إن سيد قطب وهو يواجه هذا الواقع وقوله عن انقطاع الأمة المسلمة سبقه تعليل هو قوله : (الأمة المسلمة جماعة من البشر تنبث حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي وهذه الأمة بهذه المواصفات قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعاً ) [ مقدمة المعالم ] .
ويؤكد أن هذا الحكم خاص بالأنظمة ولا يلحق الشعوب فيقول : (الأمة المسلمة هي التي تحكم في كل جانب من جوانب حياتها الفردية والعامة والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بشريعة الله ومنهجه وهي بهذا الوصف غير قائمة وإن كان هذا لا يمنع من وجود الأفراد المسلمين لأنه فيما يختص بالفرد يكون الاحتكام إلى عقيدته وخلقه وفيما يختص بالأمة الاحتكام إلى نظام حياتها كلها ).
لقد فهم المستشرق الفرنسي جيل كيبل المقصود بالمجتمع الجاهلي عند سيد قطب وفهم الهدف من كتابه معالم في الطريق فنقل في كتابه النبي وفرعون ص 39 قول سيد قطب (المجتمع الجاهلي هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام ولا تحكمه عقيدته وتصوراته وقيمه وموازينه ونظامه وشرائعه وخلقه وسلوكه ) (على رأس القائمة المجتمعات الشيوعية والمجتمعات الوثنية ومن بعدها المجتمعات اليهودية والمسيحية وأخيراً المجتمع الذي لا ينكر وجود الله تعالى ولكنه يجعل له ملكوت السموات ويعزله عن ملكوت الأرض يبيح للناس أن يعبدوا الله في المساجد والبيوت ولكنه يحرم عليهم أن يطالبوا بتحكيم شريعة الله في حياتهم وهو بذلك ينكر أو يعطل ألوهية الله في الأرض ) .
ثم قال المستشرق : ( إن إعدام سيد قطب المبكر وضع مفاهيمه وأفكاره في متناول الشعب بكل ما احتملته من مضامين غير واضحة أيضاً وأدى ذلك إلى وقوع سلاح التكفير بين أتباع مذاهب لا يمكن السيطرة عليها ) ص 47 .
ويتضح من ذلك أن الأستاذ سيد قطب إنما يصف بالحصر تلك المجتمعات التي يتبنى نظام الحكم فيها المناهج اللادينية المناهضة للإسلام .
ويحمل الشعب على هذه العقيدة الفاسدة ولهذا فالحكم على المجتمع إنما يراد به الحكم على هذه المناهج وعلى الأنظمة التي تفرضها وليس حكماً على الشعب .. أما قضية دار الكفر ودار الإسلام فإن الوصف يلحق نظام الحكم ولا يلحق الشعب ويختلف الوصف بالكفر أو الإسلام باختلاف العلة التي استند إليها الفقيه في هذه التسمية فعلى سبيل المثال :
1- قد تكون علة التسمية هي نوع الحكم والتشريع وبهذا قال محمد بن الحسن وأبو يوسف صاحبا أبى حنيفة حيث يريا أن تفقد الدولة صفتها الإسلامية بظهور أحكام الكفر فيها وهذا ما أفتت به لجنة الأزهر الشريف جواباً على سؤال عن الحكم الذي خلف الخلافة الإسلامية التركية فقالت الفتوى : ( دار الإسلام هي التي تجرى فيها أحكام الشريعة وتعتبر بالنسبة لسائر المسلمين بلداً واحداً ويرى أبو حنيفة أن دار الإسلام لا تصبح دار كفر إلا إذا سادت فيها ولا ذمي آمن على نفسه فيها .
2- ويرى ابن تيمية أن الأرض التي سكنها المسلمون هي دار إسلام أما الأرض التي زال عنها الحكم الإسلامي وأهلها مسلمون فهي قسم ثالث ليست بمنزلة دار الإسلام ولا بمنزلة دار الكفر فيعامل المسلم فيها بما يستحثه ويقاتل الخرج على شريعة الإسلام بما يستحقه .