إن كل عالم من علماء المسلين بل والباحثين غير المسلمين يعلم أن النطق بالشهادتين أي الإقرار والتصديق بالإيمان هو الحد الأدنى للإيمان وأن من مقتضى الإيمان العمل بالفرائض والأركان والجهاد في سبيل الله ولكن الأستاذ محمد قطب يفترض شيئاً لا وجود له ثم يبنى على ذلك أحكاماً فيقول : ( يتوهم كثير من الناس أن لا إله إلا الله كانت مطلوبة بكل مقتضياتها ومؤثرة في ذلك الجيل الفريد بكل آثارها لأنهم كانوا قبل ذلك مشركين ! وأنهم لو كانوا غير هذا الوضع لكان كل المطلوب منهم هو التصديق والإقرار ! وتلك هي الجناية الكبرى التي جناها الفكر الإرجائى على الأمة الإسلامية والتي ظلت مع عوامل أخرى تفرغ لا إله إلا الله من محتواها الحقيقي تدريجياً حتى أحالتها في النهاية كلمة خاوية الروح .
ثم يؤكد فكره بأن المؤمنين في المدينة قد تناولت سورة البقرة موضوعات متعددة بدأ بها تنظيم حياتهم في المجتمع الجديد بعد قيام الدولة فبدأت السورة بوصفهم في قول الله : { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } البقرة : 1- 5 ) .
ثم يتساءل ماذا يقال لأولئك المؤمنين المتقين المفلحين الذين لم يستوفوا شرط التصديق والإقرار فقط .. هل يقال لهم يكفيكم ! أحرزتم المطلوب كله وضمنتم الجنة .. أم يقال لهم إن الله فرض عليكم وفرض عليكم . على سبيل الوجوب لا على سبيل التخيير ! .
( ويقال لهم لكي يعلموا يقيناً أن حقيقة الإيمان لا تحقق بالتصديق والإقرار وحده ولكن بأعمال معينة دالة على الإيمان في قول الله :{ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } البقرة : 177 ) .
ونجد نفس هذه الافتراضات أيضا في كتابه واقعنا المعاصر فيقول : ( نحيت الشريعة عن الحكم أولاً وقيل للناس لا بأس عليكم ما دمتم تصلون وتصومون فأنتم مسلمون ثم نحيت الصلاة والعبادات عامة وقيل للناس لا بأس عليكم ما دمتم تقولون لا إله إلا الله فأنتم مسلمون .
ونزعت لا إله إلا الله من محتواها ... وجاءت حركة الإمام الشهيد ((حسن البنا )) والأمة على هذا النحو إلا من رحم ربك وقام بتصحيح جانب من العطب الذي أصاب لا إله إلا الله الذي كانت قد أفسدته االصوفية والفكر الإرجائى ودعا إلى تحكيم شرع الله ... فوجد استجابة الجماهير من حوله فاطمأن إلى هذا الظاهر ولم يول الأمر في مبدأ الأمر من العناية ما أثبتت التجربة فيما بعد أن الأمر كان في حاجة شديدة إليه .. لقد قتل حسن البنا .. ثم جاء البطل السفاح فأقام للمسلمين مذبحة من أبشع مذابح التاريخ ... ومر الحادث بكثير من القلوب كأن لم يمسها على الإطلاق بل صفقت كثير من الأيدي للسفاح ولو كان الناس يعلمون حقيقة لا إله إلا الله وارتباطها الوثيق بتحكيم شرع الله .. أكانوا يقفون هذا الموقف المنكر الغريب ؟ لا يمكن ذلك بحال ) ص 421 - 424 .
إن هذا الافتراض غير صحيح لأن سكوت الشعب لا يرجع إلى عدم الاهتمام بتحكيم شرع الله فإن الشعب كله كان يسمع باستمرار نداء الإخوان : الله غايتنا والقرآن دستورنا ولكن الخوف والإرهاب هو الذي أسكت الكثيرين منهم .