· ثورة سوريا الشقيقة:
قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945 وانهزام فرنسا أمام الجيوش الألمانية، طالبت سوريا الشقيقة بجلاء قوات الاحتلال الفرنسي عن أراضيها، ولكن فرنسا ماطلت ولم تف بوعودها السابقة وأصرت على استمرار الاحتلال، فهب الشعب السوري الشقيق في ثورة عارمة يدافع عن حريته وكرامته واستقلال بلاده..
ورأى الإمام الشهيد أن يقف الإخوان في مصر إلى جانب إخوانهم المجاهدين في سوريا، فأرسل إلى سفير سوريا بمصر الخطاب التالي:
(حضرة صاحب السعادة: وزير سوريا المفوض بالقاهرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته – وبعد:
فإن "الإخوان المسلمون" في المملكة المصرية يشاركون الحكومة السورية المجاهدة والشعب السوري الباسل الشعور ضد الاستعمار والعدوان والظلم في هذه الآونة الدقيقة من تاريخ العروبة وهم ينتهزون هذه الفرصة فيعلنون أن عشرة آلاف شاب من شباب الإخوان يرجون قبولهم كمتطوعين في الجيش السوري، وهم على أتم الاستعداد للسفر في أي وقت ترى الحكومة السورية أن تدعوهم فيه إلى الانضمام إلى القوات المجاهدة وأداء الواجب المفروض على كل عربي، فأتشرف بأن أخطر سيادتكم بذلك انتظاراً لأوامركم.
مع أصدق العواطف وأطيب التمنيات، والسلام عليكم.
حسن البنا
· بعثة طبية إخوانية إلى سوريا:
وعندما واجهت فرنسا بقواتها الغاشمة هذه الثورة بالقوة والنار وقصفت مدفعيتها الثقيلة الشعب السوري الأعزل وسقط الكثير من الجرحى والضحايا والشهداء مضرجين في دمائهم، رأى الإمام الشهيد رضوان الله عليه، أن يسارع الإخوان في مصر بأداء حقوق الأخوة بتضميد جراح المقاتلين والوقوف بجانب إخواننا السوريين في محنتهم وهذا أضعف الإيمان..
فقرر الإخوان إيفاد بعثة طبية إلى سوريا برئاسة الأخ الدكتور محمد سليمان وسكرتارية الأستاذ عبد الحكيم عابدين لمواساة سوريا في نكبتها. وغادرت البعثة القاهرة إلى دمشق، وهي مزودة بالأطباء والممرضين وبكل ما تحتاجه من أدوية وإسعافات.
واستقبل البعثة حين وصولها إلى دمشق كل من السادة نجيب بك البرازي نائب حماة وخالد بك الداغستاني محافظ حماة وسعد الله الجابري رئيس مجلس النواب السوري.
وهناك شمرت البعثة عن ساعد الجد ونزلت إلى المساجد وجعلوا منها مستشفيات، وواصلوا الليل بالنهار في صبر وصمت وعاطفة جياشة بالحب نحو إخوانهم في سوريا.
ولاحظ السوريون نشاط هذه البعثة التي تقوم بواجبها في غير ضجة ولا دعاية وفي حب وإخلاص وإيثار وانقطاع، وأعطت السوريين مفهوماً جديداً عن الإسلام في إيجابياته وتجاوبه مع الأحداث والمواقف، الإسلام الذي لا يعرف عصبية ولا قومية ولا أنانية، هذا الإسلام هو الذي تحركت به البعثة تطبق قول الرسول الكريم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). فتأثر الشعب السوري الشقيق بهذه الروح الفياضة المتفانية في صدق، فكتبت مجلة "الجامعة الإسلامية" التي تصدر في حلب في مقالها الافتتاحي ما يلي:
(كانت طائفة من الناس في سوريا تنظر إلى مصر بمظهر بعض صحفها الخليعة وبعض أقلامها الغاوية، ويأخذها الألم عليها بميول قبضة من كتابها الظاهرين من الحيرة والتقليد الأعمى، وتحكم عليها أنها سائرة وراء مفاسد الغرب.. حتى جاءت بعثة "الإخوان المسلمون"، فبعد أن داوت الجرحى وآست ذوي القتلى، وبذلت جهدها وأموالها وعونها في هذا السبيل المحبوب التفتت إلى نفوس الأحياء فأنعشتها وأوقدت حماسها، وأذكت شعورها نحو الهدف الأسمى والبغية المثلى، ونحو إحياء المجد والدعوة الحقة فارتدت أبصار الطائفة عما خدعت به وغدت مصر ملء الأفواه وملء الأسماع وملء الأبصار كما هو ملء القلوب والعقول، شقيقة مسلمة غيورة على الجامعة العظمى والأخوة الكبرى يوم يجد الجد وأيام الملمات والمحن).
وبعد مضي عدة أسابيع على عودة بعثة الإخوان الطبية إلى القاهرة بعد أن أدت مهمتها في سوريا بنجاح، حضر وفد من درا الأرقم من شباب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من حلب لزيارة الإخوان بالقاهرة والأقاليم رداً على زيارة البعثة الطبية، وكان جميعهم من الشباب وعلى رأسهم الأستاذ عبد الرحمن الباشا، واستقبلهم الإخوان بالإسكندرية بحفاوة وترحاب، وشملت زيارة هذا الوفد جميع شعب الإسكندرية وأسعدوا الإخوان بخطبهم التي فاضت بلاغة وحماسة هزت النفوس واستجاشت الأرواح وأثارت العواطف حيث كان هذا الوفد يضم نخبة ممتازة من الخطباء على درجة كبيرة من الحماس والوعي، وقد أثار ما كان يتردد في خطب البعض من كلام عن القومية العربية دهشة الإخوان بالإسكندرية، فلم يكن لمفهوم القومية العربية مكان الصدارة في أحاديث الإخوان حيث يؤمنون بالجامعة الإسلامية، ولذلك حاولنا في جلساتنا الخاصة أن نوضح موقف الإخوان من فكرة القومية. وتبين لنا من المناقشات أن مفهوم القومية العربية هو السائد في الفكر السوري ومنطقة الهلال الخصيب (سوريا ولبنان والأردن والعراق) ومن ورائه نصارى الشام وبعض المثقفين من المسلمين ممن تأثروا بمذاهب الفكر الغربي.. وتم بفضل الله تصويب هذه الفكرة لدى إخواننا السوريين بعد أن عرفوا ما وراءها من نوايا خبيثة تهدف إلى ضرب الوحدة الإسلامية.
· الانضمام إلى الإخوان
وعلى أثر هذه الزيارات المتبادلة بين جماعة "الإخوان المسلمون" في مصر وجمعية شباب محمد صلى الله عليه وسلم في سوريا.. وعلى أثر هذا التلاحم والتجاوب جاء وفد على رأسه فضيلة الشيخ مصطفى السباعي لمقابلة فضيلة المرشد العام ومبايعته، وتم ذلك بحمد الله وسط حفل بهيج أقامه الإخوان في المركز العام بهذه المناسبة التاريخية.
ويحكي مؤلف كتاب "مصطفى السباعي.. رجل فكر وقائد دعوة" قصة هذا الانضمام فيقول:
(أعجب السباعي بعمل الإمام الشهيد حسن البنا ورأى فيه بغيته وطريقته، كما رأى أن ما كان ينشده ويفكر به، من تنظيم جماعة تنهض بعبء رسالة الإسلام، وقد تحقق على يدي الإمام البنا، فساهم خلال وجوده في مصر – أثناء فترة التلقي بالأزهر – بدفع هذه الحركة، وتوسيع نشاطها، وتدعيم أسسها، فاستفاد من تجربتها، وأفادها من خبرته ونشاطه. وبلغ نشاطه حد أقلق الاستعمار البريطاني وأتباعه في مصر، بتهمة تحريض الشعب المصري على الثورة ضد الإنجليز، وزج به في السجن وبعد شهرين سلم إلى السلطات الإنجليزية في فلسطين، فأودع معتقل "صرفند" وبعد مضي أربعة أشهر أفرج عنه، لتعيد السلطات الفرنسية اعتقاله من جديد، فور وصوله إليها، وزجته في سجون لبنان أكثر من سنتين ونصف السنة. وبعد أن أفرج عنه عاد إلى بلده حمص ثم انتقل إلى دمشق، ليتابع نشاطه في الدعوة إلى الإسلام، وقيادة الجماهير في طريق الحق والقوة والحرية، ورأى أن الوقت قد حان لإخراج الحركة الإسلامية من نطاق العمل الشعبي العام إلى نطاق الحركة المنظمة، وبدأ باصطفاء الأكفياء من الرجال، وانتهى إلى تأسيس الجماعة المنشودة، مختاراً لها اسم الحركة الإسلامية في مصر، لإخراج الحركة من النطاق المحلي إلى نطاق الوطن العربي الكبير، فأعلن رحمه الله قيام "جماعة الإخوان المسلمون"، وذلك في عام 1945، وقد انتخبته الهيئة التأسيسية للجماعة فيما بعد مراقبا عاماً، وبايعته الجماعة على ذلك، وقاد الجماعة قيادة الحكيم المقدام).