لقد أوضحنا هذا النموذج المثالي للمجتمع الإسلامي بدعاماته الأساسية من الأخوة والمساواة والحرية والتكافل والطهارة والنقاء، والمجتمع كالجسد لابد له من الحماية والوقاية من العلل والأمراض التي تنال من بنيته ومقوماته، والمجتمع الإسلامي يتميز بخصائصه التي تحقق له هذه الحماية، فهو مجتمع رباني يقوم على طاعة الله وتحقيق إرادته سبحانه التي تمثلت في آخر رسالة وأصدق كتاب.
فهذه الربانية تجعل كل فرد في المجتمع يلتزم بتطبيق مبادئ الإسلام ورعاية أهدافه عن طواعية ويقين، لأن العقيدة التي تربط بين قلوب أفراد هذا المجتمع تقوم على أساس الاقتناع الحر لا إكراه فيه ولا عنت?لاَ إöكْرَاهَ فöي الدّöينö قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مöنَ الْغَيّö?، بل إن الإسلام يجعل من كل مسلم حارسًا أمينًا على حماية المجتمع من الفساد والانحراف، فيطلب من المؤمنين أن يتواصوا بالحق وأن يتواصوا بالصبر وأن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر، وهكذا يعملون جميعًا على استقامة سيره وصوابه.
?وَالْمُؤْمöنُونَ وَالْمُؤْمöنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلöيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بöالْمَعْرُوفö وَيَنْهَوْنَ عَنö الْمُنْكَرö? والرسول -صلى الله عليه وسلم- يحث كل أفراد المجتمع الإسلامي ليكونوا بمثابة المضاد الحيوي ضد أمراض المجتمع ومنكراته فيقول "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
1. وبجوار الزواجر والحدود والقوانين يعتمد المجتمع الإسلامي أيضًا علي ما ينشله من قلب كل فرد من وازع دينى عميق يشعره برقابة الله عليه وإحاطته بأمره?وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فöي أَنْفُسöكُمْ فَاحْذَرُوهُ?، ?يَسْتَخْفُونَ مöنَ النَّاسö وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مöنَ اللهö وَهُوَ مَعَهُمْ إöذْ يُبَيّöتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مöنَ الْقَوْلö وَكَانَ اللهُ بöمَا يَعْمَلُونَ مُحöيطًا?،? فَمَن يَعْمَلْ مöثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مöثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ * ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره?.
ومن العجيب أن نرى المسئولين في مجتمعاتنا يهتمون بمقاومة الأمراض والأوبئة التي تصيب الأجسام ويجندون الأطباء وغيرهم لحماية المجتمع منها، وهناك ما يسمى بفرع الطب الوقائي، في الوقت الذي نجد مثل هذا الاهتمام بوقاية المجتمعات من العلل والأمراض الخطيرة التي تهدم المجتمع وتطعنه في مقاتله كالانحلال والفساد والخمر والميسر والربا والتسيب واللامبالاة والفاحشة وغير ذلك من المنكرات.
ومع أن الدور الأساسي في الأمر بالمعروف النهي عن المنكر والتذكير من شأن العلماءº لطبيعة تخصصهم وما يتاح لهم من منابر، ولكن الإسلام جّيش كل أفراد المجتمع ليؤدوا دورهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك دليل خيرية هذه الأمة?كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرöجَتْ لöلنَّاسö تَأمُرُونَ بöالْمَعْرُوفö وَتَنْهَوْنَ عَنö الْمُنْكَرö وَتُؤْمöنُونَ بöاللهö?، ورسولنا -صلى الله عليه وسلم- يحثنا على ذلك فيقول "من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا".
ومما لا شك فيه أن مجتمعًا يتعارف أفراده على دعوة بعضهم البعض إلى الخير ويتناهون عن كل منكر، ومجتمع فاضل طاهر من الآثام قد تحلي بالفضائل وفعل الخير، وفي هذا المناخ النقي التقي الصالح تشب الأجيال على الاستقامة والأخلاق الفاضلة التي هي أساس الأمم:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
والصورة المقابلة لذلك هي صورة المجتمعات التي تترك المنكرات تنتشر فيها دون منع لها حتى تهلكها، ولا ينجو منها ومن بلائها أحد واستحقت لعنة الله?لُعöنَ الَّذöينَ كَفَرُوا مöنْ بَنöي إöسْرائيلَ عَلَى لöسَانö دَاوُدَ وَعöيسَى ابْنö مَرْيَمَ ذَلöكَ بöمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبöئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ? (المائدة: 78-79).
إن التيار الإسلامي يدعو كل مواطن يقوم بواجب النصيحة لغيره وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للحكام والمحكومين على السواء، فعن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا يمنعن رجلاً منكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه وعلمه، فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم".
وننبه هنا إلى أن الأمر والنهي عن المنكر لا يقتصر فقط على المحيط الضيق في السلوكيات والأخلاق والعادات، ولكن الأمر بالمعروف الأهم والأعظم هو ما يتصل بتوجيه البشرية إلى الهداية وطريق الحق والتزام منهج الله وتطبيق شريعته، وأن نقوم بتوجيه الرؤساء والملوك إلى ما فيه خير الشعوب بهيمنة دين الله وتنظيمه لكل مرافق الحياة ومجالاتها، كما أن النهي عن المنكر لا يقتصر على المعاصي والآثام وصور المنكر المعروفة فقط، ولكن المنكر الأكبر الذي يجب أن نعمل على إزالته وتغييره هو إبعاد شريعة الله عن الحكم والحكم بغير ما أنزل الله، ونهي الطغاة عن الطغيان والظالمين عن الظلم والمتكبرين والمتجبرين عن التكبر والتجبر، وكلنا يعلم المثل الذي يقول(يا فرعون من فرعنك، قال لم أجد من يردني).
ويجمل بنا في هذا المقام أن ننبه إلى أمر أساسي هام حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير المنكر، فلكي يحقق القيام بهذا الواجب الغرض منه لابد أن يؤدى بالأسلوب المقبول السليم الذي لا ينفر ولا يدفع الغير أن تأخذه العزة بالإثم فيتمادى في غيه وبغيه وبعده عن الحق، فالله تعالى يقول:?ادْفَعْ بöالَّتöي هöيَ أَحْسَنُ السَّيّöئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بöمَا يَصöفُونَ?(المؤمنون:96) ويقول?ادْعُ إöلَى سَبöيلö رَبّöكَ بöالْحöكْمَةö وَالْمَوْعöظَةö الْحَسَنَةö وَجَادöلْهُمْ بöالَّتöي هöيَ أَحْسَنُ? (النحل: من الآية125)، فيجب تجنب أسلوب التجريح أو التشهير أو الاستفزاز، ومن الحكم الجميلة في هذا المجال"من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه"، وحكمة أخرى "أد النصيحة على أكمل وجه واقبلها على أي وجه".
أما عن إزالة المنكر فقد أفسح لنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- المجال في ثلاث صور باليد فإن لم نستطع فباللسان، فإن لم نستطع فبالقلب، فلينظر الإنسان مدى ما يتحقق من خير أو ضرر بحيث لا يترتب على خطوته ضرر أكبر، ولا ننسي أن هناك دوائر لإزالة المنكر ويجب الالتزام بذلك حتى لا تحدث فوضى واجتهادات خاطئة من الأفراد.
المجتمع الإسلامي لا يقر السلبية من أفراده ولكن لابد من الشعور المشترك بالمسئولية، وأن يتحقق عمليًا تشبيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، وقد قال المشرّöعون إن هناك الجريمة التَرْكية: بمعنى أنه لو رأى رجل إنسانًا في خطر ويمكنه إنقاذه ثم تركه حتى مات وثبت ذلك، تعتبر جريمة قتل خطأ، وإذا ثبت أن هناك أسبابًا خاصةً وراء تركه يموت يمكن أن يعتبر قتلاً عمدًا.
ومن خصائص المجتمع الإسلامي أنه مجتمع الإنسانية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان نبيلة، فهو يحمي حقوق الإنسان ويحفظ عليه خصائصه السامية، ويفسح جنباته لكل من يؤمن بالحق ويعمل للخير لا يفرق بين لون أن جنس أو منزلة، فالكل لآدم.
ولا يعرف التاريخ الإنساني نظيرًا لتلك الحقبة الطويلة التي حقق فيها المجتمع الإسلامي إنسانيته، وحافظ على عدالته وسواسيته بين كل من عاش في أنحائه من مختلف الأجناس والأديان والألوان، وكم من أخل الكتاب من تركوا أقطارهم وعاشوا في ظل دولة الإسلام لينعموا فيها بإنسانيتهم وبالعدل والأمن والتكافل.
حتى اليهود الذين قُطعوا في الأرض وذاقوا ألوان العذاب في كل مجتمع أقاموا فيه لم يجدوا لهم ملجأ ولا مأمنًا إلا في حمى المجتمع الإسلامي في المشارق والمغارب، فرفع عنهم سوط العذاب وأذاقهم طعم الأمان، وهم اليوم يُذيقون العرب الذين يعيشون تحت وطأتهم – بعد أن اغتصبوا أرضهم – أقسى ألوان النكال والبطش، وتعينهم أمم البغي التي اجتمعت مع الصهيونية على الحقد والعدوان كأمريكا ومن سار في ركابها. ورغم ما يتعرض له المسلمون من بطش وتنكيل كما حدث في محاكم التفتيش في الأندلس، فلن يحمل ذلك المجتمع الإسلامي في أي وقت على الكفر بالإنسانية، أو النكول عن مبدأ العدالةº لأن أوامر الله تنهى عن ذلك?وَلا يَجْرöمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى ألا تَعْدöلُوا اعْدöلُوا هُوَ أَقْرَبُ لöلتَّقْوَى?(المائدة: من الآية8).
فهل تفيق البشرية من عمايتها عن الحق، وتكف عن نفسها شرور التعصب المقيت والصراع الجائر الذي تمارسه قوى الجور والطغيان؟
وهل تفيق مجتمعاتنا وتعود إلى طريق ربها لتسعد بالأمن والعدل وكل ألوان السعادة الدنيوية والأخروية؟
نسأل الله ذلك...
تم بحمد الله