من أخطر العلل والأمراض التي أصابت الكثير من أفراد الشعب المصري ظاهرة السلبية واللامبالاة وعدم الشعور بالمسئولية نحو وطننا مصر ومستقبله. نعلم أن هناك أسبابًا أدت إلى ذلك سنعرض لها، ولكن هل لنا أن نتساءل: إذا لم يشعر أبناء مصر بمسئوليتهم عن صالح مصر ومستقبل أجيالها فعلى من نلقي هذا المسئولية؟ هل نلقيها على أمريكا والشعب الأمريكي؟ أم على الكيان الصهيوني المغتصب؟ أم أن الأولى بذلك هيئة الأمم المتحدة باعتبار مصر إحدى دولها؟ أم نخص دول عدم الانحياز؟ أم أن الأولى من هؤلاء جميعًا جامعة الدول العربية؟
لا يجوز لمصري أن يدور بخلده أن يتوقع من أي من الجهات التي ذكرناها أن تشعر بمسئولية نحو مصر، تدفعها للإسهام في إنقاذ شعبها أو بناء مستقبلها، ولسنا مغالين إذا قلنا إن بعض هذه الجهات تريد لمصر الخراب والتخلف وتسهم فعلاً في تحقيق ذلك.
إن التيار الإسلامي وقد أبصر حقيقة هذا الواقع يتوجه إلى شعب مصر ويقول إنه لن يقوم بهذه المسئولية وبكل تبعاتها الثقيلة غير شعب مصر نفسه. فهو الذي يعاني الآلام والمتاعب ويقاسي الأزمات المتعددة، فهو الأولى بأن يستشعر هذه المسئولية، وأن تكون هذه المعاناة هي الوقود الذي يدفعه إلى التفكير الجاد والعمل المخلص للتخلص من كل هذه العلل والأمراض، والتخطيط العلمي الدقيق لتحقيق مستقبل زاهر للأجيال التالية من شعب مصر، وإذا أحسنا الظن بالبعض بأنهم يلقون بهذه المسئولية على المسئولين عن الحكم في مصر وعلى ممثلي الشعب، فإننا نقول لهؤلاء: لقد أثبتت الأيام والسنون والأحوال والتجارب غير ذلك، وأن الكثير ممن في هذه المواقع تشغلهم مصالحهم الشخصية عن مصلحة الوطن، وإذا أحسنا الظن ببعضهم وقلنا إنهم لا تشغلهم مصالحهم، فإننا نجد معظمهم ليس على مستوى المسئولية من حيث القدرة والكفاءةº لأنهم اختيروا للثقة وليس للكفاءة.
ولسنا في حاجة إلى تدليل على خطأ الطريقة التي يختار بها ممثلو الشعب في مجالس الشعب وما يعمها من تزوير وتزييف لإرادة الشعب، وبالتالي الحكومة التي تمثل الأغلبية في مثل هذه المجالس، وكذا الرقابة عليها ومحاسبتها.
من النادر أن تجد من بين من يختارون بتلك الطريقة المزورة من يشعرون حقًًا بآلام الشعب ومتاعبه بصورة تؤرقهم وتشغل بالهم وتدفعهم إلى العمل الدائب لتغيير هذه الأحوال والتخلص من أسباب تلك المعاناة.
ولئن كانت الانتخابات الأخيرة رغم ما صاحبها من ضغوط وتزوير إلا أنها أفرزت عنصرًا جديدًا تحت لافتة التحالف الإسلامي وشعار "الإسلام هو الحل" إنه عنصر يؤرقه ضميره الإسلامي لكي يبذل جهده ووقته وتفكيره في سبيل مصلحة الشعب وإنقاذه من مآسيه، وتهيئة مستقبل فاضل للأجيال التالية، حقًا، إن نسبة هذا العنصر بالنسبة لنواب الحزب الحاكم أقلية بسيطة، وتحاول الأغلبية إخفات صوت الحق الذي يرتفع به هذا العنصر الجديد، ولكنه لن يخفت وسيظل يعلو ويعلو حتى يصير هو صوت الرأي العام كله، ولن يعلو عليه صوت آخر بإذن الله.
إن التيار الإسلامي الذي قاسى أكثر من غيره من سياساتٍ غاشمةٍ سابقةٍ يلتمس بعض العذر لأفراد الشعب الذين ظهرت عليهم حالة الشعور باللامبالاة أو اليأس من الإصلاح.
فالحكم الدكتاتوري وسياسة القمع والقهر والسجون والتعذيب والقتل كل ذلك كان كفيلاً أن يوقف أي محاولات للبناء والإصلاح وإحجام الكفاءات المخلصة عن الظهور والتقدم وآثرت الوقوف في الظل خشية التعرض لشيء مما ذكرنا، وبهذا تهيأ المناخ لبروز المنافقين والمنتفعين من غير ذوي الكفاءات.
كما أن تجربة تطبيق النظام الاشتراكي الفاشل وما صحبه من سياسة التأميم والمصادرات والحراسات والقطاع العام وإسناده لمن لا خبرة لهم من أهل الثقة الضباط، والتحكم في الاستيراد والتصدير وما رتبه ذلك من ظهور السوق السوداء وما أفرزته من تدنٍ في الأخلاق وانتشار الرشوة والكسب غير المشروع، وعمليات نهب أموال الدولة بشتى الصور، والتستر عليها لمشاركة المقربين للسلطة فيها، وخداع الميزانيات للقطاع العام وإظهارها أنها رابحةُُ وهي في الحقيقة خاسرة وغير ذلك الكثير مما لا يتسع له المقام، ومما لا يجهله العامة والخاصةُ من الشعب.
لا شك أن هذه الظواهر التي ذكرنا بعضها كفيلة أن تولد السلبية واللامبالاة عند الكثير من أفراد الشعب المصري، ونحن لا نسوق هذا التشخيص جزافًا أو فتراءً، ولكن يكفي أن أضرب للقراء مثلاً لصورة تكررت مراتٍ ومراتٍ: يقوم فرد أو مجموعة من الأفراد بالتفكير في مشروع إنتاجي نافع يغني الدولة عن استيراد ذلك المُنتج من الخارج بالعملة الصعبة، وبعد جهود مضنية في سبيل الحصول على الترخيص والتغلب على الإجراءات القانونية والروتين المعقد، ثم يبدءون في إقامة المبنى واستيراد الآلات اللازمة وكلهم أمل مشرق في نجاح المشروع، وإذا بهم فجأة يُعتقلون أو يُعتقل بعضهم ضمن الإعتقالات العشوائية التي تتم بين الحين والحين وتنقطع صلتهم بالمشروع بل تنقطع عن ذويهم أيضًا، وبعد أشهر وربما سنوات يفرج عنهم دون محاكمة إذ لم يكن هناك جريرةُُ أو جريمةُُ تستدعي اعتقالهم، ليتصور معي القراء مصير هذا المشروع الذي بدءوه، ومدي الإحباط النفسي الذي يصيب هؤلاء وكل من علم بأمرهم؟ وكيف يكتب لمثل هذه المشروعات النافعة أن تتم في مثل هذه الظروف؟ والبركة في قانون الطوارئ وسوء استخدامه.
بسبب هذه المآسي وغيرها تولد الشعور باللامبالاة وعدم الشعور بالمسئولية ودفع الكثير من شباب مصر إلى الهجرة خارج مصر وطنهم العزيز وقد استفادت دول الغرب من هذه العقول المصرية الكثير، فقد وجدوا هناك الأمن واحترام حرمات الفرد بما لم يجدوه في وطنهم مصر، وإن كان البعض هاجر إلى بعض الدول العربية فقد أفادوا واستفادوا، ولكنهم كلما سمعوا عن حالة عدم الاستقرار في مصر واستمرار قانون الطوارئ عزفوا عن العودة وعن استثمار أموالهم داخل مصر.
واليوم تعلو الأصوات باستنكار استثمار هؤلاء الأفراد أموالهم خارج مصر، ونحن نؤيد الاستثمار في بلدنا ولكن الأولي بهذه الأصوات المرتفعة أن تطالب بإزالة الأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة، فإنه لو تم ذلك وتهيأ المناخ الآمن فسيتم تلقائيًا عودة أبناء الوطن بأموالهم إلى وطنهم فهو أحق بهم وبجهودهم وأموالهم.
هذا الذي ذكرناه هو محاولة متواضعة مبسطة لتشخيص الأسباب التي أدت إلى بروز ظاهرة اللامبالاة وعدم الشعور بالمسئولية عند الكثيرين من أفراد الشعب، وكنا نود أن تتوارى هذه الأسباب كلية في العهد الحاضر، ولكن للأسف الشديد لازال بعضها يُمارس بصورة واضحة لكل ذي عينين، فحالات التفزيع والإرهاب الحكومي والاعتقال دون جريرة والتعذيب قائمة وغير خافية وقد أدانها القضاء. وتزييف إرادة الشعب عند تمثيله في مجلس الشعب أمر واضح ومعلوم وقد أدانه القضاء أيضًا وضرب بحكم القضاء عرض الحائط، وعدم الاستفادة من الكفاءات المخلصة وتقديم المتقربين زلفى عليهم أمر مستمر أيضًا، وتعقيد الإجراءات والروتين لازال قائمًا.
ولكن... مع كل ذلك فإن التيار الإسلامي وكله أمل في مستقبل زاهر مستقر لمصر يناشد شعب مصر وكل أفراد شعب مصر ألا يتخلوا عن الشعور بالمسئولية نحو وطنهم، وأن يتخلصوا من كل آثار السلبية واللامبالاة التي ترسبت في نفوسهم بسبب الظروف التي أشرنا إليها.
ولنبدأ جميعًا حكامًا ومحكومين صفحة جديدة نتبادل فيها الرأي والحوار حول مصلحة مصر ومستقبل مصر، وتعود الثقة المفقودة بين الشعب والسلطة الحاكمة، نريد حوارًا جادًا تتاح فيه فرصة النصح والنقد البناء بكل صبر وسعة صدر ودون ضيق أو تبرم بكلمة الحق مهما كانت مرة.
نريد صفحةً جديدةً يضيق فيها الخناق على النفاق والمنافقين، ويفسح فيها الطريق للصادقين والمخلصين. نريد للمواهب التي قبرت في الماضي أن تبعث من جديد وتنطلق لتسهم في بناء الوطن، ولتحقيق الاكتفاء الذاتي خاصةً في المواد الغذائية والسلاح، نريد تهيئة المناخ الآمن لتعود كفاءاتنا المهاجرة لتسهم معنا في هذا البناء بجهودهم وأموالهم، وعلى النظام الحاكم أن يبدأ الخطوات الأولى في هذه الصفحة الجديدة بإلغاء قانون الطوارئ وتذليل كل العقبات التي تقف في طريق الإنتاج والاكتفاء الذاتي وأن تتوج ذلك كله بإزالة وإلغاء المنكرات التي تجلب علينا سخط الله وتمحق البركة كالخمر والربا والميسر واللهو والفجور.
لقد قامت دول-أقل من مصر شأنًا- بنهضةٍ عظيمة تحولت فيها من التبعية الذليلة إلى الاكتفاء الذاتي واستقلال الشخصية واعتدال موازينها الاقتصادية، وصارت مصدرة أكثر منها مستوردة، وذلك عندما توفر لدى أبنائها القوة النفسية العظيمة والإرادة القوية والعزيمة الماضية مع الشعور الكامل بالمسئولية وإن التيار الإسلامي ليهيب بشعب مصر وهو الشعب المسلم الأبي العريق أن يستيقظ من الغفلة التي عمّت الكثيرين، وأن يصحو من تلك الغيبوبة التي أرادها له الأعداء، نريده أن ينفض غبار النوم ويتخلص من آثار الهزيمة النفسية ومن أهمها الإحباط والسلبية واللامبالاة وعدم الشعور بالمسئولية.
إن عقيدة الشعب المصري من شأنها أن تربي فيه العزة والقوة والكرامة وتربي فيه الضمير الحي والشعور بالتبعة والمسئولية أمام الله، وتمده بكل المقومات التي يحتاجها للنهوض من هذه الكبوة، ولكي يطوي تلك الصفحات القاتمة من حياته ليبدأ صفحات بيضاء ناصعة مشرقة مليئة بالأمل الكبير نحو مستقبل فاضل تسوده الحرية والسعادة والأمن والعدل متخلصًا من السلبيات والعلل والأمراض، وبالله العون والتوفيق:?وَقُلö اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمöنُونَ?(التوبة: من الآية105).