لابد لمن يتصدر لمثل هذا العمل الكبير في زمن فسدت فيه النفوس أن يواجه بألوان من الكيد الرخيص يحيكها له في الظلام ذوو الأغراض والنفوس الضعيفة، لذلك حفلت حياة حسن البنا بهذه المكائد التي لم تنته يوماً ولم تهدأ لحظة..
ومنذ اليوم الأول، ولم يكن للرجل يومها قوة لها خطرها، ومع ذلك فقد كان طابعه في الدعوة والعمل يثير أحقاد من في قلوبهم مرض ولا يستطيعون العيش في النور، ولكن حسن البنا بنفسه الكبيرة وخلقه الإيجابي كان يقضي على ما يكيدون بالحكمة ويواجه ما يحيكون بصدر رحيب وصبر جميل حتى يفيئوا إلى الحق.
· عريضة إلى صدقي باشا
حدث عندما بدأ الإخوان بناء مسجدهم في الإسماعيلية، وكان عملاً ضخماً جديداً أوغر صدور بعض الناس على الأستاذ البنا، فنشطت الدسائس والفتن، وكان من بينها عريضة موقعة بأسماء لفيف من أهالي الإسماعيلية إلى رئيس الوزراء إسماعيل صدقي – إذ ذاك – جاء فيها:
أولاً: إن هذا المدرس متصل بموسكو ويستمد المال من هناك لأنه يبني مسجداً وجمعية.
ثانياً: إن هذا المدرس وفدي، يعمل ضد النظام الحاضر (نظام صدقي) ويقول إن الانتخابات بهذه الصورة باطلة، وإن دستور سنة 1930 باطل.
ثالثاً: إن هذا المدرس ألقى محاضرة في نادي العمال سنة 1930 عن أبي بكر الصديق، فقال إن انتخابه كان مباشراً ولم يكن من درجتين وإن الانتخاب باطل، وأنه ألقى محاضرة أخرى عن عمر بن عبد العزيز قال فيها إن عمر لم يأخذ من بيت المال شيئاً!!
واهتمت الحكومة بهذه العريضة اهتماماً كبيراً، وكلفت مراقب التعليم في الإسماعيلية بتحقيقها، فزار المدرسة.
وفي حجرة ناظر المدرسة قال المراقب: هو ده كله الأستاذ حسن..!
قال الناظر: أهو دا يا بك..
قال المدرس: يضع سره في أضعف خلقه.
واستطاع الأستاذ بعون الله له أن يحمل المراقب على زيارة مسجد الجمعية ودارها، وكان قد أعد العدة لدعوة طائفة من أعيان البلدة وكبار الموظفين، وأقام حفل شاي.
ودعا المغرضين والمشتركين في التوقيع على عريضة الشكوى كذلك، والتأم الشمل، وتعاقب الخطباء.. ودهش الرجل وهو يستمع، أن هذا الخطيب نجار والآخر جنايني والثالث مكوجي.
وقال: هذه أعجب مدرسة رأيتها.. ولم يلبث أن تناول شارة الإخوان، ووضعها على صدره وأعلن انضمامه للجماعة.
· إله يعبد!
ومن ألوان الكيد الخسيس الذي واجهه الإمام البنا، ما كتب عنه بقلمه في مذكراته، يقول فضيلته: (.. ذات يوم فوجئت باثنين من أخلص الإخوان دخلا عليّ في حالة من الألم الشديد، وقالا إن في البلد إشاعة قوية ضدنا ونحن لا يمكننا أن نسكت على هذه الإشاعات فاسمح لنا أن ننتقم من هؤلاء الذين يتقولون علينا بالباطل فابتسمت وقلت لهما إن ذلك من الخير والله تبارك وتعالى يقول: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران: 186]، فعلينا بالصبر وبالتقوى، وهذا دليل أحقية الدعوات أن يتقول عليها الناس بالباطل، وأنتما تعلمان ماذا قيل عن دعوة الإسلام الأولى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذت استرسل في هذه المعاني. فقالا في ألم ولكن هذا الذي سمعناه لا يمكن أن نسكت عليه أبداً، فإنه كلام فظيع يذيعه قوم معروفون ولهم أثرهم في نفوس الناس!!
فقلت: وما هذا؟ فقالوا: إنهم يقولون إنك تقول لنا في دروسك "اعبدوني من دون الله" وإن الإخوان المسلمون يعتقدون بناء على هذا أن الشيخ البنا إله يعبد وليس بشراً ولا نبياً ولا ولياً ولا شيخاً". ولقد تحرينا مصدر الإشاعة قبل أن نحضر إليك، فعرفنا أن الي يذيع هذا شيخ عالم يشغل منصباً دينياً ويصدقه الناس فيما يقول، فلم نكتف بهذا ولكنا ذهبنا إليه وسألناه من الذي أخبره بهذا، فقال: لقد سمعته بأذني من أستاذكم، فاستغربنا الأمر وكررناعليه القول، فأكد لنا أنه سمع هذا القول منك. ونحن طبعاً لا نصدق هذا أبداً، ولكنا جئنا نسأل ونحن في أشد الدهشة من جرأة هؤلاء الناس، ونريد مع هذا أن نعرف حقيقة هذا القول وأصل هذه الإشاعة.
نزل عليّ هذا نزول الصاعقة، وعجبت كيف يبلغ الكيد بالناس بعضهم لبعض هذا المبلغ العجيب، وأخذت أفكر في مجلس جمعني بهذا الشيخ أو شيء يمكن أن يكون ذريعة لبعض هذا القول فلم أتذكر شيئاً، ولكني قمت من فوري وأخذت هذين الأخوين واستدعيت اثنين من إخواننا المدرسين الفضلاء أعلم أن لهما بهذا الشخص صلة وثيقة وبينهم صداقة وتزاور، وقصصت عليهما القصة وقلت لابد أن نذهب إليه الآن، ونسأله بأنفسنا عن أصل هذه الإشاعة لأني أصارحكما بأني لم أستطع بعد أن أصدق هذين الأخوين في نقلهما عن هذا الرجل ولعله مظلوم أو لعلهما لم يفقها قوله، وليست التهمة مما يتساهل فيه، أو يغفل عنه، فهيا بنا إليه، وذهبنا نحن الخمسة وطرقنا باب الرجل ودخلنا حجرة الانتظار وجاء يسلم علينا، فلما رآنا بجمعنا هذا اصفر وجهه وبدا الاضطراب في صوته وحركاته، وكأنه شعر ما هنالك، ولم أدع له فرصة وقلت له تواً: يا أستاذ، هذان الأخوان نقلا لي الآن، أنك تقول كذا وكذا، وأنك قلت لهما أنك سمعت هذا القول مني شخصياً بأذنك. هل ما نقله هذان الأخوان عنك صحيح، وأنت قلت لهما هذا القول؟؟ فقال: نعم. فقلت: برئت ساحتهما وأديا الأمانة، والتفت إليهما وقلت: جزاكما الله خيراً. ثم وجهت القول إليه ثانية، وقلت: أنت يا أستاذ متى سمعت مني هذا القول؟ فقال: أتذكر منذ شهر تقريباً أننا كنا جالسين في "صندرة" المسجد فدخل علينا أحد المدرسين واسمه محمد الليثي أفندي وجلس معنا، وجاء الإخوان يسلمون عليك في شغف شديد واحترام، فقال لك هذا المدرس، يا أستاذ إن الإخوان يحبونك إلى حد العبادة، فقلت له: إذا كان هذا الحب خالصاً لوجه الله فأنعم به من حب، ونسأل الله أن يزيدنا منه، وتمثلت بقول الشافعي:
إن كان رفضاً حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافض
فقلت له: أذكر هذه الحكاية، فقال: أليس معنى هذا أنهم يعبدونك؟! وهنا رأينا أحد الإخوان من أصدقائه المدرسين الذين معي قام من فوره وانهال عليه شتماً وهم به ليضربه في بيته فأخذ يخاطبه أهذا ما تعلمته يا أستاذ وهذا مبلغك من الفهم ومن الأمانة في المجالس ومن الصدق في نقل القول.. ولكنا حلنا بينهما والتفت إليه وقلت له يا أستاذ لقد ذكرت هذا ولك أن تفهم فيه ما تشاء ولكنك أضفت إليه أنني أنا الذي آمر الإخوان بعبادة غير الله "حاش لله وتعالت دعوته عن ذلك علواً كبيراً" وأن هذه هي عقيدة الإخوان التي سمعتها مني، وحذفت من القول أنني عاتبته على هذا التعبير عتاباً قاسياً وقلت له إن هذا التعبير غير إسلامي جاءنا به الأدب الأوروبي والميوعة الغربية، وانزلق إلى ألسنتنا وأقلامنا بحكم التقليد الأعمى، وإن من واجب كل مسلم أن يحترس من مثل هذه التعبيرات والألفاظ. لقد ذكرت الحكاية يا أستاذ ونسيت هذا التعليق، وعلى كل حال فحسبنا هذا منك وقد وضح الصبح لذي عينين، ولكن الإخوان الحاضرين وكلهم أصدقاؤه لم يكتفوا بهذا وألزموه أن يوضح الأمر توضيحاً جلياً في حفل عام من أحفال الإخوان، وإلا فهم سيعلمون كيف يعاقبونه أشد العقاب، وقد كان، ونزل الرجل على حكم أصدقائه، وفي أول محاضرة أسبوعية وقف فأعلن الحكاية، وأعلن أنه لم يقصد إلا مجرد نقلها كما هي، وأنه شاكر للإخوان ودعوتهم جميل أثرها في نفوس الأمة عامة والشباب خاصة، وقضي الأمر.
· اتهام بالإثراء وامتلاك ألوف الأسهم:
انزعجت كل القوى السياسية في مصر (الاستعمار، القصر، الأحزاب السياسية، الحكومات)، منذ سيطرت دعوة الإخوان على نفوس جاهير الشعب المصري وبرزت كقوة شابة تدعو إلىالإصلاح بالعودة إلى الأصالة والمنهج الرباني، ومن مظاهر هذا الانزعاج تلك الحملات المرجفة التي قادها حزب الوفد وشنتها صحافته على الدعوة وعلى الأستاذ البنا بالذات، استمرت شهوراً طويلة لم تدع وضعاً صحيحاً إلا قلبته ولا قيمة إلا انتهكتها بلا وازع من خلق أو ضمير، ومن ذلك الافتراء بأن المرشد يملك أسهماً في شركة الإخوان للصحافة وشركة الطباعة وشركة المعاملات الإسلامية بألوف الجنيهات.
وحقيقة الأمر كما أوضح فضيلة المرشد في خطابه الذي أرسله إلى جريدة البلاغ رداً على هذا الافتراء: (إنه بوصفه المرشد العام يوقع على عقود باسم الهيئة "بصفته" لا بشخصه، وذلك ما ورد بشأن شركة الهلال للسياحة، وصاحب الأسهم هو المركز العام للإخوان، أما الشيخ البنا فلا يملك منها سهماً واحداً، لقد ساهمت بالصفة العامة لا بالصفة الشخصية.
أما عن شركة الصحافة والطباعة فأؤكد لكم أني لا أملك إلا أربعة أسهم في الأولى قيمتها "16 جنيها" لم تسدد بعد كلها، وفي الثانية ثلاثة أسهم قيمتها "12 جنيها" لم تسدد بعد كلها. أما ما ذكر في العقدين من أن لي في كل من الشركتين ألف جنيه، فهو مبلغ اسمي فقط، سببه أن المساهمين في كل شركة منهما يبلغون ثمانية آلاف مساهم تقريباً، ومن غير المعقول أن يوقعوا جميعاً على عقد الاتفاق، فرأت الجمعية العمومية لهؤلاء المساهمين أن ينتدب من بينها عشرون شخصاً تعتبرهم مؤسسين، وتوزع عليهم رأس المال والأسهم التي اكتتب فيها المساهمون جميعاً توزيعاً اسمياً، وتفوضهم في توقيع العقد، وذلك إجراء تتخذه كل الشركات المساهمة في مثل هذه الظروف.
وأحب أن انتهز هذه الفرصة فأضيف إلى معلوماتكم الصحفية في هذا المعنى أنني مساهم في شركة أخرى هي شركة المعاملات الإسلامية بخمسة أسهم قيمتها عشرون جنيهاً دفعت نقداً وعداً والحمد لله، وإنني قد انتخبت رئيساً لمجلس إدارة شركة الصحافة نظير مبلغ قدره مائة جنيهاً شهرياً ورئيساً لمجلس إدارة شركة الطباعة نظير مائة جنيه شهرياً أخرى كذلك، ولكني رفضت رفضاً باتاً أن أتقاضى مليماً واحداً من إحدى الشركتين، وعملت طوال العام الماضي متطوعاً حامداً لله أن وفقني إلى المساهمة بمجهودي الضئيل في هذه الخدمة الجليلة.
وأظن بعد هذا أنني في غنى عن ذكر مصادر الآلاف المزعومة أو الرد على ما تخيلتموه من فروض ونتائج باطلة تترتب على حيازتي إياها، فلا ألوف ولا مئات.
ولقد كنت أظن الأحزاب والصحف في مصر تفرح وتسر لأن هيئة إسلامية استطاعت أن تنهض على قدميها، وأن تساهم بنصيب وافر في الإصلاح الخلقي والاجتماعي والكفاح الوطني، معتمدة على الله، معتزة بسلامة مبادئها وطهارة قلوبها وجوارحها، بعيدة كل البعد عن الخضوع للأحزاب أو الأفراد أو الحكومات أو محتكري النشاط الاقتصادي في مصر من الدخلاء عليها والأجانب عنها – ولكن يظهر أن عناصر الهدم لا زالت في أنفس الكثيرين منا أقوى من عوامل البناء، وإننا لا زلنا في حاجة ماسة إلى "بنّاء ماهر" يعمل جاهداً في ترميم هذا الانهيار الخلقي المؤسف، فصبر جميل والله المستعان.
ولقد كنت أظن أن آخر من يتحدث في هذه المعاني هم الذين يعلمون حق العلم أن بيوتهم من زجاج).
· مكائد حزبية أخرى:
ومما علقت به صحيفة "أخبار اليوم" وهي معارضة للوفد على الموقف بين الإخوان والوفد، في عددها الصادر في (3 مايو سنة 1947) بعد أن استعرضت عدداً من أساليب الكيد التي استخدمها حزب الوفد ضد الإخوان:
(.. وأخيراً رأى الحزب أن خير طريقة لتحطيم الإخوان هو تمزيقهم من الداخل، تولى "السكرتير العام" هذه المهمة فنجح فيها نجاحاً كبيراً، فقد استطاع بفضل اتصاله بالأستاذ أحمد السكري وكيل الجمعية أن يحدث انقساماً في الإخوان، وحصل "السكرتير العام" على تقارير سرية للإخوان نشرها في صحف الوفد، فاتهم الأستاذ حسن البنا بعض الأعضاء بإذاعتها، وجمع الهيئة التأسيسية للإخوان وكان في نيته فصل الأستاذ السكري، ولكنه اكتفى بأن طلب إليه الاعتذار، ووصل شرر الانقسام إلى الإسكندرية فاستقال رئيس فرع الجمعية هناك.
وطلب الأستاذ البنا من الأستاذ السكري أن يكتب مقالاً ينفي فيه هذه التهم، ورجع السكري إلى الوفديين فنصحوه بعدم كتابة المقال، وطلبوا إليه أن يتحمل كل شيء ولا يستقيل، لأنه قوته في بقائه في الإخوان، وألحوا عليه أن يستمر في عمله وكيلاً حتى يؤلب الأعضاء على الأستاذ حسن البنا ويفصله من الرئاسة، وعندئذ يؤيده حزب الوفد في أن يصبح هو رئيساً لجمعية "الإخوان المسلمون".
وقد فتح حزب الوفد اعتماداً ضخماً للإنفاق على هذه الحركة، وطلب إلى صحيفته أن تفتح صفحاتها لنشر كل ما يؤدي إلى انقسام الجماعة التي هي في رأي النحاس باشا: الخطر الوحيد على كيان الوفديين.
على أن تفصيلات هذه الاتصالات وصلت إلى علم أعضاء الجمعية، وسئل المرشد العام عن اتصالات وكيله (بالباشا سكرتير عام حزب الوفد)، فنفى هذه الاتصالات لأن مجلس الإخوان قرر عدم الاتصال برجال الوفد، ومن غير المعقول أن يخالف الوكيل قراراً صريحاً اتخذه المجلس.
ولكن هذا التصريح الدبلوماسي لم يدفع عن الأستاذ السكري أصابع الاتهام. والمتوقع أن يطالب الأعضاء بفصل الوكيل لأنه خالف قرارهم، وتآمر مع الوفد على الجمعية ومرشدها.
فهل يسير الشيخ البنا في هذا الاتجاه؟
إنه يتحدث دائماً عن صداقته للسكري وكيف أنها دامت سبعة وعشرين عاماً، وأنه لا يستطيع أن يفرط بسهولة في هذا الصديق القديم، ثم أن إخراج السكري من الجمعية، هو إعلان رسمي للحرب بين الإخوان والوفديين، فهل المرشد العام على استعداد لمثل هذه الحرب الضروس؟
لقد ذهب شبان الإخوان أخيراً إلى الأستاذ البنا وأبلغوه أنهم قرروا تحطيم الصحف الوفدية والقضاء على لجان الوفد في يوم واحد حددوه، فهدأهم المرشد العام وقال لهم: إن الجمعية تؤمن "بالديمقراطية" وأنه لا يقر استعمال أساليب القوة في الوقت الذي تنشد فيه مصر عون الأمم الديمقراطية وهي تعرض قضيتها على مجلس الأمن.
ويقيم الشيخ البنا في "بيت متواضع" بشارع سنجر الخازن بالحلمية، ويستريح من العملية الجراحية التي أجريت له، ويرسم خطط الدفاع والهجوم.
إنه يرقد في هذه "المندرة" البسيطة بين كتائب من الزوار، وأكداس من الكتب والمجلات. لقد رضي بحياة الكفاف، ورفض أن يتسلم من خزانة الإخوان مرتباً شهرياً قدره مائة جنيه.
وهو يقرأ اليوم آيات القرآن التي تدعو إلى الوئام، وتمجد الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، ولكنه مع ذلك يضع سيفه المغمد في متناول الذراع، ترى هل يطوي المصحف ويستل السيف من غمده هذا الأسبوع!) 1.هِ.
ولم تمض فترة قليلة حتى أعلن الأستاذ أحمد السكري أنه خر على الجماعة، ونشر في الصحف خطاباً مطلوباً عن موقفه سرعان ما أذن المرشد بنشره في اليوم التالي في جريدة الإخوان اليومية وأجاب عليه في هدوء وأدب فقال:
لم تنس بعد أنني وقد بلغني عنك تشيع الأقوال في مجالسك الخاصة، وتسير على سياسة وخز الإبر وتسميم الآبار، أنني تقدمت إلى مكتب الإرشاد بخطاب أتهمك فيه بهذا التجني، وأطالبك بتوضيح رأيك، وأطالب المكتب بالفصل في نقط الخلاف التي تراها، فأنكرت كل ذلك، وأقسمت أمام إخوانك على ثقتك التامة بخطة المكتب والمرشد، وبأن كل هذا اختلاق أريد الإساءة به إليك.
إنك أعرف الناس بأن موضوعك لو عرض مفصلاً لكان حكمهم عليك بالإجماع حكماً قاسياً دامغاً، أجهدني أن رددته عنك أولاً وثانياً أملاً في استصلاح نفسك ووفاء بحق الأخوة بيننا. لقد استغللت كرم الأسلوب وفضل التجاوز استغلالاً غير كريم ما كنت أود أن يصدر منك، فذكرت أنني بعثت إليك بخطاب مطول حددت فيه أسباب فصلك بأنها:
أولاً: الاختلاف في أسلوب التفكير.
ثانياً: الاختلاف في وسائل العمل.
ثالثاً: الاختلاف في الشعور نحو الأشخاص.
استغللت ذلك فحرفت الوقائع بما يصور هذه الأسباب بغير المقصود منها، لقد قصدت بالأول أنك تريد الغموض وأريد الوضوح، وبالثاني أنك تريد المداورة وأريد الصراحة، وبالثالث أنك تؤثر خصوم الدعوة وتفضي إليهم بشئونها وأحول أنا دون ذلك، وأكف عنك سخط أبنائها والمؤمنين بها والوقائع لا تشرفك.
والناس جميعاً يعلمون أينا كان يريد أن يورط الدعوة في السياسة الحزبية وأينا كان يحميها من ذلك. وعواطف الرجال، وسياسة الدعوات، وحفظ الجماعات، وأمانات المجالس التي لا يقصد بها إلا وجه الله وخير الدعوة، لا يليق أن تعرض سلعاً رخيصة في الأسواق، لا لشيء إلا لشهوة الجدل ولذة الانتقام.
يا أخي: لم أكن أتصور أبداً أن تندفع في طريق التجني هذا الاندفاع، إنك تأخذ عليّ أنني تصرفت من نفسي دون انتظار الهيئة التأسيسية، حتى أفوت عليها فرصة الإصغاء لما تقول والحكم لما تسمع، وهذا كلام منقوض من أساسه، فقد انعقدت الهيئة التأسيسية مرتين (مارس سنة 1947) بعد قرار إيقافكم و (يوليو سنة 1947)، وكان الاجتماع الأول خاصاً بمحاكمتكم، واستمر اجتماع الهيئة التأسيسية ستا وثلاثين ساعة كاملة كان نصيبك أنت من الكلام فيها ست ساعات متواصلة، فلöمَ لم تصارحها بما كنت تكتمه الآن؟ ولöمَ أعلنت ثقتك التامة بي، وجددت بيعتك لي، وقبلت لومها على تصرفاتك، واشتركت معها في قرار الاستنكار الذي أصدرته لمذكرة الدكتور إبراهيم حسن؟!
تقول: إنك اكتشفت بطريق الصدفة اتصالاتي ببعض الشخصيات الأجنبية والمصرية، وهلك ما حدثك عنه أحدهم يوم 7 فبراير سنة 1947، ولقد أدهشني منك هذا القول العجيب من أنك لم تصارحني بهذا الذي سمعته، وكيف كتمته عن الهيئة التأسيسية التي انعقدت بعد ذلك بنحو شهر، ألا تعتقد أن هذا الكتمان يعد خيانة للدعوة وللهيئة، غفر الله كل شيء إلا هذه، فإنها سقطة لن تغفر، وولوغ في عرض هو أطهر من ماء السماء والحمد لله وحده).
وكان الأستاذ السكري قد أشار في خطابه إلى عدة أمور:
أولاً: لا ينكر الأستاذ البنا أن الإخوان بلغوا أيام حكم الوفد من القوة ما يثبته الإحصاء الرسمي، فقد جاء الوفد ولدينا خمسمائة شعبة وخرج من الحكم ولدينا ألف وخمسمائة شعبة.
ثانياً: دعوة أخي حسن إلى تقويم ما أعوج من الجماعة والسير بها في طريقها الطبيعي المستقيم.
ثالثاً: قرر فصلي من الجماعة دون الرجوع إلى التحكيم الذي طالبته به مراراً، اللهم إلا وقوفي في وجهه دون انزلاقه بالجماعة في تيار السياسة الحزبية.
رابعاً: دخول بعض العناصر الانتهازية المأجورة في صفوفنا بإيعاز من رجال السياسة وتدخل سادتهم في شئوننا، وذلك عقب تولي صدقي باشا الحكم.
خامساً: اتصالات المرشد بفئة معينة من رجال السياسة وتكوين اللجنة السياسية المعروفة.
ولما كانت هذه الأمور كلها واضحة فقد كان للأستاذ البنا اتصالاته بجميع الجهات وجميع الساسة خارج الحكم وداخله في فترة من أدق فترات تاريخ مصر بعد الهدنة، ومن خلال موقف خطير يستهدف المواجهة، وهل سيكون ذلك بالمفاوضة مع الإنجليز أم إعلان الجهاد المسلح، أم إقامة جبهة من الأحزاب؟ كل هذا لم يكن يرضي الأستاذ السكري الذي كان يرى ضرورة تبعية الدعوة للوفد، فلما عرض الأستاذ الشروط الخاصة بذلك ومنها عدم التفاوض مع الإنجليز، وإبراز الروح الإسلامي في الحكم، تراجع الوفديون ومعهم بعض من تبعهم، ولقد سارع الأستاذ البنا على الأثر بتوجيه كلمة إلى الإخوان فقال: "إن الأستاذ السكري كشف بخطابه عن كثير مما كان قد خفي علينا من نفسه وتصرفاته، ووضع يدنا على الحلقة المفقودة في الفتنة الماضية، وكان من فضل الله علينا وعلى الدعوة وعلى الناس أن يلحق الأصل بفرعه حتى يستوي الصف وتستقيم الأمور.
إن أخانا – غفر الله له – قد أعلن عن نفسه، وقد اعترف اليوم على رؤوس الأشهاد بما كان ينكره من قبل من محاربة الدعوة والقيادة، ويقسم على البراءة بأغلظ الأيمان في كل اجتماع وكل مكان".
وسرعان ما فتحت جريدة صوت الأمة صفحاتها لمقالات متعددة للأستاذ أحمد السكري تحت عنوان (كيف انحرف الشيخ البنا بدعوة الإخوان) محاولاً أن يعلن بأنه يحمل لواء الدعوة الصحيحة هو وإخوانه، وأنهم يسيرون بها على الطريق الأصيل، ولم يصدق أحد من الناس ذلك فقد كانت صيحة في واد، ولم تجد كلماته ولا مقالاته التي لم يستطع أن يقول فيها شيئاً له أهمية ما، مما يدل على أنه كان لا يعرف عن حركة الإخوان شيئاً، وحاولت جريدة البلاغ وجريدة صوت الأمة نشر بعض المقالات والأخبار، ونشرت الأخيرة ما أسمته استقالات تحت عنوان "هذه الجماعة تهوي".
وجاء شاعر مسلم فأنشد قصيدة ذهبت مثلاً، مطلعها:
هذي الجماعة تهوي إلى سناها القلوب
الله يدفع عنها إذا ادلهمت خطوب
وبينما كانت صحف الوفد تردد تلك الأكاذيب كانت الدعوة تشق طريقها وتمد أغصانها إلى كل مكان، وسرعان ما وجه الأستاذ البنا خطاباً إلى مختلف الشعب والمناطق: (ينبه فيه على الإخوان تنبيهاً مشدداً أن يضبطوا أعصابهم ضبطاً تاماً، وأن يتجنبوا بكل وسيلة الاحتكاك بمن يحاول استفزازهم بالقول الجارح أو اللفظ النابي، وأن يفروا من هذا الميدان ما وسعهم الفرار، فليست في الدنيا هزيمة أكرم من الانهزام أمام خطوات السوء ودسائس الشيطان، والهزيمة هذه هي عين الانتصار ولا جدال: {وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراماً} [الفرقان: 72].
وليس أحد عاجزاً عن الشر ولكن الموفقين للخير قليل ما هم، فاجتهدوا أن تكونوا منهم، والله نسأل أن يلهمنا رشدنا، وأن يؤلف بين قلوبنا، وأن يجمعنا على الخير ولا يكلنا إلى أنفسنا، إنه نعم المولى ونعم النصير