لكل بناء قاعدة يقوم عليهاº ليعلو ويستقر أو ينهار حسب قوة القاعدة ومتانتها أو ضعفها ورخاوتها، والأفراد والأسر في المجتمع يمثلون القاعدة التي يقوم عليها نظام الحكم، فإذا اعتُنى بإعداد الفرد الصالح والأسرة الصالحة، قام نظام الحكم على قاعدة صلبة واستقر وحقق للوطن كل أسباب الخير والازدهار، أما إذا خرب الفرد وانهارت الأسر تصبح القاعدة هشةً ضعيفةً، وانهار من فوقها نظام الحكم، ولم يستطع أن يحقق أي إصلاح مهما حاول وبذل من جهد وأنفق من مال، ما دامت القاعدة رخوةً هشةً، وما دام الأفراد الذين سيسهمون في البناء أشباهَ رجال وليسوا رجالاً.
إن أعداء الإسلام خططوا منذ زمن بعيد لتفريغ المواطن المصري من كل مقومات الرجولة والعزة، وسخروا في سبيل تحقيق هذا الهدف العديد من الوسائل ومعاول الهدم، الرسمية وغير الرسمية -وللأسف الشديد- استجابت لهم الحكومات المتوالية حتى صار الحال إلى هذه الحال التي نتباكى اليوم عليها، وصرنا نلهث ونصرخ لتدارك الأمر قبل فوات الأوان.
أيها الشعب المصري الكريم، نقولها لكم بكل الصراحة: إن أية محاولة لترميم هذا الكيان المتداعي لن تفلح، ومآلها الفشل ولو أنفقت المليارات العديدة، فإذا كنا جادين في بناء وطننا فالخطوة الأولى في البناء هي إيقاف معاول الهدم التي تهدم الفرد والأسرة، ثم تشييد القاعدة الصلبة للبناء والمتمثلة في المواطنين الصالحين والأسر الصالحة النموذجية.
لا يجوز لعاقل أن يصدق ادعاء الحكومة في الإصلاح والبناء، ومعاول الهدم الحكومية تزاول مهمتها في الهدم، ولا يمكن أن يتحقق إصلاح، وأجهزة الإعلام على حالها ومصانع الخمر الحكومية تواصل إنتاجها لأم الخبائث، وأماكن بيعها وشربها منتشرة في كل مكان، نوادي الميسر قائمة وأماكن اللهو والفسق يحميها القانون، والمخدرات تنتشر، ولو طُوردت وحُوربت بنفس المستوى الذي يطارد ويحارب به الإسلاميون لانتهت منذ زمن بعيد.
لقد ارتفع الصوت بالصحوة ثم ارتفع الصوت بالنهضة، ولا أحسب أن هناك من أبناء هذا الوطن من لا يريد لوطنه أن يصحو من هذه الغفوة أو من لا يريد لوطنه أن ينهض من هذه الكبوة. ولكن كيف نصحو ووسائل التخدير والإلهاء تمارس دورها في أمن وأمان، ومن يحاولون إيقاظ الشعب وإحياء ضميره يحاربون ويطاردون ويعتقلون، وكيف ننهض من كبوتنا ومعاول الهدم تهوي بنا إلى الحضيض وتحول دون كل عمل بنَّاء؟؟!
إن التيار الإسلامي يطالب الحكومة أن تقدم الدليل على صدق رغبتها في الصحوة والنهضة والبناء، بإيقاف كل معاول الهدم رسميةً كانت أو غيرَ رسمية، وأن تسخر وسائلها في تشييد القاعدة المتينة ببناء المواطن الصالح والأسرة الصالحة، ولن يكون ذلك إلا على أساس من هديö الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.
إن القاعدة الشعبية الصالحة تقدم ممثلين لها صالحين، وتقوم عليها حكومة صالحة تسلك الطريق الصحيح في الإصلاح والبناء، وتستطيع -باستقرارها على قاعدة صلبة- أن تصمد أمام أي ضغوط سياسية أو اقتصادية أو عسكرية يتعرض لها الوطن من الأعداء.
إن التيار الإسلامي يريد القاعدة الصالحة القوية المستعدة لبذل الجهد والعرق في سبيل الاكتفاء الذاتي وخاصةً في المواد الغذائية والسلاح، نريد القاعدة الصالحة القوية المستعدة لربط الأحجار على البطون في سبيل التخلص من التبعية الذليلة للغير بسبب رغيف الخبز، نريد القاعدة التي يسهر أبناؤها ليلاً ونهارًا لإصلاح الأرض وزراعتها بما يغنينا من قمح وغيره ويزيد عن حاجتنا.
إننا نثق ثقةً كبيرةً في شعب مصر وقدرته وهمته في تخطي الصعاب وإنجاز المهام الشاقة بكل جلد وصبر وعزم صادق، خاصةً إذا تولدت الثقة بينه وبين النظام الحاكم، ووجدوا فيه القدوة العملية الأولى على طريق البناء، وإذا شعر بالأمن والأمان والحرية والتقدير.
نعود ونؤكد للشعب وللنظام الحاكم أن هذا هو الطريق، ولا طريق غيره وهذه بدايته وخير لنا جميعًا أن نفقه الدرس ونوفر الجهود والأموال أن تبذل وتنفق في طرق محكوم عليها مقدمًا بالفشل، وخير لنا نحن البشر أن نلتزم بسنن الله في خلقه التي لا تتبدل ولا تتغير والتي تعبر عنها الآيات الكريمات:?إöنَّ اللَّهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنْفُسöهöمْ?(الرعد: من الآية11)?فَإöمَّا يَأْتöيَنَّكُمْ مöنّöي هُدىً فَمَنö اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضöلُّ وَلا يَشْقَى?(طِه: من الآية123)?وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذöكْرöي فَإöنَّ لَهُ مَعöيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقöيَامَةö أَعْمَى? (طِه:124)?وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهöمْ بَرَكَاتٍ مöنَ السَّمَاءö وَالْأَرْضö وَلَكöنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بöمَا كَانُوا يَكْسöبُونَ?(لأعراف:96)?وَأَلَّوö اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرöيقَةö لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا?(الجِن:16).. إننا نريد أن تتضافر الجهود في صدق وإخلاص لتشييد القاعدة المؤمنة الصلبة التي يقوم عليها البناء، بعيدًا عن كل صور المزايدات والنفاق والتزييف، ورفع الشعارات الجوفاء، وبعيدًا عن إرهاق الحناجر بالهتاف، وإلهاب الأكف بالتصفيق، فقد أخرت هذه الصور تقدمنا كثيرًا، ولن نتقدم إلا إذا تخلصنا منها وأنكرناها وأنكرنا من يقومون بها، وأبعدناهم من مواقع التأثيرº حتى يبرأ المجتمع من آثارهم الضارة المدمرة.
نريدها تعبئةً عامةً وتوعيةً شعبيةً جادةً يقوم بها كل فرد مع نفسه وفي محيطه ومن موقع تأثيرهº لنزيل معًا هذا الركام من العلل والأمراض والعادات الضارة والأخلاق السيئة، التي رسبتها وخلفتها معاول الهدم ووسائل التخريب التي خطط لها الأعداء وأشرفوا علي قيامها بمهمتها.
نريد من علمائنا المسلمين أن يقوموا بدورهم المؤثر من منطلق مسئوليتهم أمام الله أولاً ثم من واقع ما أنيط بهم من مهمة التوجيه والإرشاد.
نريد منهم وعلى رأسهم فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر أن تكون لهم وقفةُُ خالصةُُ لله ينكرون فيها صناعة الخمر وبيعها في مصر الإسلامية، مصر الأزهر، مصر القدوة لغيرها من الأقطار الإسلامية، فيوضحون التحريم القاطع لها في شرع الله، ومسئولية الحكومة أمام الله ثم أمام الشعب والتاريخ وإباحتها وموضحين ما تولده أم الخبائث من خبائث وشرور تعود على المجتمع وتقوض بنيانه، وما يحمله الحاكم وحكومته من أوزار إزاء ذلك.
أيها الإخوة العلماء، استشعروا أمانة العلم، واحذروا عقوبة كتمانه التي لا تعدلها أية عقوبة تتعرضون لها في الدنيا... إذا قلتم كلمة الحق لا تخافون معها لومة لائم...
واستنكروا التعامل بالربا، ووضحوا كيف أنه يمحق البركة ويوقعنا في حرب مع الله ورسوله، وأنه لن يصلح اقتصادنا إلا بعد أن نتخلص من الربا في كل معاملاتنا؟!.
استنكروا صور الفساد والإباحية -التي لطخت وجه مصر المسلمة- المتمثلة في أجهزة الإعلام وما تعرضه في التلفاز والراديو وما يعرض في دور السينما وأشرطة الفيديو، وكذلك بؤر الفساد في شارع الهرم وفي القري السياحية وغيرها.
نريد من علماء الاجتماع أن يشاركوا في هذه التوعية والتعبئة الشعورية، فيوضحوا للشعب وللحكومة الأضرار الاجتماعية التي تسببها هذه المعاول الهدامة وتأثير الخمر في هدم الأسر وتشرد الأبناء، كذلك أثر أجهزة الإعلام وما تبثه من أفلام أو مشاهد فاسدة تدعو إلى الانحلال وإثاره البهيمية والغريزة في النفوس، وأثر ذلك على بنية المجتمع وانهياره.
نريد من الأطباء أن يوضحوا للحكومة أولاً وللرأي العام ثانيًا الآثار الصحية الضارة للخمر والمخدرات بأنواعها، وأن يطالبوا المسئولين بحماية المجتمع من هذه الأضرار، وكذلك أطباء الأمراض العصبية والنفسية، نريد منهم أن يقولوها صريحةً أن البعد عن الإيمان والهدى النبوي وراءَ هذه الأزمات النفسية والأمراض العصبية، وما في المجتمع من متناقضات وصراع مادي كذلك.
نريد من أهل القانون والقضاء أن يقدموا للمسئولين وللرأي العام تقاريرَهم وتحليلاتهم لانتشار الجرائم من واقع التحقيقات والمحاكمات، وكيف أن للخمر والمخدرات دورًا أساسيًا في ارتكاب هذه الجرائم، كذلك الأفلام التي تعرض في السينما والتلفاز، وعدم الاهتمام التربوي بالنشء على أساس من العقيدة والأخلاق الإسلامية والقوانين الوضعية التي لا تزجر ولا تمنع من انتشار الجرائم، وعلى رجال القانون والقضاء أن يطالبوا بتطبيق الشريعة والاهتمام بالتربية الدينية.
هكذا يدعو التيار الإسلامي كل فئات الشعب وأصحاب التخصصات المختلفة والتي لها دور في التوجيه والتأثير أن يشاركوا في هذه التعبئة الشعورية والتوعية الشعبية حول التخلص من هذا الركام وإلغاء كل معاول الهدم ووسائل التخريب والتدمير للوطن والمواطنينº لنشيد بعد ذلك القاعدة الصالحة الصلبة على أساس متين.
ثم لننظر بعد ذلك موقف النظام الحاكم ونواب حزبه من هذه المطالب الهامة والرئيسية، هل سيصرون على بقاء مصانع الخمر ومحال بيعها متحدّöين في ذلك شرع الله ومصلحة الوطن؟ أم أنهم سيتجاوبون معنا ويصرون على اتخاذ القرارات بإيقاف كل معاول الهدم وكل ما يجلب سخط الله علينا ويحول دون بناء المستقبل الزاهر لوطننا العزيز؟ نأمل أن يستجيبوا.