أوضحنا فيما سبق للشعب المصري العزيز بصورة قاطعة الدلالة، أن مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات التي غزت مجتمعاتنا مع الاحتلال العسكري كانت وراء ما أصابنا من علل وأمراض متنوعة وأزمات ومشاكل مختلفة، وبينا كيف أن هذه الحضارة المادية قد انتصرت بوسائلها الفتاكة المختلفة في تلك الحرب الضروس على أرض الإسلام، وكان ميدانها نفوس المسلمين وأرواحهم وعقائدهم وعقولهم كما انتصرت في الميدان السياسي والعسكري، فمظاهر الحياة لا تتجزأ، والقوة قوةُُ فيها جميعًا، والضعف ضعف فيها جميعًا كذلك?وَتöلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوöلُهَا بَيْنَ النَّاسö? (آل عمران: من الآية140). ومن ذلك فقد ظلت مبادئ الإسلام قوية في ذاتها لأنها الحق، ولن تقوم الحياة الإنسانية كاملةً فاضلةً بغيرها، ولأنها من صنع الله وفي حفظه: ?وَيَأْبَى اللَّهُ إöلَّا أَنْ يُتöمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرöهَ الْكَافöرُونَ? (التوبة: من الآية32).
ولكن في ظل قاعدة لكل فعل رد فعل مضاد، فقد تنبهت المشاعر للتصدي للغزو السياسي والعسكري كذلك كان للغزو الاجتماعي ردُُ فعل كان له أثره في انتعاش الفكرة الإسلامية، ويوضح الإمام البنا هذا المعنى بأسلوبه السهل العميق فيقول: "وكما كان للعدوان السياسي والعسكري أثره في تنبيه المشاعر القومية، كذلك كان لهذا الطغيان المادي أثره في انتعاش الفكرة الإسلامية، فارتفعت الأصوات من كل مكان تطالب بالرجوع إلى الإسلام، وتفهم أحكامه وتطبيق نظامه، ولا بد أن يأتي قريبًا ذلك اليوم الذي تندك فيه صرح هذه المدنية المادية على رؤوس أهلها، وحينئذ يشعرون بسعير الجوع الروحي تشتعل في قلوبهم وأرواحهم ولا يجدون الغذاء والشفاء والدواء إلا في هذا الكتاب الكريم:?يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعöظَةñ مّöن رَّبّöكُمْ وَشöفَاءñ لّöمَا فöي الصُّدُورö وَهُدًى وَرَحْمَةñ لّöلْمُؤْمöنöينَ*.قُلْ بöفَضْلö اللهö وَبöرَحْمَتöهö فَبöذَلöكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرñ مّöمَّا يَجْمَعُونَ?".
وتعالوا معنا ننظر كيف يحلل الإمام البنا هذه الحضارة المادية التي انبهر بها الكثير من أبناء وطننا في حين أنها لم تحقق الراحة والسعادة لأهلها فيقول رضوان الله عليه: "حقًا لقد تقدم العلم وتقدم الفن وتقدم الفكر، وتزايد المال، وتبرجت الدنيا، وأخذت الأرض زخرفها وازينت، وأترف الناس ونعموا، ولكن هل جلب شيء من هذا السعادة لهم؟ هل اطمأنت الجنوب في المضاجع؟ هل جفت الجفون من المدامع؟ هل حوربت الجريمة واستراح المجتمع من شرور المجرمين؟ هل استغني الفقراء وأشبعت الملايين التي ملأت الأرض وسرت مسرى الهواء العزاء إلى المحزونين؟ هل تذوقت الشعوب طعم الراحة والهدوء وأمنت عدوان المعتدين وظلم الظالمين؟
لا شيء من هذا أيها الناس، فما فضل هذه الحضارة –إذن- على غيرها من الحضارات؟ وهل هذا فحسب؟ ألسنا نرى هذه النظم والتعالى والفلسفات – حتى في العلوم والأرقام – يحطم بعضها بعضًا ويقضى بعضها على بعض، ويرجع الناس بعد طول التجربة وعظيم التضحيات فيها بمرارة الفشل وخيبة الأمل وألم الحرمان؟".
ثم يتعرض إلى الموقف الواجب علينا إزاء هذه الموجة المادية الطاغية وضرورة التصدي لها وإزالة آثارها بكل العزم والقوة والأمل فيقول: "إن مهمتنا أن نقف في وجه هذه الموجة الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات التي جرفت الشعوب الإسلامية، فأبعدتها عن زعامة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهداية القرآن، وحرمت العالم من أنوار هديها، أخرت تقدمه مئات السنين، حتى تنحسر عن أرضنا ويبرأ من بلائها قومنا. ولسنا واقفين عن هذا الحد بل سنلاحقها في أرضها ونغزوها في عقر دارها، حتى يهتف العالم كله باسم النبي - صلى الله عليه وسلم-، وتؤمن الدنيا كلها بتعاليم القرآن، وينتشر ظل الإسلام الوارف على الأرض، وحينئذ يتحقق للمسلم ما ينشده، فلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ?لöلَّهö الْأَمْرُ مöنْ قَبْلُ وَمöنْ بَعْدُ وَيَوْمَئöذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمöنُونَ * بöنَصْرö اللَّهö يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزöيزُ الرَّحöيمُ? (الروم:4- 5).
هكذا بهذه البساطة والإيجاز مع عمق النظرة وسلاسة الأسلوب يوضح لنا الإمام البنا زيف هذه الحضارة المادية التي غزت بلادنا وتركت آثارها المدمرة، وكيف أنها أشقت أهلها وأشقتنا كذلك، حيث أبعدتنا عن منابع السعادة والراحة والأمن والاطمئنان وعن النور الإلهي والهدي القرآني وزعامة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأوضح أن الإسلام هو الحل لكل هذه المشاكل التي عمت البشرية. ونراه يحدد مهمة العاملين للإسلام إزاء هذه الموجة المادية في أن يحسروها عن أرضنا وأن يغزوها في عقر دارها، ولا شك أن هذه روح عالية واطمئنان أن نور الحق حينما يحمله المؤمنون سيزهق الله به الباطل في أي مكان مهما انتفش.
وعلى ضوء ذلك فإن التيار الإسلامي يطلب من شعب مصر أن يجدد علاقته مع ربه وأن يجدد الثقة بدينه وأنه الدين الحق المقبول عند الله، وبالشريعة السمحة العادلة التي لا يعدلها شيء من قوانين البشر.
نريد من شعب مصر أن ينزع من قلبه كل آثار الوهن والضعف، وأي شعور باليأس وأن يملأ الأمل كل قلب والشعور بالعزة والقوة، وأن ينفض أفراد الشعب غبار النوم والكسل، وينشغلوا بقضية بناء هذا الوطن.
نريد أن نقف جميعًا حراسًا أمناء لهذا الوطن نحميه من كل من يريد به شرًا سواءً كان من أعدائه أومن عملائهم.
وحول هذه المعاني يقول الإمام الشهيد البنا: "إن من واجبنا -وفي يدنا شعلة النور وقارورة الدواء- أن نتقدم لنصلح أنفسنا وندعو غيرنا، فإن نجحنا فذاك وإلا فحسبنا أن نكون قد بلغنا الرسالة وأدينا الأمانة، وأردنا الخير للناس، ولا يصح أبدًا أن نحتقر أنفسنا فحسب الذين يحملون الرسالات ويقومون بالدعوات من عوامل النجاح، أن يكونوا بها مؤمنين ولها مخلصين وفي سبيلها مجاهدين، وأن يكون الزمن ينتظرها والعالم يترقبها، فهل من مجيب ?قُلْ إöنَّمَا أَعöظُكُمْ بöوَاحöدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لöلَّهö مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بöصَاحöبöكُمْ مöنْ جöنَّةٍ إöنْ هُوَ إöلَّا نَذöيرñ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدöيدٍ?(سِبأ:46).
فالتيار الإسلامي يريد من أفراد شعب مصر أن ينزعوا من قلوبهم أي اعتقاد بصلاح النظم الأرضية وأن يتحقق عندهم اليقين بفشلها وإفلاسها، وأنه ليس أمامنا إلا النظام الإسلامي بتعاليمه وأحكامه. فقد آمنا بهذا الإسلام الحنيف دينًا ودولة، واعتبرنا مصر دولة إسلامية بل هي زعيمة دول الإسلام، وهذا الشعب يدين بهذا الدين الحنيف، والأقلية غير المسلمة من أبناء هذا الوطن تعلم تمام العلم كيف تجد الطمأنينة والأمن والعدالة والمساواة التام في كل تعاليمه وأحكامه. هذا الذي يقوله كتابه?لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنö الَّذöينَ لَمْ يُقَاتöلُوكُمْ فöي الدّöينö وَلَمْ يُخْرöجُوكُمْ مöنْ دöيَارöكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسöطُوا إöلَيْهöمْ إöنَّ اللَّهَ يُحöبُّ الْمُقْسöطöينَ?(الممتحنة:8) والكلام في هذا المعنى مفروغ منه، وهذا التاريخ الطويل العريض للصلة الطيبة الكريمة بين أبناء هذا الوطن جميعًا – مسلمين وغير مسلمين – يكفينا مؤونة الإفاضة والإسراف، فإن من الجميل حقًا أن نسجل لهؤلاء المواطنين أنهم يقدرون هذه المعاني في كل المناسبات، ويعتبرون الإسلام من معاني قوميتهم وإن لم تكن أحكامه وتعاليمه من عقيدتهم.
ونريد أن نؤكد للشعب المصري أن التيار الإسلامي -الذي سبق تعريفنا له- لم ولن يكون بإذن الله موضع اتهام بما يسمونه الفتنة الطائفية، بل إنه حريص كل الحرص على الوحدة الوطنية وعلى تحقيق الأمن والاستقرار لهذا الوطن العزيز، ولكن ماذا نقول للأقلام المأجورة؟ نسأل الله أن يهديها وأن يسخرها لصالح هذا الوطن.
نريد من شعب مصر أن يكون على بصيرة ومعرفة دقيقة بمن يريدون له الخير والأمن والسعادة والرقي من غيرهم، الذين يريدون مصالحهم الشخصية ولو كانت على حساب أمن وسعادة ورقي الشعب، ولو كانوا في مواقع المسئولية ويظن الناس أنهم يسهرون على خدمة الشعب. إن تحديد هذه النوعيات وتحديد المواقف معهم أمر ضروري حتى لا تلتبس الأمور ويختلط الحق بالباطل.
لقد تعرض وطننا العزيز مصر إلى محاولات مريرة لتطبيق بعض المبادئ الأرضية كالرأسمالية والاشتراكية والقومية وغيرها، وقاسى ولا يزال يقاسي من النتائج السيئة لتلك المحاولات، وسواء كان فرض تطبيق هذه المبادئ على شعبنا تنفيذًا لمخطط الأعداء لإبعادنا عن ديننا وشريعتنا، أو كان نتيجة انهيار حكامنا المغلبين بهذه المبادئ وظنهم أن فيها صلاح بلادنا، فقد أثبت الواقع التطبيقي خطأ هذا الظن وأوصلنا إلى الشقاء والضياع والدمار والضعف الذي دفعنا إلى التبعية وفقدان عزتنا وكرامتنا واستقلال قراراتنا. وصار الكثير من أبناء هذا الشعب المخلصين في حيرة حول كيفية الخروج من هذا الأزمة والنجاة من الانحدار إلى الهاوية، بدأ اليأس يداخل نفوس الكثيرين من أبناء هذا الوطن لكثرة العلل وعدم سلوك الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى الشفاء والتخلص من هذه العلل والأمراض، بل على العكس نرى المسئولين يحاربون من بيدهم قارورة الدواء من الدعاة المخلصين المطالبين بتطبيق شريعة الله، وإلغاء كل المنكرات والكبائر التي تجلب علينا سخط الله ومحق البركة كالربا والخمر والميسر وغيرها من المعاصي والآثام.
هذا هو الدواء ولا دواء غيرهº لأنه من عند الله العليم الخبير اللطيف بخلقه?أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطöيفُ الْخَبöيرُ?(الملك:14).
نريد من أفراد الشعب أن يقتنعوا أولاً بأن هذا هو الدواء الوحيد الذي يرجى من روائه الشفاء والنجاة وأن يطالبوا المسئولين بكل الإصرار بأن يعدلوا عن هذا التخبط بين المبادئ الأرضية التي تعلن كل يوم فشلها وإفلاسها، وليلجأوا إلى العلاج، إلى شريعة الله العادلة.
نريد من الشعب أن يطالب المسئولين بعدم التضييق على المواطنين المخلصين الذين يتحرقون شوقًا لبناء وطنهم على أساس من شرع الله، وأن تُتاح لهم فرص التحرك وتوضيح الحل الإسلامي للرأي العام، والقيام بالمشروعات الناجحة للإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
نريد من شعب مصر أن تكون له وقفات مع نوابه في مجلس الشعب ويطالبونهم بتحقيق هذه المطالب ويتابعون ذلك معهم ويحاسبونهم على حسن تمثيلهم في مجلس الشعب وألا يخونوا أمانة هذا التمثيل. ?قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد?
لقد أتى على بلادنا الإسلامية حين من الدهر زحف عليها ظلام من الغرب ومن الشرق، وكان نور الإيمان قد خفت في قلوب الكثير من المسلمين، وزيّن عملاء الغرب والشرق هذا الظلام وقدموه على أنه النور والرقي والحضارة، وفي المقابل صوروا إسلامنا الدين الحق على أنه التخلف والرجعية. وانبهر الكثيرون بهذا الخداع، وقيل يومئذ عن باريس إنها مدينة النور، تلك المدينة التي اشتهرت بالإباحية والتبرج والانحلال، وهكذا انقلبت الموازين وعميت القلوب التي في الصدور وغفل الناس عن مصدر النور الحقيقي، الذي ظهر في مكة المكرمة واكتمل في المدينة المنورة، إن نور الوحي المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
وأثناء فترة الظلام التي لا تزال ممتدة أُصيبت مجتمعاتنا بأنواع شتى من العلل والأمراض الفتاكة، وسبق أن أوضح لنا الإمام البنا شيئًا من تلك العلل والأمراض وكيف صارت بلادنا ضحية تجارب مريرة لنظم ومبادئ أرضية من صنع البشر العاجز القائمة على فلسفة مادية أو إلحادية.
ولكن رغم هذا الظلام شاء الله أن ترتفع الأصوات من جديد بالإسلام دينًا ودولة ومنهاجًًا كاملاً للحياة، وطالبت تلك الأصوات وما تزال تطالب برفض كل هذا المبادئ الوضعية التي تعلن كل يوم فشلها وإفلاسها في إسعاد الناس، والتي أشقت من طبقوها حتى في البلاد التي نشأت فيها.
ولقد قامت أجهزة الإعلام في بلادنا الإسلامية بالدعاية لهذا المبادئ وتقديمها للشعوب على أنها المنقذة لهم مما يعانونه من مشاق. وساندت دول عظمى هذه المبادئ والنظم الحاكمة التي تطبقها في بلادنا. وكلما نادى أهل الحق بدعوة الحق والعود لهذا الدين الحق عقيدة وعبادة وشريعة، قامت النظم الحاكمة المتسلطة بكل الوسائل لتخفت هذا الصوت وتقضي عليه، ولكن أنى لهم ذلك، لقد ظنوه صوت البشر الداعين إليه، ولكنه صوت الحق خالق البشر صوت الله المهيمن على كل من في هذا الكون?أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ? (الأعراف: من الآية54).
فباءت كل محاولات إخفات صوت الحق بالفشل وأخذ يعلو ويرتفع رويدًا رويدًا وأخذ صوت الباطل يتوارى وينحسر وتمجه الآذان ويرفض العقلاء المخلصون، وصدق الله العظيم?وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطöلُ إöنَّ الْبَاطöلَ كَانَ زَهُوقًا?(الاسراء:81)،?قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدöئُ الْبَاطöلُ وَمَا يُعöيدُ?(سِبأ:49)،?بَلْ نَقْذöفُ بöالْحَقّö عَلَى الْبَاطöلö فَيَدْمَغُهُ فَإöذَا هُوَ زَاهöقñ?(الانبياء: من الآية18) ظهر ذلك واضحًا في الانتخابات الأخيرة حينما ارتفع شعار(الإسلام هو الحل) وانزوى بجواره غيره من الشعارات الأرضية.
نعم أيها الشعب المصري الكريم جاء الحق بقوته وجاء باستعلائه وهيمنته،?وما يبدئ الباطل وما يعيد? نعم سينتهي أمر الباطل بإذن الله إن عاجلاً أو آجلاً، ومهما يقع من غلبة مادية للباطل في بعض الأحوال والظروف، إلا أنها ليست غلبةً على الحق إنما هي غلبة على المنتمين إلى الحق. غلبة الناس لا المبادئ، وهذه موقوتة ثم تزول.
أيها الشعب المصري.. إن المؤمنين بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعد الله بنصرة الحق، فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حينًا من الدهر عرفوا أنها الفتنة وأدركوا أنه الابتلاء، وأحسوا أن ربهم يربيهم لأن فيهم ضعفًا أو نقصًا، وهو يريد أن يعدهم لاستقبال الحق المنتصر، وأن يجعلهم ستار القدرة، فيدعهم يجتازون فترة البلاء يستكملون فيها النقص ويعالجون فيها الضعف. وكلما سارعوا إلى العلاج قصر الله عليهم فترة الابتلاء وحقق على أيديهم ما يشاء، أما العاقبة فهي مقررة?بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق?.
إننا لا ننكر أن المبادئ والنظم الأرضية ليست خالية من بعض الجوانب النافعة، ولكنها يسيرة ولا يكاد يظهر أثرها النافع بجانب ما تثمره هذه المبادئ الأرضية من آثار مدمرة، سبق أن أشرنا غليها بل قاسيناها ولا زلنا نقاسيها.
إن التيار الإسلامي يتوجه إلى الشعب يدعوه إلى الالتفاف حول شعار(الإسلام هو الحل) والمطالبة بتطبيق الشريعة.
ننادي بكل الصدق والإخلاص أن انفضوا أيديكم من هذه المبادئ والشرائع الأرضية العاجزة القاصرة، وأن ارجعوا إلى دينكم الحق وإلى شريعته السمحة العادلة المنقذة فهي الدواء الوحيد الناجح، إننا نطلب من شعب مصر أن يؤمن بهذه القضية، وأن يقتنع تمام الاقتناع بصدق هذا الصوت وإخلاص أصحابه وأنهم أحرص الناس لتحقيق الخير لهذا الوطن وإسعاد أبنائه وأجياله التالية.
التيار الإسلامي يريد من أفراد شعب مصر أن يضعوا أيديَهم في أيدي أفراد التيار الإسلامي، وكلهم ثقةُُ واطمئنانُُ أن هذا المنهاج الرباني هو وحده الدواء لكل الأدواء والمنقذ من كل المتاعب والآلام.
إنه المنهاج الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه من عند الله الحق الذي سيقذف به الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
تعالى أيها الشعب الكريم نؤمن معًا أن المستقبل لهذا الدين الحق، وأن شريعته هي التي ستهيمن على حياة الناس لأنهم لن يجدوا النجاة والإنقاذ إلا بها.
نحن نعلم أن شعوبنا الإسلامية وقعت تحت تأثير دعايات خادعة لتلك المبادئ الأرضية الزائفة، والأمر يحتاج إلى بعض الوقت وبعض الجهد من قبل الشعب ومن قبل الداعين إلى الله حتى تزول كل آثار هذه الدعاية الكاذبة لتلك المبادئ من عقول الناس، وتصفو القلوب من كل شائبة لتستقل وتتقبل الحق المتمثل في هذا الشرع الحكيم. ولن يطول بنا الوقت كثيرًا فقد بدت البشائر واضحة من أبناء الشعب عندما رُفع شعار(الإسلام هو الحل) فلمسنا تجاوبًا كبيرًا وقويًا ومطمئنًا، والأمل كبير في أن يزداد هذا التجاوب ليعم جميع أبناء شعب مصر.
أيها الشعب المصري الكريم،(اعلم أن القوة أجمل ما تكون مع الحق والضعف أقبح ما يكون أمام الباطل)، وشعب مصر شعب أبي كريم لا نريد له أن يضعف أمام الباطل وزحفه وانتفاشه، والمطلوب أن نتخلص من أي شعور بالهزيمة، فدولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، فمهما طال ليل الظلم والظلام فسوف يبزغ فجر، وإشراق يبدد الظلم والظلام، وحينئذ ستتبدل الصور ويتوارى المنافقون ولا يبقى حول الحاكم غير الصادقين المخلصين، وتعلو مصلحة الوطن على مصالح الأفراد المنتفعين. ويتبدد اليأس ويبعث الأمل في المستقبل ويستعيد أفراد الشعب الشعور بالعزة بعد الذل، والكرامة بعد الهوان، والإيجابية بدل السلبية، وتنطلق المواهب في بناء الوطن بعد الشعور باللامبالاة، وينحسر الظلم وتلفيق القضايا وتأخذ العدالة مجراها وتحترم أحكام القضاء، ويشعر المواطنون بالأمن والطمأنينة.
نريد من الشعب المصري أن ينتصر كل فرد من أفراده على أي لون من ألوان الهزيمة النفسية فهي أخطر أنواع الهزائم. لذلك نرى كيف أن الله تعالى يتوجه إلى المسلمين بعد هزيمة غزوة أحد ليزيل آثار الهزيمة النفسية فيقول سبحانه:?وَلا تَهöنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إöنْ كُنْتُمْ مُؤْمöنöينَ * إöنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحñ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحñ مöثْلُهُ وَتöلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوöلُهَا بَيْنَ النَّاسö وَلöيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذöينَ آمَنُوا وَيَتَّخöذَ مöنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحöبُّ الظَّالöمöينَ * وَلöيُمَحّöصَ اللَّهُ الَّذöينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافöرöينَ?(آل عمران:139-141)
وحول تهيئة النفوس وإعدادها للنهوض وتحقيق الآمال يرشدنا الإمام البنا، فيقول تحت عنوان من أين نبدأ؟:"إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيز لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه والإنحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره.. على هذه الأركان الأولية التي هي من خصوص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تبني المبادئ وتتربى الأمم الناهضة وتتكون الشعوب الفتية وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنًا طويلاً.
وكل شعب فقد هذه الصفات الأربعة أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه، فهو شعب عابث مسكين، لا يصل إلى خير ولا يحقق أملاً... وحسبه أن يعيش في جو من الأحلام والظنون والأوهام?إöنَّ الظَّنَّ لا يُغْنöي مöنَ الْحَقّö شَيْئًا?(يونس: من الآية36)، هذا هو قانون الله تبارك وتعالى وسنته في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً?إöنَّ اللَّهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنْفُسöهöمْ? (الرعد: من الآية11).
يعود التيار الإسلامي فيدعو شعب مصر إلى الإيمان الكامل والثقة التامة بأن "الإسلام هو الحل"، وأن المستقبل لهذا الدين الحق الذي سيكتسح أمامه كل بقايا النظم الأرضية وآثارها السلبية في مجتمعاتنا.
نقول لشعب مصر إنه ليس في الدنيا نظام يمد الأمة الناهضة بما تحتاج إليه من نظم وقواعد وعواطف ومشاعر كما يمد الإسلام بذلك كله أممه الناهضة.. ولقد امتلأ القرآن الكريم بتصوير هذه الناحية خاصةً. فنراه يبعث الأمل للمستضعفين فيقول:?وَنُرöيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذöينَ اسْتُضْعöفُوا فöي الْأَرْضö وَنَجْعَلَهُمْ أَئöمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارöثöينَ * وَنُمَكّöنَ لَهُمْ فöي الأَرْضö وَنُرöيَ فöرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مöنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ?(القصص:5-6).
ونراه يدعو إلى العزة القومية لأمة الإسلام?كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرöجَتْ لöلنَّاسö?(آل عمران: من الآية110). ?وَلöلَّهö الْعöزَّةُ وَلöرَسُولöهö وَلöلْمُؤْمöنöينَ?(المنافقون: من الآية8).
ونراه يستنهض الهمم للجهاد ورد عدوان المعتدين?وَأَعöدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مöنْ قُوَّةٍ وَمöنْ رöبَاطö الْخَيْلö تُرْهöبُونَ بöهö عَدُوَّ اللَّهö وَعَدُوَّكُمْ?(الأنفال: من الآية60)?فَلْيُقَاتöلْ فöي سَبöيلö اللَّهö الَّذöينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بöالْآخöرَةö?(النساء: من الآية74).
نراه يهتم بالصحة العامة وقوة الأبدان?إöنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فöي الْعöلْمö وَالْجöسْمö?.
وحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف"، وقوله:"إن لدينك عليك حقًا" ونراه يهتم بالعلم وبالأخلاق وبالاقتصاد وبكل النظم العامة ولنا عود حول هذه القضايا وغيرها بإذن الله تعالى.