الشبابº لذلك يلزم إتاحة الفرص الكافية لامتزاج حكمة الشيوخ مع حماس الشباب لينتج الاعتدال والانضباط مع التقدم المطرد.
إن الكثير من الشباب المسلم يحمل مع حماسته وفتوته حكمةً وتعقلاً والحمد لله، رغم ما يتعرض له من ضغوط وما يراه من تناقضات مثيرة، كما نري شيوخًا منا كثيرين يحملون بين جوانحهم روح الشباب، ولسان حال بعضهم يقول:
عمري إلى السبعين يركض مسرعًا والروح ثابتة على العشرين
ما أجمل تعاون الشباب والشيوخ في بناء هذا الوطن في ظل شريعة الله رافعين شعار "الإسلام هو الحل" قولاً وعملاً، بكل الصدق والوفاء والإرادة القوية والقوة النفسية والتضحية والفداء، دون شح ولا بخل ودون ضعف أو خوف وبكل التصميم والعزم مع حسن التوكل على الله، والتوجه الخالص لوجهه سبحانه والرجاء في ثوابه العظيم.
كم سمعنا شعارات(إيدك في إيدي يا عم يا عم* نفدي الوطن بالدم) وكذا(بالروح بالدم* نفديك يا فلان) إلى غير ذلك من شعارات وهتافات جوفاء ليس لها ظل في واقع الحياة، ولكننا نريد من شبابنا المسلمين العمل والعمل الجاد دون ضجيج، خالصًا لله خاليًا من النفاق ومن الرياء، نريد أن تكف الحناجر من هتافات النفاق وتكف الأيدي من تصفيق النفاق، وتخلو الصحف من مقالات وإعلانات النفاق، ولتوجه هذه الطاقات والأموال إلى النافع المفيد.
نريد من شعب مصر أن يشجع كل صادق مخلص يعمل في صمت، وأن يبكت كل منافق يتقرب زلفى إلى ذوي السلطان والجاه، حتى يشعر كل منافق أنه حقير منبوذ، فيعدل عن نفاقه ويصحح مساره.
نريد من كل فرد في الشعب أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن نتواصى جميعًا بالحق ونتواصى بالصبر، ويذكر بعضنا بعضًا فالذكرى تنفع المؤمنين، وهكذا فالوقاية خير من العلاج، لو التزمنا بهذه الأمور فسيتطهر جسد مجتمعنا مع الزمن من كثير من الأمراض والعلل النفسية والخلقية وتنمو فيه المقومات اللازمة لأداء مهمة البناء وما أثقلها مهمة وما أيسرها إذا أحسنا الصلة بالله والاستعانة به.