لقد أوضحنا -من قبل- تميز المجتمع الإسلامي بنوع خاص من التكافل، وهو التكافل المعنوي الروحي، وذلك بتقوية أواصر الرابطة بين أفراد المجتمع الإسلامي على المستوى العام، وتقوية الرابطة والعلاقة بين الأفراد بالجوار، وفي إطار الأسرة بصلة الرحم والقربى، كما أوضحنا كيف أن هذا التكافل المعنوي الروحي يرتب تكافلاً ماديًا أيضًا، وبيَّنَّا كيف ربط الإسلام هذه الروابط، وذلك التكافل بالعقيدة والإيمان، وكيف أن هذه العلاقات الروحية تجتث من الإنسان مشاعر الفردية البغيضة والأنانية والأثرة، وتبدلها بروح التعاون والتكافل والإيثار.
ونضيف هنا ركيزةً أساسيةً في تحقيق التكافل في المجتمع الإسلامي، وهي فريضة الزكاة، التي جعلها الإسلام ركنًا من أركانه الخمسة، واعتبر من ينكر فرضيتها مرتدًا.
وقد أحكم الإسلام رسالتها من حيث مصادرها ومصارفها، بحيث تؤدي الغرض المقصود منها. فقد تعددت أنواعها ومصادرها، فهي لا تذر موردًا من موارد الكسب إلا ضمنت حق الفقير فيه، في الزرع والثمار والتجارة والذهب والفضة والماشية، وما يوجد في باطن الأرض من كنوز، ولها أنصبتها التي لا تجحف بالغني ولا تضيع حق الفقير، ونسبتها لا تؤثر في نشاط الفرد، ولا تضيع ثمرة كدّöه، كما أن دخلها في اتساعه وشموله يحقق الكفاية وسد الحاجات، ويحدد الإسلام مصارفَها حتى لا تنحرف عن غايتها من تحقيق التكافل وسد ثغرات الفاقة والهوان، فقد جعل مصارف الزكاة للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل.
وقد تختفي بعض هذه المصارف في بعض العصور، كالمؤلفة قلوبهم والرقاب، ولكنها قد توجد باختلاف الأجيال والأحوال، ولكن يبقى بصفة دائمة من مصارفها ما يسد الثغرات المفتوحة في المجتمع للضعف والحاجة.
ومع أن الزكاة فريضةُُ ماديةُُ، ولكن الإسلام ربطها بأصل الإيمان، ويقرر لها قداسة العبادة في قوله تعالى?وَمَا أُمöرُوا إöلاَّ لöيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلöصöينَ لَهُ الدّöينَ حُنَفَاءَ وَيُقöيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلöكَ دöينُ القَيّöمَةö? ويجعل الإسلام الكفر بحق الفقير تكذيبًا بالدين?أَرَأَيْتَ الَّذöي يُكَذّöبُ بöالدّöينö * فَذَلöكَ الَّذöي يَدُعُّ الْيَتöيمَ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامö الْمöسْكöينö?? مَا سَلَكَكُمْ فöي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مöنَ الْمُصَلّöينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعöمُ الْمöسْكöينَ ??وَوَيْلñ لّöلْمُشْرöكöينَ * الَّذöينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بöالآَخöرَةö هُمْ كَافöرُونَ?، ولا يذكر القرآن الصلاة إلا ويقرنها بالزكاة في كثير من آياته?وَأَقöيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطöيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ?.
ووقفة أبي بكر-رضى الله عنه- في محاربة مانعي الزكاة معروفة بحرب أهل الردة، ولم يقبل فيها مساومة، وهكذا ما كان للإسلام أن يرضى بإقامة العبادات والشعائر، ثم يقطع نظره عن الحياة، وما يجرى فيها من فقر أو عوز أو طغيان.
ثم إن مورد الزكاة متجددُُ، ويشمل كل مصادر الكسب والعمل، ويتجه إلى مصبٍّ رئيسي هو الفقر والعوز والحاجة، وهكذا يمسح الآلام ويقرب الفوارق، ولا يفسح مجالاً للثروة الفاحشة أو الاستعلاء على البائسين.
وأريد هنا أن أصحح النظرة المادية عند البعض بالنسبة للزكاة، فقد يتصور البعض أنها تفضُّلُُُ من الغنى على الفقير، وأن الفقير أحوج لأخذها من حاجة الغني لإخراجها، أو يتصور البعض أن من الواجب على الفقير أن يسعى هو إلى الغني، وأن يشكره عليها، أقول: إن العكس هو الصحيح، فإن حاجة الغني إلى الثواب والحسنات يوم القيامةº لترجح كفته، ويدخل الجنة، أشد من حاجة الفقير إلى المال في الدنيا، لسد حاجته من الغذاء والكساء، وبالتالي على الغنيّö أن يسعى هو إلى الفقيرº ليعطيه زكاة ماله أو صدقته، وعليه هو أن يشكر الفقير إن قبل منه الزكاة، وعليه أيضًا ألا يبطل ثواب زكاته وصدقته بالمن والأذى، فالمال مال الله، وليتصور هذا الغني أنه كان من الممكن أن يتبادل المراكز مع الفقير، ويكون هو الفقير الذي يأخذ الزكاة، فالله تعالى هو الذي يقسم الأرزاق بعلمه وحكمته، ولا يقولن أحد من الأغنياء قولة قارون:?إöنَّمَا أُوتöيتُهُ عَلَى عöلْمٍ عöنْدöي?.
ولو راجعنا التاريخ نجده يشهد أن المجتمعات الإسلامية -بفضل الزكاة- كانت تعيش حياةً كريمةً على كل فرد، مع تحقيق السلام بين الطبقات، ومُحيت صور الفقراء والمسكنة في المجتمعات التي التزمت بأداء تلك الفريضة، وقيل إنه في بعض الفترات فاضت ولم تجد من يستحقها.
ولكننا اليوم نرى كثيرًا من مجتمعاتنا الإسلامية قد أسقطت تلك الفريضة، ووضعت ما يسمي بالضرائب، وإني أتساءل، هل تضمن أية حكومة من حكومات الأقطار الإسلامية التي أسقطت فريضة الزكاة أن تواجه قدرًا من المال، كإيراد الزكاة من مصادرها المختلفة للفقراء والمساكين، وكافة أوجه الضعف والاحتياج بين الناس؟ اللهم لا، والحاجة اليوم أكثر إلحاحًا لإقامة تلك الفريضة.. إذ إن مشاعر الخير تنصب، ومنابع الرحمة تجف والأنانية تنتشر، فلا ندري ما الذي يحول بيننا وبين إقامة تلك الفريضة، وشعبنا -والحمد لله- شعب مؤمن متدين، ولا ينكص عن واجبه.
كما أن فقهاء المسلمين يقررون أنه، إذا لم تف الزكاة بحاجات الفقراء والمساكين، فإن للإمام أن يأخذ من أموال الأغنياء بمقدار تلك الحاجة?وَفöي أَمْوَالöهöمْ حَقّñ لّöلسَّائöلö وَالْمَحْرُومö?.
ونرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يثني على الأشعريين ويجعلهم نموذجًاº لتحقيق التكافل والتضامن فيقول: "نعم القوم الأشعريينº كانوا إذا أرملو – أي أصابهم نقص في الزاد – عمدوا إلى ما معهم من طعام فجعلوه في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم"، وأذكُر بهذه المناسبة، أن هذا المسلك هو الذي كان يتم في مجتمعات الإخوان داخل السجون، فما يأتي من مال للبعض من ذويهم يوزع على الجميع.
ونرى الإسلام أيضًا شرع زكاة الفطر على كل فرد مسلم في المجتمع صغيرًا أو كبيرًا ذكرًا أو أنثيº ليتحقق الاكتفاء والغني عن الحاجة في عيد الفطر، وكونها على كل فرد يجعلها تشكل حجمًا لا بأس به.
وقد قطع المجتمع الإسلامي شوطًا بعيدًا في تحقيق التراحم والتعاطف، فمöمَّا شرعه الإسلام نظام الوقف، والذي يراجع تاريخ الأوقاف الإسلامية يرى فيها صورة مضيئة، فقد وضعت ثروات هائلة عن رضا واقتناع في خدمة البائسين وسد حاجات المعوزين والأرامل واليتامى وتخفيف آلام المكروبينº ولتيسر العلم على الراغبين فيه، ولو أن تلك الأوقاف سلمت من عوادي الاستبداد ومظالمه ووجدت من يحقق أهدافها، لنمت واتسعت، ولكن كان الحكام الناهبون أول معول في صرح الأوقاف، فاعتدَوا عليها ونهبوها، ومن وراء أولئك من لا خلاق لهم ولا دين من القائمين على تلك الأوقاف، فكف أهل الخير عن تقديم وقف جديد.
والإسلام يشيع في أبنائه الترغيب في الصدقة والإحسان والإنفاق في سبيل الله، ويحذر من البخل فيقول تعالى:?هَا أَنْتُمْ هَؤُلاَءö تُدْعَوْنَ لöتُنْفöقُوا فöي سَبöيلö اللهö فَمöنْكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإöنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسöهö وَاللهُ الْغَنöيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإöن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدöلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ?. والإسلام حين يأمر بالخير والإحسان لا يعفي منه فردًا في المجتمع، فيقول -صلى الله عليه وسلم-: "لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق".
وهنا معنى هام هو شعور الفرد بسعادة حين يقدم خيرًا للمجتمع، ويقبله منه مهما كان صغيرًا، فلا تكون هناك يد سفلى على الدوام، بل يأخذ الفرد ويعطي، وتنمو فيه نوازع الخير.
ويحث الله تعالى المؤمنين جميعًا على التعاون، فيقول تعالى:? وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرّö وَالتَّقْوَى?.
وبعد هذه الجولة حول المجتمع المسلم بدعائمه الأساسية، من الأخوة والمساواة والحرية والتكافل، نرى نموذجًا رائعًا للمجتمعات نستحث كل فرد في مجتمعاتنا الإسلامية أن نسعى متعاونين لتحقيقه ليسعد الجميع وتتلافى صور البؤس والسقاء.
وإنها لحسرة فاجعة حين نرى الأمة الإسلامية في عصرنا هذا تسعى شرقًا وغربًا تنشد الدواء عند من أصابها بالداء، وترفض أن تتطلع إلى الدواء الشافي الناجع والذي سبق تطبيقه فأسعد من طبقوه، فهيا إلى المنهج الإسلامي وإلى تطبيق شرع الله، إن كنتم حقًا جادين في الإصلاح والبناء.