ما أعزَّ الحريةَ وما أغلاها عند كل إنسان!! بل وعند كل حيوان أو طائر!!، وما نسينا ما كنا نقرأه منذ أكثر من خمسين عامًا في كتاب المطالعة، للرشيد على لسان طائر في قفص:
الحبس ليس مذهبي وليس فيه طربي ولست أرضى قفصًا وإن يكن ذهَبö
ما أعظم الفارق بين الحر والعبد!، بين العزة والذل!، بين الكرامة والهوان!.
وإذا أردنا أن نعرف مدى استمساك مجتمع بالحرية، فلنبحث عن قيمة الفرد فيه، ومدى صيانة حقوقه والحفاظ على حريته، فذلك هو المقياس الحق للإيمان بالحرية والولاء لها.
لقد أخطأت النظم والمبادئ الأرضية، وتخبطت في الموازنة بين حرية الفرد وحرية المجتمع وسلطة الحاكم ومدى تسلطه أو انتقاصه من حرية الأفراد أو منحهم إياها.
فنجد نظامًا يهضم الفرد حريته وحقوقه، ويصبح وكأنه ترس في آلة أو سجن، ما يكاد يجد فرصة للهرب منه إلا ويغتنمها، ولو كان فيها مخاطرة، كمن يحاولون تخطي سور برلين، أو الذين كانوا يهربون من كوبا، كما نجد نظمًا تعطي الحرية للأفراد دون ضوابط كافية، فيتسلط أفراد على غيرهم، أو يقوى سلطان أفراد أو هيئات، ويصبح لهم التأثير على السياسة العامة بما يخدم مصالحهم الخاصة.
وهكذا صرنا نسمع عن نظام حكم دكتاتوري، ونظام حكم ديمقراطي، وللأسف حتى ما يطلق عليه بالنظام الديمقراطي نجده في حقيقته دكتاتوريًا متواريًا في الزي الديمقراطي، أو يحقق حريته على حساب حرية شعوب أخرى.
ولكن الإسلام بنظامه المحكم من لدن حكيم خبير، عليم بخلقه، فهو نظام كامل يحقق الخير والاستقرار والعدل، ويتجنب الحيف والميل والخلل، ولا يحابى أفرادًا أو فئاتٍ على حساب غيرها.
فقد حدد الحقوق والواجبات بين الفرد والمجتمع، وبين الحاكم والمحكوم أفضلَ تحديد وأعدَله، وقد جعل الإسلام الالتزام بهذه الحقوق والواجبات عبادةً وقربى لله، ثم حدد عقوبات وحدودًا لمن يتجاوز أو يخالف هذه الحقوق والواجبات، فجمع بين القانون والضمير المسلم.
إن المجتمع الذي تختل فيه موازين الحرية بين الفرد والمجتمع وبين الحاكم والمحكوم، يُحكم عليه بالاضطراب وعدم الاستقرار والصراع والصدام، ويتعرض لانهيار اقتصادي واجتماعي وسياسي، بل وعسكري أيضًا، وكثيرًا ما يخطئ النظام الحاكم في علاج مثل هذه الحال بمزيد من القمع والظلم وكبت الحريات، ومعلوم أن الكبت عادةً يولد الانفجار.
إن سلب الحريات من أفراد المجتمع، يُفقد الثقة بين الشعب والنظام الحاكم، وتقل مواهب الأفراد، ولا يتحقق تعاون صادق بين الشعب والحكومة في مواجهة الأزمات والمشاكل، وتسود السلبية واللامبالاة بين أفراد الشعب، في حين أنه عند توفر الحرية، تنطلق المواهب وتتولد الثقة بين الشعب والنظام الحاكم، ويحدث التعاون في مواجهة التحديات، ولو أدى إلى ربط الأحزمة على البطونº للتخلص من التبعية ولتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وإن المرء ليعجب حينما يري أناسًا يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق، وهم يعلمون عاقبة الظالمين في الماضي البعيد، بل وفي الحاضر القريب، فقد رأينا بعض من عَذبوا وقَتلوا حينما تبدلت الظروف وتعرضوا إلى السجن والمحاكمة، إذا هم يبكون في زنازينهم كالنساء والأطفال، فياليت غيرهم يأخذ العبرة منهم، ويتدبر قول الله تعالى:?وَتöلْكَ الأيَّامُ نُدَاوöلُهَا بَيْنَ النَّاسö? وقوله تعالى:?إöنَّ رَبَّكَ لَبöالْمöرْصَادö?.
وأنبه هنا إلى معنى هام يغفل عنه الكثيرون، وهو أن العبودية الحقة لله- بالتزام أوامره واجتناب نواهيه- هي قمة الحرية، فليس هناك من هو أعلم من الله بما فيه خير العباد، وليس هناك من هو أرحم بهم منه سبحانه، وبناءً على ذلك فإن أية مخالفة لتعاليم الله تعتبر قيدًا على الحرية وانتقاصًا منها.
وبهذه المناسبة نلفت النظر إلى تلك الصيحات، التي تُسمع بين الحين والحين باسم الدفاع عن حقوق المرأة، ويصورن التعاليم الإسلامية الخاصة بها وكأنها قيود يجب أن تتحرر منها، أقول، إن هؤلاء مُوغلون في الخطأ، وإنهم في الحقيقة لا يدافعون عن المرأة، ولكن يريدون أن يدفعوا بها إلى الابتذال والضياع، في حين أن الإسلام يحفظ لها كمالها وكرامتها، ويصون لها عرضها من الذئاب البشرية الضالة.
وهانحن نرى الإسلام يحوط شرف الإنسان وعرضه، ولا يحل لأحد مساسه أو الطعن فيه بغير حق، وجعل حد القذف للذين يفترون على الناس ويغمون أعراضهم بغير حق?وَالَّذöينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتö ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بöأَرْبَعَةö شُهَدَاءَ فَاجْلöدُوهُمْ ثَمَانöينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئöكَ هُمُ الْفَاسöقُونَ?.
والإسلام يكفل للفرد باقي جوانب الحرية، مثل حرية التملك، وحرية التصرف فيما يملك في غير سفه، وحرية اختيار العمل الذي يشاء، وحرية الانتقال والاجتماع، لا حجر في ذلك، ولا قيد إلا في حدود رعاية مصالح الجماعة وكف الضرر عنها.
كما ترك الإسلام للفرد اختيار ما يريد من أنواع الثقافة، وأن يفكر في جوانب العلم النافع كما يشاء، وليس الإسلام بالذي يحجر على البحث والفكر، ففي ظلال الإسلام ازدهر البحث ونما العلم، واهتدى العلماء المسلمون إلى نتائج باهرة، انتفع بها العالم كله، بينما كانت المجتمعات الأخرى تحرق العلماء، وتحجر على الباحثين خوفًا على العقائد الباطلة، وإبقاء على هيبة الدين، ورسولنا- صلوات الله وسلامه عليه- يحثنا على العلم والتعلم فيقول: "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها"، وليس مجهولاً أن أول آيات نزلت من القرآن تحث على العلم :?اقْرَأْ بöاسْمö رَبّöكَ الَّذöي خَلَقَ * خَلَقَ الإöنْسَانَ مöنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذöي عَلَّمَ بöالْقَلَمö * عَلَّمَ الإöنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ?.
ونرى الإسلام يتابع توفر الحرية للفرد، حتى في بيته،فالاستئذان أدب يقرره القرآنº ليحفظ لكل إنسان حريته وحرمته:?يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتöكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنöسُوا وَتُسَلّöمُوا عَلَى أَهْلöهَا ذَلöكُمْ خَيْرñ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإöن لَّمْ تَجöدُوا فöيهَا أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمُ وَإöن قöيلَ لَكُمْ ارْجöعُوا فَارْجöعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بöمَا تَعْمَلُونَ عَلöيمñ?
وحتى بين أفراد الأسرة يقرر الاستئذان في أوقات معينة تعتبرعورة،وهكذاº لينشأ كل فرد على تقديس الحرية واحترامها:?يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا لöيَسْتَأْذöنكُمُ الَّذöينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذöينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مöنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مّöن قَبْلö صَلاَةö الْفَجْرö وَحöينَ تَضَعُونَ ثöيَابَكُم مّöنَ الظَّهöيرَةö وَمöن بَعْدö صَلاَةö الْعöشَاءö ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ? .
انظر أخي القارىء إلى هذا الأدب الرفيع، والارتفاع بحرية الفرد إلى الذروة، ثم انظر إلى زوار الفجر ومنتصف الليل، يفزعون النساء والأطفال باسم الأمن، وينتهكون الحرمات، ويئدون الحرية، ويحرمون أهل المعتقل وذويه من مجرد معرفة مكانه وأخباره، بل وصلت بهم الجرأة في الطغيان، أنه إذا قتل أحد بين أيديهم من التعذيب، يذهبون إلى أهلهº ليخبروهم أنه هرب منهم، وجاءوا ليبحثوا عنه، ويقلبون المنزل تفتيشًا.
نعود مرةً أخرى إلى الإسلام والحرية، فموقف الإسلام من الرق معروف وكتب عنه الكثيرون، فهو ظاهرة اجتماعية قديمة، أقرتها الفلسفات اليونانية وغيرها كما أقرها رهبان الكنيسة قديمًا، وكذلك الجاهلية قبل الإسلام في جزيرة العرب، ولما جاء الإسلام لم يرض بهذا الوضع، وحرم أساليب الرق المألوفة في ذلك الوقت، ولم يملك تحريمه عن طريق الحرب ما دام العدو لا يتورع عن ذلك، ولكن فوضت الشريعة ضرب الرق على الأسرى إلى الإمام حسب ما يراه من المصلحة، كما وسع الإسلام أسباب تحرير الأرقاء، وحث عليها بما هو كفيل بإنهائه، وصاحب ذلك التوجيه بحسن معاملة الأسرى الأرقاء:?وَيُطْعöمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبّöهö مöسْكöينًا وَيَتöيمًا وَأَسöيرًا?.
ومع اهتمام الإسلام بحرية الفرد داخل مجتمعه، فإنه يلزم الفرد أن يشعر بأن مجتمعه نفسه حر، لا يعيش تحت وصاية دخيل أو تسلط أجنبي، ولا ينفذ إرادة إلا إرادة أبنائه، والمجتمع المسلم في طبيعته لا يقبل أن يعيش في قبضة مستعمر، أو تحت سلطان معتد، إن ذلك يشله عن أداء رسالته، ويخرجه عن صيغته التي ميزه الله بها، إنه مجتمع يحقق إرادة الله وسعادة أبنائه، فكيف يعيش في ذلة أو يرضى بعبودية، وهو الذي قام لتحقيق الحرية في الأرض وتأسيس الكرامة والإنسانية؟!!.
إنه من هذا المنطلق نرى انتفاضة الشعب الفلسطيني الأخيرة كدليل عملي على عدم الرضا بالذل وتسلط العدو الصهيوني الذي ظن أنه بمرور الوقت سيميت روح المقاومة عند الشعب الفلسطيني، وتشب أجيال تستسلم للأمر الواقع، ولم يعلم أن روح العزة التي تولدها العقيدة تشب مع الطفل ومع فطرته، فلن يقر لهذا العدو قرارعلى أرض فلسطين حتى يرحل أو يقبر في فلسطين، بإذن الله.
إن الأوضاع التي عانتها المجتمعات الإسلامية في القرون الأخيرة حين تحكَّم فيها الطغاة وانتهبها الأعداء، وبثوا فيها جراثيم التحلل والاتجاهات المنحرفة، التي لا تزال مجتمعاتنا تعاني منها، إنما سادت في غيبة الإيمان الحي، حيث همدت العزائم وضعف اليقين، مما جعل قيام حركات التحرير- التي أجْلَت الغاصبين، ورفعت سيطرة المعتدين- فريضةً إسلاميةً لا يُقبل إسلام بغيرها.
والتيار الإسلامي يدعو الجميع إلى التخلص من كل هذه الآثار السيئة التي رسبها الاستعمار، ومن وراءه من عملاء، إننا ندعو إلى صحوة من هذه الغفوة، وإلى نهضة من تلك الكبوة.
هكذا أوضحنا مكانة الحرية في المجتمع المسلم الذي اتخذناه قدوةًº لنقيم مجتمعنا على غراره، وإنه لم يُشوّöه جلالَ الحرية في المجتمع الإسلامي غيرُ نفر من المستبدين قفزوا إلى الحكم في أحوال بئيسة، وأولئك آفة التاريخ الإنساني لم ينج منهم عصر من العصور، حتى في عصور الحضارة وفي عصور المبادئ والدساتير وفي عصرنا هذا، والوقاية من هذا الداء لا تكون إلا في استبسال الشعوب، ويقظتها وتضحيتها في سبيل الحرية، وإلا فلن تجد لها إلى الحياة سبيلاً.
إننا نطالب بالحرية في ظل شريعة اللهº لنقوم جميعًا ببناء وطننا في جو من الحرية والحب والأخوة والمساواة والتعاون بين الحكومة والشعب، والله الموفق والمعين.