لعله من المفيد أن نلقيَ ضوءًا على مدلول عبارة "التيار الإسلامي"º حتى تتضح حقيقته ولا يتأولها أحد بغير مفهومها. كأن يقول البعض: هل يعني ذلك أن غير التيار الإسلامي ليسوا مسلمين؟ إلى غير ذلك من فهم خاطئ...
نحن لا ننفي عن مسلم إسلامه مهما كان عاصيًا إلا أن ينكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو يأتي عملاً لا يحتمل تأويلاً إلا الكفر.. ومع ذلك تتاح له فرصة الاستتابة، ولكننا نميز أفرادَ التيارالإسلامي عن باقي المسلمين بأنهم انتبهوا وعرفوا معني انتمائهم للإسلام، وما يمليه عليهم الإسلام، من واجبات نحو أنفسهم، وأهلهم، ووطنهم، وأمتهم الإسلامية، فالتقوا وتعارفوا وتعاونوا معًا على تحقيق هذه الواجبات...، وصاروا يدعون باقي المسلمين، أن هلمّوا إليناº لتتضافر الجهود لمواجهة الكيد والحرب من أعداء الله ضد الإسلام والمسلمين.
وقد أضاءَ الطريقَ أمام التيار الإسلامي أئمةُُ فضلاءُ من القرون الأولى، ثم تتبعهم أئمة اهتدوا بهديهم، أمثال: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وابن باديس، وحسن البنا، والمودودي،...، ووفق الله الإمام حسن البنا في وضع الأسس والمقومات التي يقوم عليها العمل الإسلامي لتحقيق أهم هدف يجب على المسلمين جميعًا تحقيقه، وهو التمكين لدين الله في الأرض،وإقامة دولة الإسلام العالمية وعلى رأسها الخلافة الإسلامية.
فكان الإخوان المسلمون في مصر هم الطلائع الأولى للتيار الإسلامي في مصر وخارجها.
ونقول: إن التيار الإسلامي الذي نعنيه ليس قاصرًا على الإخوان، ولكن يتسع لكل مسلم -ذكرًا كان أو أنثى- عرف معنى انتمائه للإسلام، وتعرف على ما يطلبه منه إسلامه من واجبات، فدفعه ذلك إلى الحركة والعمل مع العاملين الصادقين لتحقيق مبادئ الإسلام، أيًا كان موقع هذا الفرد.
إن التيار الإسلامي الذي نعنيه يتميز بفهمه الشامل النقي للإسلام كما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دون اجتزاء أو خطأ أو انحراف، ويطبقونه في اعتدال دون تطرف أو غلو، ودون تفريط كذلك.
إن التيار الإسلامي الذي نعنيه هو الذي يلتزم بتعاليم الإسلام في كل شئون الحياة العامة والخاصةً، ويسعي إلى تحقيق أهدافه بالحكمة والموعظة الحسنة، دون تهور أو فتور، ودون عنف أو ضعف، مقتديًا في ذلك برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الأكرمين.
إن أفراد التيار الإسلامي لا يضفون على أنفسهم هالة معينة، ولم ينسبوا لأنفسهم تفويضًا إلهيًا كما يفتري البعض عليهم، ولم يعتبروا أنفسهم "جماعة المسلمين" ولكن جماعة من المسلمين، ويمتنعون عن تكفير المسلم برأي أو معصية.
التيار الإسلامي ليس قاصرًا على جماعة بذاتها أو أفراد بذواتهم، بل إنه يضم في كل لحظة كلَ مسلم يصحو من غفوته، ويعرف حقيقة رسالته في هذه الحياة، وما يجب أن يؤديه للإسلام والمسلمين من تضحية وجهاد، فهو تيار متجدد متنامي.
إن كلمة "تيار" تفيد الحركة والتدفق، وكلمة "إسلامي" تفيد الوجهة والهدفº فهدف "التيار الإسلامي" هو الإسلام، ولا شيء غير الإسلام، فلا أغراض شخصية ولا مطامع دنيوية بل تضحية وفداء!!
إن التيار الإسلامي هادئ ومتواضع، ولكنه قوى وعزيزº يستمد قوته وعزته من الله القوي العزيز القهار.
إن التيار الإسلامي يهتم بقضية الإيمان، فالإيمان هو الذي يضيء الطريق، ويوضح الخير من الشر والنافع من الضار، فهو بذلك تيار مبصر. والإيمان هو الذي يفجر طاقات العمل والحركة والتضحية والجهاد، ويضبط هذه الطاقات، ويصرفها في الوجهة المناسبة وفي الوقت المناسب، فهو بذلك تيار متجدد الطاقة ويتحكم فيها بعيدًا عن الارتجال وردود الأفعال.
إن معظم أفراد التيار الإسلامي تمرسوا على الصبر والتحمل، واكتسبوا خبرة وتجربة وحكمة يستفيد منها الشباب من أفراد التيار الإسلامي، فتمتزج الحكمة والتجربة بالحيوية والحماسº فيحدث الاعتدال في السير دون التعجل والاندفاع غير المدروس، ودون السير البطيء الذي يؤدي إلى التخلف.
إن بوابةَ التيار الإسلامي متسعة ومفتوحة لكل راغب في العلم لتحقيق أهداف الإسلام ومبادئه وتحكيم شريعته وإقامة دولته، وليست مغلقةً في وجه غير المسلم الذي يقتنع أن هيمنة شريعة الإسلام على حياة الناس تحقق لهم الأمن والعدل والحياة المعيشية الرغيدة بصورة أفضلَ ألف مرة مما عليه الحال الآن، وقد سبق أن انتقل كثير من غير المسلمين من أوطانهم إلى دولة الإسلام ليهنئوا بحياة فاضلة آمنة في ظل شريعة الإسلام.
إن التيار الإسلامي من صميم شعب مصر ومن أبناء مصر وليس دخيلاً عليه، وما هو بالجسم الغريب على شعب مصر، إن جزءًا من هذا الشعب يفرح لفرحه ويألم لألمه يشعر بكل أحاسيسه، ولا نغالي إذا قلنا: إنه الأشد حساسيةً والأكثر انفعالاً بكل ما يخص شعبَ مصر من آمال وآلام، والأسرع تلبيةً لكل عمل أو جهد أو تضحية لإسعاد هذا الشعب وراحته. هذه الاستجابة غرسها الإسلام وعقيدته في أفراد التيار الإسلامي، فصاروا يسارعون فيها طاعةً لله وأداءً للواجب الديني، وليس مجرد واجب وطني.
إن أفراد التيار الإسلامي يقدرون -أكثر من غيرهم- مكانةَ مصر وشعب مصر ودروه التاريخي ومواقفه الإسلامية الرائعة ضد الصليبيين والتتار وغيرهم، فعرفوا لماذا ركز أعداء الإسلام على مصر وعلى شعب مصر بكل ألوان الغزو والكيد؟!، ولماذا حرص أعداء الإسلام وعملاؤهم على إيجاد فجوة بين شعب مصر وبين العاملين للإسلام بإلصاق التهم الباطلة للتيار الإسلامي، وتصوير العاملين في حقل الدعوة الإسلامية وكأنهم أعداء الشعب ويريدون الدمار والتخلف؟!، ويعلم الله أن العكس هو الصحيح، وأن هؤلاء العملاء هم الذين يسيئون لشعب مصر وينحدرون به إلى الهاوية.
وشاء الله أن تتاح الفرصة بعض الشيء لتتضح للشعب الحقيقة، ويكشف الزيف والتهم الباطلة التي ألصقت -زورًا وبهتانًا- على العاملين الصادقين للإسلام، ومدى الظلم الذي وقع عليهم دون جريرة ولا ذنب إلا أن يقولوا: ربنا الله، وأن شريعة الله لابد أن تحكم لكي يسعد بها الناس.
إن التيار الإسلامي يحمد لشعب مصر هذه المشاعر وهذه العاطفة الجياشة التي لمسها في الانتخابات الأخيرة، ويحمد الله أن بدأت القناعة تأخذ مكانتها في نفوس أبناء الشعب بأن الإسلام هو الحل، وأنه لا خلاص ولا إنقاذ مما نعانيه إلا بمنهاج رب العالمين الخالق العليم بخلقه الرءوف الرحيم بهم.
إن أفراد التيار الإسلامي الذين تعرضوا للسجن والتعذيب والقتل لا لشيء إلا أنهم يريدون الخير لهذا الشعب، ويقولون كلمة الحق للطغاة، ولا يخافون لومة لائم، ولم يقبل الطغاة أن يكون من بين الشعب من يقول لهم: "لا"، وأطلق الطغاة علي أبناء التيار الإسلامي أنهم أعداء الشعب، وعلم الله أنهم أخلص الناس لهذا الشعب وأحب أبناء الشعب لهذا الشعب، ولم نكن نصدق أبدًا -ونحن في السجون وتحت سياط التعذيب- أن أفرادًا من الشعب يحملون لنا كراهية أو بغضاء رغم خداع أجهزة الإعلام!!، وقد أكد هذا الإحساسَ ما لمسناه في الانتخابات الأخيرة من رصيد مُدخر في أعماق هذا الشعب نحو عقيدته ونحو العاملين الصادقين لهذه العقيدة.
إن التيار الإسلامي يتوجه بكل الصدق والإخلاص إلى الشعب المصري لتوضيح المواقف وتصحيح المفاهيم، وبقصد توحيد الوجهة وتضافر الجهود لإعادة بناء هذا الوطن العزيز، والتخلص من كل صور المعاناة التي يلاقيها شعبناº ولكي نبني مستقبلاً طيبًا عزيزًا هنيئًا للأجيال التالية، ولتستعيد مصر مكانتها السامقة بين الدول، وتحتل مكان الريادة بين دول العالم الإسلامي، وليؤدي الأزهر الشريف دوره المشرق المنير-كما كان وأفضل-، ولتصدر مصر الخير والخيرات كعهدها السابق بدلاً من أن تستورد، ولتقدم العلم والخبرة لأشقائها من الأقطار العربية والإسلامية، ولتفتح أبوابها لطلاب العلم من كل الأقطار، ولتقف بجانب المظلومين والمعتدي عليهم من الأقليات الإسلامية في أي مكان.
هذا ما يريد التيار الإسلامي أن يوضحه لشعب مصر، فليستمع الشعب المصري لصوت التيار الإسلامي، وليلب نداءه، ولنسارع جميعًا إلي فعل الخيرات مستعينين بالله، وفي ظل الحب والأخوة والعاطفة بين أبناء الشعب جميعًا، متخلصين من أسباب الفرقة والخلاف والنفاق والمهاترات، فالأمر لا يحتمل، والوقت لا يمهل، فإلى الأمام دائمًا، وإلى العمل الجاد، وبالله التوفيق.