· عقبات في الطريق
أعلنت الحرب العالمية الثانية واشتعلت نيرانها في سبتمبر سنة 1939 م..
وباندلاع هذه الحرب فرضت سلطات الاحتلال البريطاني الأحكام العسكرية على البلاد والعباد في مصر، وتعاقبت الوزارات حتى شكلت وزارة حسين سري باشا وصدرت إليها أوامر هذه السلطات لتقضي على نشاط "الإخوان المسلمون"، وتحل جماعتهم وتحول بينهم وبين القيام بواجبات دعوتهم..
واتخذت سلطات الاحتلال هذه الإجراءات القمعية ضد الإخوان بعد أن فشلت محاولاتها في جذب قيادة الإخوان إلى صفها بالوعد والإغراء.
ونفذت حكومة حسين سري الأوامر!!.. وحالت بين الإخوان وبين التحرك بدعوتهم وأوقفت جميع وجوه نشاطهم ووضعت جميع شعبهم تحت المراقبة الشديدة وصادرت صحفهم ونشراتهم، وتمادت في إجراءاتها التعسفية ضد الإخوان حتى منعت جميع الصحف في مصر من نشر أي خبر عنهم أو حتى ذكر اسمهم أو الإشارة إليهم ولو بكلمة واحدة، من ذلك:
عندما حاول الإخوان إعادة طبع رسالة (المأثورات) رفض رقيب المطبوعات المستر فيرنس التصريح لهم بذلك، فلجأوا إلى مسئول آخر وحاولوا إقناعه بأن الرسالة ليست إلا مجموعة من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة يتلوها الناس في كل وقت صباحاً ومساءً في المصحف الشريف وكتب السنة المطهرة، فكيف يجيز المسؤلون في الرقابة على المطبوعات منع أمر كهذا يساعد الناس على العبادة والذكر؟!.. وانتهى الموقف بعد ذلك بالموافقة على الطبع بشرط أن تحذف من الغلاف عبارة (من رسائل "الإخوان المسلمون").
· إلى مجلس النواب
في ظل الظروف القاسية التي فرضت على الإخوان منذ اندلاع الحرب، وإزاء ظروف الكبت والإعنات ومصادرة الحريات والإجراءات التعسفية التي اتخذتها مختلف الوزارات في استخذاء تنفيذاً لأوامر السفير البريطاني المتربع على عرش البلاد في قصر الدوبارة، اتجهت أنظار الإخوان إلى منبر كانت تعلق فيه شكاية أهل الحق في ذلك الوقت وهو منبر مجلس النواب حيث تنشر الصحف ما يدور في جلساته من مناقشات واستجوابات، ولذلك قرر المؤتمر السادس "للإخوان المسلمون" المنعقد في يناير سنة 1941م أن يؤذن لمكتب الإرشاد العام أن يتقدم بالأكفاء من "الإخوان المسلمون" إلى الهيئات النيابية المختلفة صوت الدعوة وليعلنوا كلمة الجماعة فيما يهم الوطن.. وكانت هذه أول مبادرة للإخوان إلى اقتحام ميدان الانتخابات العامة.
وفي مارس سنة 1942م تقدم الأستاذ المرشد ورشح نفسه في دائرة الإسماعيلية، واكتفى الإخوان بترشيح المرشد فقط عملاً بسنة التدرج في الخطوات.
وفي الإسماعيلية استقبل الأستاذ البنا من الأهالي هناك بكل مظاهر الحفاوة والترحيب، وسرعان ما انتشرت الإعلانات واللافتات التي تحمل عبارات التأييد مثل:
- انتخبوا رجل الدعوة الإسلامية في القرن العشرين.
- مرحباً بحسن البنا داعية الإسلام.
- الإسماعيلية ترحب بقائد النهضة الإسلامية.
... وهذه مشاعر طبيعية، فالإسماعيلية هي مهد الدعوة ورافعة لوائها ومنها انطلقت أولى كتائبها.
وصدرت مجلة (الإثنين) في هذا الوقت وفي إحدى صفحاتها "روبرتاج" عن ترشيح حسن البنا عن دائرة الإسماعيلية بقلم الأستاذ مصطفى أمين على نفس الصفحة صورة فوتوغرافية للأستاذ البنا في موقف خطابي رائع يسبح في آفاق من السمو ويحلق بالجماهير في سماء من الصفاء والأخوة والحب في الله، وتحدث الأستاذ مصطفى أمين عن روعة استقبال الشعب في الإسماعيلية للأستاذ وكيف أنهم دفعوا له قيمة التأمين، وختم حديثه بقوله: (إن مستقبل هذه الجماعة ليفوق حساب كل متفائل..).
ونشط الأستاذ البنا في زياراته بدائرة الإسماعيلية، يخطب ويحاضر، ويقوم بزيارات للأسر والعائلات والجماعات المختلفة...
· التنازل عن الترشيح
وفي غمرة هذا الشعور الفياض وهذه المظاهرات الجارفة والأفراح الزينات التي تلألأت بها المدينة دعا الأستاذ النبا إلى مؤتمر عقد بالشارع الثلاثيني بعد صلاة العشاء أعلن فيه عن المفاجأة التي أذهلت الناس وهي تنازله عن الترشيح حيث قال إنه قد رشح نفسه عن الإسماعيلية بناء على طلب الإخوان (ولقد جئت اليوم لأضع أمام الإخوان هذه التطورات الجديدة، فقد دعاني مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة إلى مكتبه وطلب مني ضرورة أن أتنازل عن ترشيح نفسي عن دائرة الإسماعيلية، فلما سألته عن الأسباب المبررة لهذا الطلب، قال لي البلد في حالة حرب، ومصلحة البلد أن تتنازل، فقلت له: ألا يكفي أن الحكومة قيدت خطواتي ولا تسمح لي بالسفر خارج القاهرة إلا بإذن من وزارة الداخلية وأن الدعوة بهذه الصورة لا تجد مجالاً للانطلاق، فيكون التنازل عن الترشيح حجراً على الدعوة والداعية فقال: إنه في حالة قبول التنازل، لا مانع عندي من أن يكون لك حرية الدعوة في كل مكان.. وأمام هذا التصريح وافقت على أن أتنازل عن ترشيح نفسي).
فتعالت الهتافات غاضبة من كل مكان، ولكن الأستاذ المرشد قال: (أيها الإخوة المسألة أولاً وأخيراً مسألة دعوة وليست مسألة أشخاص، ولقد تأسيت في هذا الموقف بموقف رسولنا صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية يوم رأى الصحابة رضوان الله عليهم أن لا يعطوا الدنية في دينهم، ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم رأيا يخالف رأيهم، وأثبتت الأيام صحة ما استقر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، ونحن لسنا طلاب مراكز ولم نرد من الترشيح إلا أن نجد منبراً نعلن فيه عن دعوتنا ونقول فيه كلمة الحق، فإذا تيسر لنا ذلك على أوسع مدى في حدود الظروف نكون قد وفقنا إلى أحسن الحلول وعسى أن تكرهوا شيئاًَ ويجعل الله فيه خيراً كثيراً.. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله).
ثم قال: أيها الإخوة ننتقل إلى معنى آخر، تعلمون أن هناك حرباً ضروساً تأكل الأخضر واليابس، ونحن نعيش على أطراف هذه الحرب، واعتقادي أن الله تعالى قد صنع هذه الحرب لصالح العرب والمسلمين، وأذكر أنني كنت في سفر فرأيت بعض الفلاحين يشعلون النار في أراضيهم الزراعية فلما سألت عن السبب قيل لي: إن هذه الأرض قد شاخت وتعذرت زراعتها والحريق يجدد تربتها، وتذكرت في الحال أن هذه الحرب لا بد أن فيها خيراً إما أن تصلح من طبيعة الغرب فتعيد إليه رشده وترد إليه عقله فيخرج من بلادنا إلى غير عودة، وإما أن تكون ناراً عليهم ونوراً يضيء لنا الطريق..
أيها الإخوة: إن تفاوت التوازن بين قوة البلاد العربية والإسلامية وقوة الدول الغربية الاستعمارية لا تعطي فرصة للتحرر والخلاص، فكانت هذه الحروب إرادة ربانية ليذيق الله الغرب بعضهم بأس بعض، فيشتت شملهم ويضعف قوتهم وينهي دولتهم.. وبهذا يكون هناك شبه توازن في القوى بين الشرق والغرب.. والذي يهمنا الآن هو أن توجد قيادة إسلامية تستفيد من هذه الظروف العالمية التي نادراً ما تتحقق، فتتوحد كل الجبهات الإسلامية في وجه فلول الاستعمار، فتخرج بريطانيا من مصر وفلسطين والسودان والعراق، وتغادر فرنسا سورية ولبنان وبلاد المغرب، وتذهب إيطاليا من ليبيا إلى غير رجعة، وتعود الهند وأندونيسيا وأفريقيا وغيرها بلاداً إسلامية ترفرف عليها راية القرآن.
أيها الإخوة: لا تظنوا أن هذا خيال أو محال.. إنه حقيقة مستقرة في قلوب المؤمنين، وإن كنتم في ريب من ذلك، فلقد قرأت اليوم على أثر اقتحام الجيش الألماني (خط ماجينو) وتغلغله في فرنسا.. قرأت أن (بيتان) زعيم فرنسا ورئيس حكومتها أمر قائد الأسطول البحري الفرنسي أن يدخل في وسط البحر الأبيض المتوسط ويدمر الأسطول كله، خوفاً من أن يستولي عليه الجيش الألماني ويستعمله في حرب بحرية ضد انجلترا حليفة فرنسا.. وقام القائد الفرنسي بتنفيذ المهمة بنجاح.
أيها الإخوة: في ختام كلمتي هذه نقرأ معاً قول الله تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخرجون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 02].
أيها الإخوة الفضلاء: هذه بيوتهم يخربونها بأيديهم، بقي أيدي المؤمنين {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} [المجادلة: 21].
وانفض هذا الاجتماع الخطير بهدوء وسلام.. وعاد الأستاذ البنا إلى القاهرة ليرسم خطة مرحلته الجديدة على ضوء ما وعده النحاس باشا، وأخذ يجوب البلاد طولاً وعرضاً داعياً إلى الله دون أن يترك لحظة من حياته المباركة إلا ويمضيها عاملاً لخير دعوته.. فكانت الفترة الزمنية ما بين عام 1942م إلى نهاية عام 1948م من أكثر فترات الدعوة بركة وأنجحها في تاريخ الدعوة، حيث أتيح للإمام أن يسابق الزمن في الوصول بالدعوة الإسلامية إلى مضمونها الكامل في كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتربوية.
· لماذا الانتخابات وعضوية مجلس النواب؟
في توضيح عن أسباب اشتراك الإخوان في انتخابات ملجس النواب كتب الإمام البنا مقالاً نشر بمجلة (الإخوان) قال فيه: (تساءل بعض الناس لماذا يشترك الإخوان المسلمون في الانتخابات؟ والإخوان المسلمون كما عرف الناس وكما أعلنوا عن أنفسهم مراراً جمعية للخدمة العامة ودعوة إصلاحية تجديدية تقوم على الإسلام وتعاليمه، فأما أنهم جمعية للخدمة العامة فذلك هو الواضح من ممارستهم في شعبهم لأنواع هذه الخدمة من ثقافة وبر وإحسان ورياضة وإصلاح بين الناس وإقامة للمنشآت ما بين مساجد ومعاهد ومشافي وملاجئ في حدود طاقتهم ومقدرتهم.
وأما أنهم دعوة إصلاحية فذلك لب فكرتهم وصميمها أن يعود المجتمع المصري والمجتمعات الإسلامية كلها إلى تعاليم الإسلام وقواعده التي وضعها في كل شئون الحياة العملية للناس، ومن البديهي الذي لا يحتاج إلى بيان أن الإسلام ليس دين عقيدة وعبادة فقط، ولكن دين الله عقيدة وعبادة وعمل تصطبغ به الحياة في كل مناحيها الرسمية والشعبية، أولئك هم الإخوان المسلمون جمعية ودعوة.. والدعوة لب فكرتهم وثمرة جهادهم والهدف السامي لكفاحهم الطويل من قبل ومن بعد. وعماد الدعوة لتنجح وتظهر تبليغ واضح دائم يقرع بها أسماع الناس، ويصل بها إلى قلوبهم وألبابهم، وتلك مرحلة يظن الإخوان المسلمون أنهم وصلوا بها في المحيط الشعبي إلى حد من النجاح ملموس مشهود، وبقي عليهم بعد ذلك أن يصلوا بهذه الدعوة الكريمة إلى المحيط الرسمي، وأقرب طريق إليه، منبر البرلمان (فكان لزاماً على الإخوان أن يزجوا بخطبائهم ودعاتهم إلى هذا المنبر لتعلو من فوقه كلمة دعوتهم وتصل إلى آذان ممثلي الأمة في هذا النطاق الرسمي المحدود بعد أن انتشرت فوصلت إلى الأمة نفسها في نطاقها الشعبي العام)..
واستطرد فضيلته بعد ذلك مبيناً الفوائد التي ستعود على الإخوان من هذه الخطوة ومنها نشر الدعوة (في المحيط الذي تعترك فيه الفكرة وتشتجر فيه الآراء، وأن يفهم الناس أن دعوة "الإخوان المسلمون" (لا تقف عند حدود الوعظ والخطابة ولكنها تحاول أن تشق طريقها إلى المنابر والمجتمعات الرسمية، وأن على المؤمنين بهذه الدعوة أن يهيئوا أنفسهم لهذا الميدان، وأن يستعدوا لخوض غماره).
وبعد أن أجاب في مقاله عن بعض التساؤلات التي تتعلق بهذا الموضوع، أجاب عن سؤال أخير عن ماذا يفعل الإخوان في اليمين الدستورية – إذا نجحوا – وفيها النص على احترام الدستور، في حين أن هتافهم "القرآن دستورنا"؟؟ فقال: (الجواب عن ذلك واضح مستبين، فالدستور المصري بروحه وأهدافه العامة من حيث الشورى وتقرير سلطة الأمة وكفالة الحريات لا يتناقض مع القرآن، ولا يصطدم بقواعده وتعاليمه وبخاصة وقد نص فيه على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وإذا كان فيه من المواد ما يحتاج إلى تعديل أو نضوج، فقد نص الدستور نفسه على أن ذلك التعديل والنضوج من حق النواب بطريقة قانونية مرسومة، وتكون النيابة البرلمانية حينئذ هي الوسيلة المثلى لتحقيق هتاف الإخوان).
· الترشيح مرة ثانية
وفي وزارة أحمد باشا ماهر سنة 1945م..
عاد الإخوان في الإسماعيلية إلى ترشيح الأستاذ البنا للمرة الثانية، وازدحمت المدينة بوفود الإخوان من كل بلاد القطر وامتلأت المساجد والمدارس الأهلية والمنازل بالوافدين، وعلت الهتافات الإسلامية على كل لسان حتى ألسنة الأطفال أينما وجدتهم، وارتفعت الأعلام في المدينة وامتلأت باللافتات والإعلانات والمنشورات، وسارت المظاهرات الإسلامية بالدراجات والموتوسيكلات والسيارات التي تحمل الشعارات، وانعقدت المؤتمرات التي خطب فيها حسن البنا، فكانت صورة شعبية رائعة لممارسة الإخوان أساليب الحياة السياسية والاجتماعية.
وقد أصدر الأستاذ البنا منشوراً انتخابياً يقول فيه بعد المقدمة: (عرفت فيكم بحمد الله صدق الدين وقوة اليقين وتأييد العاملين، فاستخرت الله تبارك وتعالى وتقدمت مرشحاً نفسي لعضوية مجلس النواب عن دائرتكم الكريمة لأعمل في هذا الميدان على ما فيه حفظ حقوق الوطن العزيز وصلاح المجتمع المصري والرجوع به إلى هدى الإسلام الحنيف وتعاليم القرآن الكريم التي يسعد في ظلها المسلمون وغير المسلمين من أبناء هذا الوطن المبارك، فما بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا رحمة للعالمين والتي تدعو إلى الجماعة والوحدة وتنظر إلى المخالفين نظرة البر والإحسان {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} [الممتحنة: 08]. تقدمت لتظهر الفكرة الإسلامية في هذا الوسط الذي بيده مقاليد التشريع لهذه الأمة العزيزة ولتلتفت إليها أنظار النواب وهم خلاصة أعيان البلاد فنعمل جميعاً على أن تعود الأمة إلى هدى الإسلام ونظام الإسلام وسأطالب باسمكم بالأمور الآتية إن شاء الله:
1- إصلاح المدرسة المصرية بوضع سياسة ثابتة للتعليم ترتكز على تعاليم الإسلام وقواعد التربية الوطنية الصحيحة.
2- إصلاح المحكمة المصرية باستمداد القانون من وحي السماء ومن وضع الله لا من شهوات الناس وأهوائهم وبذلك يسود الأمن وتنزوي الجريمة وتقام حدود الله.
3- إصلاح تعليم الفتيات والقضاء على هذا التيار الفاسد من التبرج والاختلاط والخلاعة مما أدى إلى تحلل روابط الأسرة المصرية.
4- إصلاح منابع الثقافة العامة من الصحف والجرائد والمجلات والإذاعات.
5- محاربة المنكرات التي حطمت أرواحنا وأجسامنا وذهبت بعقولنا وأموالنا وأوجبت سخط الله ونقمته من الزنا والبغاء والخمر والميسر والمراقص ودور اللهو الخليع محاربة مثمرة باسم القانون والنيابة.
6- رفع مستوى المعيشة في طبقات الشعب المظلومة بتنظيم الزكاة ومقاومة الربا وتمصير الشركات ومقاومة البطالة وإنصاف العامل والزارع، والموظف الصغير وتنظيم الضمان الاجتماعي لهؤلاء جميعاً.
7- هذا إلى تقوية روح الاعتزاز بالكرامة القومية وإظهار ذلك في كل المناسبات والحفلات الرسمية والمحافظة الكاملة على حقوق المواطن العزيز وسلامته وحريته واستقلاله.
هذه بعض المطالب التي نلح في إجابتها وسنعمل على تحقيقها بتأييد الله سبحانه..
ويعلم الله ما قصدت بذلك مغنماً دنيوياً من مال أو جاه فذلك كله ظل زائل وعرض حائل وإنما شعرت شعوراً قوياً بأن الكفاح في سبيل هذه الغايات واجب محتوم يفرضه الإسلام على كل مسلم وتقتضيه مصلحة الوطن من كل مصري ولا شك أنكم تشاركونني هذه العقيدة وتمدونني بتأييدكم في العمل لها والله ولي التوفيق، ولست أقصد بذلك تجريح شخص ولا محاربة حزب ولا تنقص زعيم، فالجميع مطالبون بالعمل لهذا المنهاج القويم وأنا بحمد الله أعمل لذلك منذ أكثر من عشر سنوات ولهذا تألفت جماعة "الإخوان المسلمون" في نواحي القطر المختلفة وأعتقد أنه قد جاء الوقت للعمل لهذه الغايات بالوسائل الرسمية في مجلس النواب والقضية لهذا ليست قضية شخصية أو حزبية ولكنها قضية الوطن والإسلام وهو يو له ما بعده إن شاء الله.
وانتهت الانتخابات.. وكانت النتيجة تقضي بالإعادة بين الأستاذ البنا والدكتور سليمان عيد وهو طبيب ولكنه مع ذلك وفي نفس الوقت المتعهد بتوريد جميع أنواع الأغذية إلى قوات الجيش البريطاني في منطقة القناة(!!).
وجرت انتخابات الإعادة في جو لاهب، حيث اكتظت الإسماعيلية بوفود غزيرة من مختلف بلاد القطر، وكانت القطارات التي تمر بالإسماعيلية تحمل الوفود وقد زينت بالورود وسعف النخيل عليها شعارات "الإخوان المسلمون".. وحاصرت قوات الشرطة التي جاءت إلى الإسماعيلية من العاصمة جميع منافذ المدينة، فضلاً عن وجود قوات الاحتلال في حالة استنفار وترقب وتأهب على عكس ما قيل بأن هناك أوامر تمنع نزول قوات الجيش البريطاني إلى شوارع الإسماعيلية أثناء فترة الانتخابات.
وفي صبيحة يوم الاقتراع بالأصوات انتشر الإخوان في كل مناطق الدائرة لمراقبة لجان الاقتراع.. وقبيل العصر فوجئ الإخوان بأفواج من الغرباء عن المدينة ينضمون بتذاكر مزورة إلى صفوف الناخبين من أهل المدينة..
وعندما اكتشف الإخوان التزوير وعرفوا المكان الذي تتجمع فيه هذه الأفواج وهو مخزن كبير للدكتور سليمان عيد منه يتم توزيعهم إلى مقار لجان الاقتراع للإدلاء بأصواتهم المزورة، صدر الأمر إلى الإخوان فتجمعوا حول هذا المخزن بصورة رهيبة تنذر بالخطر، وفجأة اقتحمت بعض سيارات الجيش البريطاني الضخمة الجموع الإخوانية بسرعة شديدة وبلا اكتراث، كما تبعها بعض قوات الشرطة المصرية يطلقون النار على حشود الإخوان، واستطاع بعض الإخوان أن يستولي منهم على بعض الأسلحة، وكادت تقع الكارثة لولا أن أصدر الأستاذ المرشد أوامره إلى الأستاذ سعد الدين الوليلي بأن يصرف الإخوان.
وكان اللواء الإنجليزي (فايزباترك) حكمدار الشرطة المصرية في منطقة القناة قد أسرع إلى الأستاذ المرشد يرجوه أن يرد الإخوان ما استولى عليه الإخوان من سلاح، ولكن الأستاذ كان قد سبقه إلى ذلك حقنا للدماء رغم ما حدث من اعتداء على الإخوان ومحاولة إرهابهم والقبض على بعضهم وتعرضهم لإصابات بالغة.
ويذكر عن الإمام الشهيد رحمه الله أنه كان غاية في رعاية خصمه بحيث لا يقع من أحد الإخوان ما يكدر صفوه أو يسيء إليه، يقول أحد المعلقين الأجانب: لقد كان الإخوان غاية في الحماسة والشدة في سبيل عدم تمكين خصمهم من الوصول إلى غايته عن طريق غير شريف، فكانوا يحاصرون مصنع اللبن وفيه التذاكر المزورة، وكادت تنشب العركة لولا أن جاء هذا الرجل "القصير" – يقصد فضيلة المرشد – ونادى بصوته الحازم: تعالوا.. وسرعان ما انصرفت هذه المجموعات ملبية أمر هذا الرجل.. عجباً، هؤلاء جميعاً يطيعون هذا الرجل القصير؟!
وانتهت أحداث الانتخابات هذه النهاية المؤسفة..
وأرسل الإمام البنا مذكرة إلى أحمد ماهر رئيس الوزراء وعدة برقيات للاحتجاج على التزوير وتصدي رجال الأمن للإخوان!!
وسأل أحد الإخوان الأستاذ المرشد بقوله:
إذا كانت الحكومة لا ترغب في أن تفوز في الانتخابات، فلماذا لم تصارحك، كما فعل ذلك من قبل النحاس باشا عام 1942 م؟؟.
قال: لكل حكومة أسلوب وسياسة عمل، وهذه الحكومة لا تريد إخفاء خضوعها للاستعمار. كما أنها تريد في نفس الوقت أن لا تجعل الإخوان في نظر الشعب أبطالاً، وتريد أن توهم الناس بأن الانتخابات حرة نزيهة ليس فيها أي ضغط من الحكومة، في حين أن الاتفاق بينها وبين سلطات الاستعمار على إسقاط مرشح الإخوان تؤيده جميع وقائع الانتخاب.
ولا زلت أذكر مشهد آخر أمسية سبقت يوم إجراء الانتخابات، حيث عقد مؤتمر ضخم في شارع الثلاثين حضره فضيلة المرشد ومجموعة من النواب الذين فازوا في الدور الأول للانتخابات في البلاد المجاورة جاءوا لتأييد الأستاذ.. ولا زلت أذكر من طرائف هذه الأمسية ذلك الهتاف الجديد (إلى البنا يا برلمان) الذي دوى به كالرعد صوت الأخ المرحوم مصطفى شعبان من إخوان الإسكندرية ورددته الجماهير بوعي وحماس في حين أن هتافنا التقليدي كان (إلى البرلمان يا بنا).. وكان هذا إرهاصاً بما سيؤول إليه أمر هذه الانتخابات من تزييف وتزوير لإرادة الأمة.
وحين أعلنت نتائج الاقتراع عن إقصاء فضيلة المرشد وإنجاح الدكتور سليمان، خرجت الإسماعيلية وقد هزها النبأ عن بكرة أبيها – شيبا وشبابا وأطفالا – في مظاهرة وكأنها البركان في غضبه ونقمته.. خرجت الإسماعيلية تتحدى الطغاة وهي تزأر بهتافات الدعوة الإسلامية مندفعة في صورة رهيبة تنذر بالخطر نحو دار الإخوان، ولم يجد الإمام البنا بدا من الخروج إلى الجماهير خطيباً وبأعلى صوت قال:
"يا أبناء الإسماعيلية الأوفياء.. أيها الإخوان الذين جئتم من كل مكان!
إن هذه الحشود الهائلة بهذه الصورة القوية الرائعة، بهذا الواقع الصادق والحقيقة القائمة لتصم الحكومة بالتزوير والتضليل، وإن الباطل لا يغني عن الحق شيئاً، وإن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة.
وإن عجز أمة عن أن تدفع أحد أبنائها إلى البرلمان ليقول كلمة الحق والإسلام لدليل على أن الحرية رياء وهباء وأن الاستعمار هو سر البلاء.
أيها الإخوة..
إنني أحسب أن مراجلكم تغلي بالثورة وعلى شفا الانفجار، ولكن في هذا الموقف لابد من صمام الأمان فاكظموا غيظكم وادخروا دماءكم ليوم الفصل، وهو آت لا ريب فيه، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله..
ووصيتي لكم أيها الإخوان أن تنصرفوا إلى منازلكم وبلادكم مشكورين مأجورين، وأن تفوتوا على أعدائكم فرصة الاصطدام بكم".
· الاستعمار والاستخراب
في ظل هذه الذكريات المريرة الأليمة التي مازلنا نتجرع كئوسها حتى الآن!!.. فما مسألة الاستقلال والتحرر إلا أكذوبة كبرى وخدعة عظمى، فهذه آثار الاستعمار الخربة المدمرة قد تغلغلت في كل مرافق حياتنا، وما ذلك إلا نتيجة لسياسته في إفساد النفوس وتخريب القلوب والضمائر وتحطيم معاني الرجولة والإنسانية فينا.
.. في ظل الذكريات تحضرني بعض كلمات غالية قالها إمامنا الشهيد رضوان الله عليه في درس من دروس الثلاثاء عن (معنى الاستعمار)، قال:
(إن هناك مظاهر قوة، وعناصر قوة، وأسباب قوة، لا تقوم الأمة ولا تحيا إلا عليها: الغذاء والماء والهواء.. هذه مقومات حياتها فهي تتحطم إذا فقدتها وتضعف إذا نقصت، ولها بجانب هذا أغذية، تتحطم بفقدها وتضعف بقلتها أيضاً:
§ أولها: العلم.... ثانيها: المال..
§ ثالثها: القوة... رابعها: العدل...
هذه الأربعة لا تستغني عنها أمة، ولا كيان لها إلا بها ولا تحصل الأمة على هذه الأمور إلا إذا كانت حرة طليقة من كل قيد، فإذا وكل أمرها إلى غيرها، استبد بها، فمنع عنها الحقائق، وأعطاها قشوراً لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا يقيم فيها عدلاً، بل يشيع فيها الظلم والخلاف حتى تفسد أخلاقنا فتضعف معنوياتها، ويكثر الملق والنفاق والجبن، لأن الإنسان إذا لم يجد ما يغذي به نفسه، تملق ونافق وضعفت عزيمته، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى: {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون} [النمل: 34]..
فجمع القرآن الكريم في هذه الآية مظاهر الاستعمار، بل "الاستخراب"، لأن الاستعمار كلمة تدل على العمار، ومن قبيل هذا ألفاظ تستعمل في هذه الأيام لغير ما وضعت له، من ذلك: الرقص، يسمونه الفن الجميل، والربا يسمونه فائدة، والسكر يسمونه طرافة، والشهوة يسمونها عاطفة..
أقول.. جمع الله تعالى الاستعمار في كلمتين:
1- {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها}.
أفسدوها الفساد العلمي، والفساد الاقتصادي، والفساد الصحي، والفساد الأخلاقي.. ومن مظاهره: الذل والفقر والمسكنة..
2- {وجعلوا أعزة أهلها أذلة}..
فإذا فقد الإنسان عزته، وكان أمره فرطا، فقد كل شيء في حياته، فقد مظاهر الحياة، وكلما ظهرت قوة المستعمر في بلد، كلما ظهر بطشه وغطرسته.. {وكذلك يفعلون}..
سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنه الله تبديلاً..
هذا الاستخراب، كلما دخل بلداً سلب الذمة من أهله، ففسد الخلق وضعفت النفوس، وشاعت المظالم، ومات العلم وفشا الجهل، ثم تتلاشى الأمة بعد ذلك.. هذا هو الاستعمار الحديث، وذلك أثره ومظاهره..
أما الفتح الإسلامي، يوم أن كان الفاتح هو الصحابي، وفي يده المصحف، وفي قلبه النور والإيمان، ولا رغبة له في دنيا يصيبها ولا امرأة ينكحها، فهو العمار بعينه.. كلما دخل بلداً يقول: لماذا استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً..
إن الله تعالى بعث محمداً هادياً، ولم يبعثه جابياً..
في تلك الأيام رأت الدنيا استعماراً حقاً، أيام أن كان لتأدية الرسالة وتبليغها، ولما صار ملكاً عضوضاً، فسدت الدولة.. وهناك فارق بين استعمار الرسالة واستعمار الجهالة.
· وحي الإسماعيلية
تلك كانت نظرة حسن البنا إلى الاستعمار أوالاستخراب كما كان يسميه وآثاره الوخيمة على الشعوب التي تبتلى به.. فماذا كان يبعث في نفسه؟.. وبماذا أوحت إليه الإسماعيلية عندما نزل إليها لأول مرة؟
يقول رحمه الله في مذكراته:
"كان للإسماعيلية وحي عجيب، فهذا المعسكر الإنجليزي في غربها ببأسه وسلطانه وهيمنته وهيلمانه، يبعث في نفس كل وطني غيور الأسى والأسف، ويدفعه دفعاً إلى مراجعة هذه الاحتلال البغيض، وما جر على مصر من نكبات جسام، وما أضاع عليها من فرص مادية وأدبية، وكيف كان الحاجز الوحيد دون نهوضها ورقيها والمانع الأول من وحدة العرب واجتماع كلمة المسلمين طوال ستين سنة.
وهذا المكتب الأنيق الفخم، مكتب إدارة شركة قناة السويس في بهائه وروعته وسلطانه وسطوته، واستخدامه للمصريين ومعاملته إياهم معاملة الأتباع المضطهدين، وإكرامه للأجانب ورفعه إياهم إلى مرتبة السادة والحاكمين، واستئثار هذا المكتب بالإشراف التام على المرافق العامة، فالنور والمياه والنظافة، وكل ما هو من شأن المجالس البلدية تقوم عليه الشركة، حتى الطرق والمداخل التي توصل إلى الإسماعيلية البلد المصري الصميم كلها في يد الشركة، فلا دخول إلا بإذنها ولا خروج إلا بموافقتها.
وهذه المنازل الفخمة المنتشرة في حي الإفرنج بأكمله، ويسكنها موظفو الشركة الأجانب، وتقابلها مساكن العمال العرب في ضآلتها وصغر شأنها والشوارع الأنيقة في حي العرب كلها تحمل لوحات لم تكتب إلا بلغة هذا الاحتلال الاقتصادي الجاثم على صدورها، حتى شارع المسجد كان مكتوباً هكذا Rue de mosquée ذلك إلى تخليد الأسماء الأجنبية على هذه اللوحات "نجرللي"، "لبير"، "أوجيني" إلخ..
كل هذه المعاني والخواطر، كانت تتفاعل وتعمل عملها في النفس، بخاصة إذا خلا المتأمل فيها بنفسه، بين خمائل الإسماعيلية، وحدائقها الغناء، أو في شاطئ بحيرة التمساح الجميلة، أو في جوف الغابات الصناعية على حافة الصحراء..
لقد أوحت الإسماعيلية بالكثير من المعاني، التي كان لها أثر كبير في تكييف الدعوة والداعية.
· يوم الجلاء
وأعلن حسن البنا الثورة على الاستعمار، فالإخوان المسلمون هم الفئة الوحيدة على الساحة السياسية في مصر التي لا تمالئ ولا تهادن، وهم القوة الوحيدة على أرض الوطن القادرة على المواجهة، وهم أمل وحيد لأمة حيرى تبحث عن القيادة الصادقة والزعامة الحقيقية..
انظر يا أخي في صحافة مصر في هذه الأيام..
واقرأ حديث مجلة "آخر ساعة" المستفيض مع الإمام البنا تحت عنوان:
"شعارنا سيفان.. دستورنا القرآن".
"هبي يا رياح الجنة على رهبان الليل وفرسان النهار".
يقول الكاتب:
"رأيت الأستاذ حسن البنا المرشد العام "للإخوان المسلمون" منذ عامين مرتين: رأيته في الأولى يخطب جماعة من طلبة الطب، ورأيته في الثانية يناقش مجموعة من الشبان المثقفين، ورأيت سامعيه في الحالتين يقابلونه بالابتسام والضحك والسخرية بل والصفير، ولكنه تكلم وخطب وسيطر، وانتصر بسهولة على معارضيه في كلتا الحالتين.
رأيته فيهما صامتاً ورأيته يتكلم.. وجهه على الحالين مشوب بمسحة وقار لطيف، حاد الملامح، بيّöن التعابير، تحت جبين عريض لماح بقبس من الذكاء، يقتعد وسطه "زبيبة صلاة" كبيرة من أثر السجود.
عيناه هادئتان بسيطتان في بساطتهما لمحة من "عيون المقطم" تحسبها قليلة الغور، فإذا ألقيت فيها الحجر، ظل يتدحرج، ويتدحرج، وتتعاقب الثواني على صوته وهو يتدحرج، ويفني الصوت وهو ما زال يتدحرج إلى غير قرار.
دائم الابتسام، فاره القامة، رحب الهيكل، يبدو قوياً كشجرة السنديان، في صوته عمق وعرض وطول، وللسانه سحر إذا تكلم يتلاعب فيه بالألباب، والأحاديث وأمجاد الجهاد الإسلامي يطلقها من فمه كالمدفعي الماهر، في أنسب وقت وأنسب مكان، فيكون لها فعل القذائف في معارضيه.
ترى هل يمكن أن تتألف من مجموعة هذه الألوان والخطوط صورة زعيم!
***
على أي صوت تستيقظ مصر هذه المرة..
من أي باب تهب رياح الفجر الوليد..
من أي دم تكتب مصر عندما تفيق صفحتها المجيدة الجديدة في تاريخها الحديث يقولون: إن علم هذا عند الله وعند جماعة "الإخوان المسلمون" فمن هم الإخوان المسلمون؟
هؤلاء الذين يزعم الرواة أنهم وراء كل مظاهرة وكل حركة إضراب، وأنهم القوة المحركة الدافعة لهذه الفورة الجديدة التي توجه الشعور الوطني هذه الأيام.
وأنهم استطاعوا في يوم واحد أن يوزعوا مائة ألف شارة من شارات الجلاء وأن يعلقوها على صدور مائة ألف مصري رشيد.
من هم هؤلاء الإخوان؟
***
مدرس خط ومع ذلك فإن خطه بشهادته هو نفسه ليس جميلاً بل ولا مقروءاً، وزعيم لمليون من الصريين ولكنه بشهادته هو أيضاً ليس زعيماً وإنما هو مدرس فقط، ولعل هذا هو مصدر لقبه الرسمي وهوالمرشد العام.
أما الإخوان – أعنى الجمعية نفسها – فهي شعار مكون من سيفين متقاطعين بينهما مصحف كتبوا تحته كلمة (وأعدوا).
ثم المرشد العام: ذلك الرجل الملتحي ذو العينين البراقتين والصوت الحازم القوي المكين، وليس هناك بعد ذلك إلا مليون رجل فقط على استعداد لبذل آخر قطرة من دمائهم عندما يأمر بذلك المرشد العام.
وهذا هو كل شيء.
سألت الأستاذ حسن البنا المرشد العام عن السيفين فقال:
هما رمز الجهاد.
والمصحف؟
دستوره.
قلت: والكلمة المكتوبة بين السيفين: (وأعدوا).
قال: هي الكلمة الأولى من الآية الكريمة:
{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60] ولم نستطع أن نكمل الحديث لأن خمسة آلاف من أنصاره جاءوا يتلقون تعليماته بعد حوادث يوم الجلاء.
ويظهر أن ميزة الرجل الكبرى هي أنه يعرف كيف يخاطب الناس وكيف يلهب شعورهم.
والذي يسمعه وهو يقول لهم: "اسمعوا يا خير أمة أخرجت للناس" أو يناديهم "اسمعوا يا جند محمد، ويا جيش الخلاص، ويا كتائب الإنقاذ، ويا رهبان الليل وفرسان النهار".
الذي يسمعه وهو يقول هذا ثم يسمعهم يجيبون عليه بدوي كهزيم الرعد "الله أكبر، الله أكبر، وللمؤمنين النصر" يدرك فوراً أن هذا الرجل أوتي قدرة خارقة على فهم نفسية الجماهير، وكيف يلهب مشاعر الجماهير.
وتسمع الشيخ بعد هذا يحدثهم عما جرى أخيراً فيقول: إنه يأسف لأنه كان يريدها مظاهرات سلمية، لا لأنه يعتقد أن حقوق مصر تنال بالمظاهرات السلمية فقط، ولكن لأنه يرى أن الوقت لبذل الدم لم يحن بعد، وأن كل القوة وكل البأس يجب أن يدخرا ليوم الدم. ولكنه مع أسفه لهذه الحوادث يؤمن بأن هذه هي إرادة الله وما يريد الله إلا الخير للعباد.
وتسمع بعد ذلك هزيم الرعد "الله أكبر ولله الحمد" ويسكت المرشد فترة ثم يقول:
والآن يا شباب انصرفوا إلى أعمالكم، وسوف تصلكم تعليماتي بالطريقة المعتادة، أيها الإخوة الأعزة الفضلاء.
وفي دقيقة واحدة ينصرف الخمسة آلاف ويعود إلينا الأستاذ حسن البنا يتخذ مجلسه بيننا كأنما لم يحدث شيء.
وكأنه لم يكن منذ لحظة يلعب بعواطف خمسة آلاف، من رهبان الليل وفرسان النهار.
وتحدث إلينا بعد عودته فقال:
- لا أستطيع أن أحدد متى وكيف نشأت الدعوة، فهناك أفكار تنشأ مع الإنسان يوم ينشأ، على أنها برزت عقب تخرجي من دار العلوم في شعبتين: إحداهما في الإسماعيلية حيث كنت أقيم والأخرى في شبراخيت.
قلت: وكم عدد الشعب المنتمية للجمعية الآن؟
قال: في مصر ألف وخمسمائة شعبة تضم مليونا من الإخوان، ولنا شعب أخرى في الشرق كله تجعل منا مليونا ونصف مليون من الإخوان العاملين، عدا الإخوان المناصرين وهم كثيرون، يؤمنون جميعاً مثلنا أنه يجب أن تكون لنا فلسفة روحية مستمدة من تعاليم الإسلام الغراء.
قلت: ولكنكم دون شك تحولتم في السنوات الأخيرة إلى ناحية النشاط السياسي.
قال: النشاط الوطني تقصد، فمالنا بالسياسة علاقة، لقد حرصنا دائما على ألا نحتك بالأحزاب ولا بالهيئات، فلما نشبت الحرب حرصوا هم على أن يحتكوا بنا، وتولدت من الاحتكاك "الشرارة" التي لفتت إلينا الأنظار.
قلت: هل تشترك في الانتخابات إذا أجريت انتخابات جديدة؟
قال: نعم.
قلت: وهل تضمن النجاح؟
قال: أستطيع في انتخابات حرة أن أحصل على أغلبية ساحقة، هذا لو أنني أردت ذلك ولكنني في الواقع لا أريده، فمكاننا في صفوف الشعب أكثر منه في صفوف الحكام، ولهذا لن نتقدم إلا في عدد صغير من الدوائر.
قلت: هل معنى هذا أنك لا تقبل رئاسة الوزارة إذا عرضت عليك؟
قال: بل أقبل، والحكم ليس متعة وإنما هو جهاد. فأنا إن قبلته فإني أقول للإنجليز إما أن يتم الجلاء وإما – وهذه أقولها للمصريين – "أيتها الأمة جاهدي فالجهاد سبيلك الوحيد". لقد سألت النقراشي باشا يوما أن يطالب بالجلاء صراحة، فإن ماطل الإنجليز فلا يستقيل، وإنما ينتضي السيق ويقود الأمة في ميدان الجهاد.
قلت: وهل كنت تتعاون معه؟
قال: أنا وراء كل رئيس وزراء يدعو إلى الجهاد.
قلت: هل عندك قوة؟
قال: عندي مليون.
قلت: السلاح؟
قال: سلاحنا الإيمان.. وكل أخ من الإخوان يؤمن بأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يجاهدون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وستجدنا يوم الجهاد نستقبل الرصاص صائحين: هبي يا رياح الجنة.
قلت: وهل عندك المال؟
قال: نحن أفقر جمعية وأغنى جمعية، مالنا الرسمي اشتراكات الإخوان ومالنا الحقيقي خزائن الإخوان، أردنا شراء هذه الدار ولم يكن في خزائن الجمعية من ثمنها شيء، فدفع الإخوان ستة عشر ألف جنيه في يوم واحد، وأعلنا في أول فبراير عن حاجتنا إلى جريدة ودار للنشر ومطابع قدرنا ثمنها بربع مليون جنيه لتكون أكبر مؤسسة من نوعها في الشرق. فدفع الإخوان في أسبوعين مائة وعشرين ألف من الجنهيات!!
قلت: هناك عدة أشياء لا تعجبني فيكم.
قال: ما هي؟
قلت: الدعوة الدينية فإنها تمزق وحدة الأمة.
قال: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهوم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} [الممتحنة: 08].
قلت: ولماذا تطلبون من الأعضاء أن لا يكثروا من الجدل.
قال: لأن المراء لا يأتي بخير.
قلت: ولماذا تطلبون منهم أن لا يكثروا من الضحك والمزاح.
قال: لأن القلب الموصول بالله ساكن وقور، ولأن الجد وحده هو شعار الجهاد.
· منطق المؤمنين
والسؤال الآن.. كيف أيقظ حسن البنا أمته وحول روح اليأس فيها إلى أمل، حتى أصبحت مستعدة لمواجهة الإمبراطورية التي لا تغيب عن مستعمراتها الشمس، وأصبحت لا تخاف جنود الاستعمار، فإما الجلاء التام وإما الموت كراماً شهداء؟
بمنطق المؤمنين الواثقين في نصر الله.
بهذا المنطق وحده بعث حسن البنا روح الجهاد في أمته، ونقل القضية الوطنية من مائدة السياسيين والتجار وأصحاب الأهواء المتفرقة إلى ميدان المجاهدين أصحاب البذل والتضحية.
أنظر إليه وهو يقول:
وجه إليَّ أحد الإخوان هذا السؤال: هذه هي المفاوضات بيننا وبين الإنجليز، تسير في طريق ملتو متشعب لا أول له ولا آخر، وها هم أولاء يراوغوننا على عادتهم، ويؤخرون البت في قضيتنا حتى يفرغوا من مشاكلهم وستضيع منا الفرص فرصة بعد أخرى، من مؤتمر الصلح إلى مجلس الأمن إلى هيئة الأمم، فماذا ننتظر بعد ذلك؟
فقلت: وليكن ذلك، لن يضرونا إلا أذى، وكل الوقت للمؤمن فرصة طال الزمن أو قصر.
ووجه إليَّ آخر في نفس المجلس سؤالاً ثانياً فقال: وها هي إنجلترا جادة في أن تصرف أنظار الناس في قضية فلسطين إلى مشروع التقسيم البغيض الذي لن يقبله عربي واحد، ولن يوافق عليه مسلم واحد من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي، كما أنها هي وحليفتها أمريكا، لا زالتا تحاولان إتخام الأرض المقدسة بالمهاجرين من اليهود سراً وعلانية، حتى يتم لهم ما قرروا من إدخال مائة ألف يهودي إليها ونحن قاعدون، فهل تودون أن ننتظر متفرجين حتى تغص فلسطين بهؤلاء الأفارقين؟
فقلت: وماذا يضيرك؟ ألا تحفظ جواب الإسكندر: إن الجزار الماهر تسره كثرة الغنم.
وانفض المجلس، وخلوت إلى نفسي أفكر فيما سمعت وقلت، ودارت بخلدي هذه الخواطر: إننا معشر العرب والمسلمين في أنحاء الأرض، نطلب حقاً مقرراً لنا، مقدساً عندنا، وعزيزاً علينا، فنحن نطلب الحرية، وهي للإنسان كالغذاء والهواء والماء، لا يمكن أن نعيش بغيرها ولا أن نحيا بدونها ونطلب الوحدة والارتباط والتجمع، وأن تزول من بيننا هذه الحواجز الصناعية والحوائل السياسية التي مزقت بها وحدتنا يد المطامع والأهواء في حوادث التاريخ المتعاقبة، ووحدتنا من صنع الله لنا، قررها القرآن وأكدها الإيمان، ومهدت لها طبيعة أرضنا، وثبتتها شركة تاريخية في المصالح والآلام والآمال، هي أبقى على الزمن الباقي من الزمن.
ونطلب بعد هذين الحقين أن يفسح لنا المجال بين الأمم العاملة لنقول كلمتنا وإنها لحق، ولنبلغ رسالتنا وإنها لخير، ولنساهم في بناء العالم وإن ذلك لعدل وإنصاف.
ذلك ما نرجو من مطالب، وما نجاهد في سبيله من حقوق لا بغي فيه ولا عدوان، ولا جحود ولا نكران، وليس فيه من الباطل مثقال ذرة.
ولهذا نحن مؤمنون أعمق الإيمان بأننا سنفوز في نضالنا وسننتصر في كفاحنا لأننا على الحق والحق باق خالد ولا قيام للباطل إلا في غفلة الحق.
ونحن معشر العرب والمسلمين، نؤمن بكتاب كريم، وعدنا ربنا فيه بأنه سيضاعف الأجر ويجزل المثوبة للذين يجاهدون في سبيل الحق، فمن قال كلمة أو أنفق نفقة، أو احتمل مشقة أو شاكته شوكة، أو مسه جوع أو نصب، أو لقي في جهاده أقل عناء، فذلك كله عند ربه يسجله له ويجزيه به ويثيبه عليه: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدوٍ نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين. ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة: 120-121].
ونحن معشر العرب والمسلمين، نعتقد أن أول البدهيات في إيماننا، وحجر الزاوية في عقيدتنا أن لنا ربا عظيما قويا قادراً، بيده ملكوت كل شيء، له التصرف والملك والخلق والأمر من قبل ومن بعد: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54]، {لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} [التوبة: 51].
فالرزق والأجل، والنفع والضر، والحياة والموت، والمرض والشفاء، كلها بيده، يصرف الله الناس فيها كيف يشاء، فلن يموت أحدنا إلا بأجله {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [الأعراف: 34].
ولن ينقص الله أحدا شيئا من رزقه {وفي السماء رزقكم وما توعدون} [الذاريات: 22].
ولن تمتد إليه يد بنفع أو ضر، إلا بقضاء الحق وقدر سبق "جَفَّتö الأقلامُ وطويت الصحف"، ولقد عاتب القرآن بعض الضعفاء وكشف عن خبيئة الضعف في أنفسهم، فقال: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر من شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتال إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور} [آل عمران: 154].
وقد وعدنا هذا الرب الجليل الكبير العظيم.. والذي بيده ملكوت كل شيء.. والذي له جنود السموات والأرض.. والذي لا يعلم جنوده إلا هو.. والذي أحاط بكل شيء علما وعداً لن يتخلف: أنه ينصر عباده المؤمنين، وعدهم بتأييده الغالب ما جاهدوا في سبيله واستقاموا على الحق الذي رسم لهم {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51]، {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} [الحج: 40]، {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين} [الروم: 47]، {إن ينصركم الله فلا غالب لكم} [آل عمران: 160]، {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [يوسف: 21]، {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128]، {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12]، {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً إن الله سميع عليم} [الأنفال: 17]، {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 02].
ولم يشترط علينا ربنا لينزل نصره إلا أن نؤمن به وحده، ونعتمد عليه وحده، ونفعل أمره ونجتنب نهيه، ونعد لأعدائنا ما استطعنا من قوة، ليس بلازم أن تكون نظير قوتهم أو مثل عدتهم، فإنما يراد منا ما استطعنا ونرجو من الله بعد ذلك مالا يرجون {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً} [النور: 55]، {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60].
ومن هذه المقدمات السابقة: إننا على الحق ولن يضيع الله أجر العاملين للحق، ولن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم، ولن يتخلى عنهم ربهم ويدعهم لأعدائهم وخصومهم، بل النصر حليفهم والعاقبة مكفولة لهم، نستطيع أن نستخلص النتيجة المحققة:
إنه مهما حاول الغاصبون المبطلون وراوغ الدهاة الطامعون، فإننا إلى حقنا واصلون، ولن يغير ذلك شيئاً من النتيجة المحتمة والإرادة المحكمة، ولن تجد لسنة الله تبديلاً..
ذلك منطقنا نحن المؤمنين في سهولته وبساطته ومقدماته ونتائجه وقد عاهدنا الله عهدا لن نخيس به ولن نحنث فيه إن شاء الله، أن نحيا لهذه الحقوق وأن نموت في سبيلها وكلاهما جميل {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} [التوبة: 52].
ولعل من الخير لنا وللقوم ألا يهزأوا بهذا المنطق، أو يضحكوا من هذا الحديث، فليعلمن نبأه بعد حين.. 1هِ.
· دعاء..
لذلك كان من أسلحة حسن البنا وأمضاها في معركته الضارية مع الاستعمار وقوات الاحتلال البريطاني دعاء صاغه ليتوجه به المسلمون إلى الله في المساجد عقب الصلاة هذا نصه:
(اللهم رب العالمين.. وأمان الخائفين.. ومذل المتكبرين.. وقاصم الجبارين.. تقبل دعاءنا وأجب نداءنا.. وأنلنا حقنا.. ورد علينا حريتنا واستقلالنا..
اللهم إن هؤلاء الغاصبين من البريطانيين قد احتلوا أرضنا، وجحدوا حقنا، وطغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد اللهم فرد عنا كيدهم.. وفُل حدهم.. ومزق جمعهم.. وخذهم ومن ناصرهم أو أعانهم أو هادنهم أو وادهم أخذ عزيز مقتدر.. اللهم واجعل الدائرة عليهم.. وسُق الوبال إليهم.. وأذل دولتهم.. وأذهب عن أرضك سلطانهم، ولا تدع لهم سبيلا على أحد من المؤمنين).
· يوم الدم..
في عام 1946 أعلن حسن البنا الجهاد ضد الاحتلال البريطاني..
ولكنه كان يقول لجماهير الإخوان الثائرة الغاضبة: إن الوقت لبذل الدم لم يحن بعد، وكل القوة وكل البأس يجب أن يدخرا ليوم الدم!.. فمتى كان هذا اليوم؟
مارس الإخوان مختلف ألوان الضغط الشعبي على الحكومات المختلفة منذ سنة 1946 لتتخذ موقفاً إيجابياً في القضية الوطنية وتعلن الجهاد على الغاصبين المستعمرين، وبلغ هذا الضغط الشعبي للإخوان أقصى مداه حتى أدى إلى قيام حكومة الوفد في 10/10/1951 إلى إلغاء معاهدة 1936 واتفاقيتي 1899 بشأن السودان، وبذلك وجدت الأمة نفسها أمام الاستعمار وجها لوجه، وأمام يوم الدم..
كانت حكومة الوفد قد ألغت المعاهدة في مظاهرة سياسية دون أن تتخذ للأمر عدته في مواجهة عدد مدجج بالعتاد والسلاح و 80 ألف جندي في منطقة القناة.