التكافل في المجتمع الإسلامي ليس قاصرًا على التكافل المادي فحسب، ولكنه يقوم على التكافل المعنوي الروحي أولاً، وهو أسمى صور التكافل، ولا تجده في غير المجتمعات الإسلامية، وهو في الوقت نفسه الدعامة الأساسية، والدافع الأصلي للتكافل المادي، فالإسلام يريد العلاقة بين أفراد مجتمعöه مثاليةً ويعتبرها مقياس إيمانه واستقامته، حيث يقول -صلى الله عليه وسلم- "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ويقول "المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا".
إن هذه الصورة من العلاقة تجتث من الإنسان مشاعر الفردية البغيضة والأنانية والأثرة، ويؤكد القرآن هذه العلاقة في قوله تعالى?وَالْمُؤْمöنُونَ وَالْمُؤْمöنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلöيَاءُ بَعْضٍ?، وفي قوله تعالى?إöنَّمَا الْمُؤْمöنُونَ إöخْوَةñ?، وهاهو الرسول -صلى الله عليه وسلم- يجسم لنا هذه العلاقة في صورة حسية في قوله -صلى الله عليه وسلم- "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكي منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" وهكذا تتَّحد مشاعر وأحاسيس أفراد المجتمع وتساند بعضها بعضًاº لتحقيق السعادة والأمن للمجتمع الإسلامي.
ولقد تحقق تطبيق هذه المعاني الإيمانية بين الأنصار والمهاجرين بأروع صورةٍ سجلها لهم القرآن الكريم:? يُحöبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إöلَيْهöمْ وَلاَ يَجöدُونَ فöي صُدُورöهöمْ حَاجَةً مّöمَّا أُوتُوا وَيُؤْثöرُونَ عَلَى أَنْفُسöهöمْ وَلَوْ كَانَ بöهöمْ خَصَاصَةñ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسöهö فَأُولَئöكَ هُمُ الْمُفْلöحُونَ?.
هل هناك مجتمع -غير المجتمع الإسلامي- يملك وسيلةً يحارب بها الفردية، ويستل الأثرة من قلوب أفراده، كما يحققها المجتمع الإسلامي؟!
بهذا المنهاج الرباني في التكافل المعنوي والمادي استطاعت الشعوب الإسلامية، أن تعيش في عافية وطمأنينة -رغم العسف والظلم الذي يلاقونه من الحكام الطغاة-، فهذه الروابط القوية جعلت الأفراد يخففون أعباء الحياة بعضهم عن بعض، ويتعاونون في مواجهة الصعاب والعقبات، بينما عانت المجتمعات الأخرى- في القديم والحديث- من قسوة الأنانية وصراع المادة، مما كان أثره الثورات الدامية والمذاهب الشاذة.
لقد طحنت أوروبا رَحى الإقطاع الذي كانت الكنيسة تسانده وتضع له الدعائم، وكان المجتمع يعيش كحيوانات الغابة، لا يأسَي أحد على أحد، ولا يحسون بالتعاطف، ولا يشعرون بوحدة ولا رحمة، ولا يجوز أن يخدعنا التقدم المادي في الغرب، فرفاهية الإنسان ليست الطريق إلى السعادة الحقة، فنسبة الانتحار نجدها أعلى في المجتمعات الأكثر رفاهيةً، فكل إنسان هناك يحس أنه يعيش حياته بل مأساته وحده، فليس هناك تراحم يجعل المجتمع جسمًا واحدًا.
هكذا نرى أن الإسلام ينفرد بإحكام الرابطة بين أبنائه في مجتمعه ويؤسّöسها على قاعدة طبيعية عميقة، لا تنبت الحقد، ولا تثمر الصراع، ولا تحيل الحياة جحيمًا لا يطاق.
وإذا كانت هناك بعض مظاهر الشرور في مجتمعاتنا اليوم، فهي من الثمار الخبيثة التي أثمرتها الموجة المادية التي طغت على أقطارنا الإسلامية مع الغاصبين المحتلين من أعداء الإسلام، وهذا ما نريد أن نطهر مجتمعاتنا من آثارها، ونعيد لها طابعها الإسلامي الحاني المتراحم.
تعاليم الإسلام وروحه كلها تحث على تقوية الرابطة بين أفراد المسلمين، وتحذرهم أن يقللوا من شأنها، فيقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا"، ونجد صلاة الجماعة في المسجد- خمس مرات- في اليوم، تدعم العلاقة، وتؤكد التآزر والتضامن، ويحث الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليها فيقول: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"، ويقف فيها الجميع في صف واحد بروح واحدة، لا شذوذ ولا اختلاف، وتذيب ما بين المؤمنين من فوارق الثورة والجاه، وتؤكد لهم حق الأخوة، كما فرض الإسلام صلاة الجمعة لا يُعفى منها إلا أصحاب الأعذار.
ومن الروابط الاجتماعية التي يحرص عليها الإسلام علاقةُ الجوار، وقد وردت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي تحث عليها، وتعززها، فيقول الله تعالى:?وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرöكُوا بöهö شَيْئًا وَبöالْوَالöدَيْنö إöحْسَانًا وَبöذöي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكöينö وَالْجَارö ذöي الْقُرْبَى وَالْجَارö الْجُنُبö وَالصَّاحöبö بöالجَنْبö وَابْنö السَّبöيلö وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ?، ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" وقال أيضًا: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا من يا رسول الله، قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه. قيل: وما بوائقه؟ قال شره" وهكذا إذا قويت الرابطة بين كل جار وجاره سيؤدي ذلك إلى ربط المجتمع بعضه ببعض.
وقد رتب الرسول -صلى الله عليه وسلم- على علاقة الجوار جانبًا ماديًا أيضًا، فنجده -صلى الله عليه وسلم- يقول لأبي ذر- رضى الله عنه-: "يا أبا ذر إذا طبخت فأكثر المرقة وتعاهد جيرانك أو اقسم بين جيرانك"، وفي جزء من حديث عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول "لا يشبع الرجل دون جاره"، وإذا كان ذلك فيما يخص قضية الجوع، فيمكن أن ينعكس ذلك أيضًا على المرض والعجز عن العلاج، وقسوة البرد والمعاونة على الدفء وهكذا.
ولعنا نجد آثار هذه العلاقة لا زالت تظهر في القرى، وفي كل بيئة تحتفظ بعلاقات الإسلام، وتعيش في ظلها، في حين نري مشاعر العزلة والانفراد تسيطر على المجتمعات الغربية، وقد لا يعرف الجار شيئًا عن جاره، ولو عرف لا يشاركه شيئًا من أعبائه، وقد نري بعض هذه الصور ابتليت به بعض الأوساط في مجتمعاتنا، وهذا ما نسعى للتخلص منه.
وثَمَّة رابطةُُ أخري يدعمها الإسلام، وهي رابطة الأسرة، وما بينها من قرابة ورحم، وما المجتمع إلا مجموعة من الأسر، فإذا قويت الرابطة بين أفراد الأسرة، وقويت الرابطة بين الجيران تحقق المجتمع المترابط المتكافل المتعاون المتراحم.
وهاهو القرآن يحث على صلة القرابة والرحم، وينهي عن قطعهان فيقول تعالى:?وَأُولُو الأرْحَامö بَعْضُهُمْ أَوْلَى بöبَعْضٍ فöي كöتَابö اللهö? ويقول?فَآتö ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمöسْكöينَ وَابْنَ السَّبöيلö ذَلöكَ خَيْرñ لّöلَّذöينَ يُرöيدُونَ وَجْهَ اللهö وَأُولَئöكَ هُمُ الْمُفْلöحُونَ? ويقول?فَهَلْ عَسَيْتُمْ إöن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسöدُوا فöي الأَرْضö وَتُقَطّöعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئöكَ الَّذöينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ?، ويحث الإسلام على إصلاح ذات البين، وأن فساد ذات البين هي الحالقة التي تحلق الدين، كما يدعو إلى وصل ما ينقطع من رحم، فيقول -صلى الله عليه وسلم-: "ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها".
وهكذا يتميز المجتمع الإسلامي بقوة صلة الرحم وذي القربى، بما لا تجده بهذه الصورة في غيره من المجتمعات التي يسمونها مجتمعات تقدمية، فلم يعد للأبوة والأمومة شأنها الغابر، وأصبح الناشيء ينسلخ من منبته، ويكاد يقطع صلاته به، وإذا اضطر للسكن مع أبويه يطالبونه بإيجار الحجرة التي ينام فيها معهم، كما نجد الأب المسنّ أو المرأة المسنّة لا يجدون العطف والبر والرعاية من أولادهم، وربما مات أحدهم في شقته دون أن يدري بهم أحد.
وكما أن الجوار في الإسلام يعني المشاركة في الأفراح والأحزان مشاركةً عمليةً مخلصةً، وتعنى تكافلاً ماديًا أمام النوائب، وتسانُدًا أمام الأحداث، يهون على الجار ما يلقاه.. فإن صلة القرابة والرحم يرتب الإسلام عليها تكافلاً اجتماعيًا واضحًا، فقد أوجب الإسلام على القادر أن يكفل العاجز من أصوله أو فروعه، حتى يستغني بكسبه ويواجه الحياة بقدرته، فالرجل يرعى زوجته وأولاده، ويسعى في الأرض من أجل كفايتهم وسعادتهم، وهو يصنع ذلك عن رضا وسرور، وهو يعلم أنه مأجور من الله على ذلك، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك".
وليس هذا غضًا من أجر الإحسان، ولكنه ترتيب لأنواع التكافل الاجتماعي، فما يقدمه الإنسان للآخرين، لابد أن يلي ما يقدمه لنفسه وأهله، وقد بين ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث يقول:"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول".
وكما فرض الإسلام على الأصول أن تراعي الفروع في الأسرة الواحدة، فكذلك أوجب على الفروع النفقة على الأصول في حالة العجز، وتبدو المسألة حينئذٍ وفاءً وأداءً للدين الذي استودعه الآباء لدى الأبناء، فرعاية الأبناء للأباء عند الضعف والكلال، من أول ما يفرضه الإسلام، حتى تبقي للأسرة قداستها، وتصان كرامتها، وإلا فلا بقاء للأسرة ولا حياة.
وللأسف نسمع عن بعض الجحود بين الأنباء لآبائهمº وهذا نتيجة البعد عن تعليم الإسلام وآدابه، مما نُحذر منه، وندعو الجميعَ إلى العودة للالتزم بتعاليم هذا الدين القويم.
وبعد الآباء والأبناء يأتي ذوو القربى أوالأقربون، وأولئك يشملهم أمر التضامن، ويحيطهم أفق التكافل الاجتماعين فيقول الله تعالى:?فَآتö ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمöسْكöينَ وَابْنَ السَّبöيلö ذَلöكَ خَيْرñ لّöلَّذöينَ يُرöيدُونَ وَجْهَ اللهö وَأُولَئöكَ هُمُ الْمُفْلöحُونَ?،? وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبّöهö ذَوöي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكöينَ?، وهذا يقتضي ألا يكون في الأسرة الواحدة غنيُُ مترفُُ وفقيرُُ مُعْوزُُ، وأن يتضامن أبناء الأسرة الواحدة في سد ثغرات الفقر وكفاية أعباء الحياة.