في يوم الإثنين 16 سبتمبر سنة 1927، وبعد تخرجه من دار العلوم، ودع حسن البنا أصدقاءه الأوفياء الذين اجتمعوا عنده قبيل سفره إلى الإسماعيلية، حيث مقر العمل الذي ألحقته به وزارة المعارف..
وينزل الوافد الجديد إلى الإسماعيلية ليتسلم عمله بمدرستها الابتدائية..
فكيف كانت أيامه الأولى بهذه المدينة؟.. يقول في مذكراته أنه قضاها بين المسجد والمدرسة والمنزل، لا يحاول أن يختلط بأحد ولا أن يتعرف إلى غير بيئته الخاصة من زملائه في وقت العمل. أما وقت فراغه فهو مكب فيه على رياضة، أو دراسة لهذا الوطن الجديد، من حيث أهله، ومناظره وخصائصه، أو مطالعة أو تلاوة، لا يزيد على ذلك شيئاً مدى أربعين يوماً كاملة، ولم تزايله لحظة من اللحظات كلمة الصديق المودع:
"إن الرجل الصالح يترك أثراً صالحاً في كل مكان ينزل فيه، وإنا لنرجو أن يترك صديقنا أثراً صالحاً في هذا البلد الجديد عليه".
وفي المسجد استطاع حسن البنا أن يعرف كثيراً من أحوال الإسماعيلية الدينية وظروفها الاجتماعية.
وقد عرف فيما عرف أن هذه المدينة المحاصرة بمعسكرات قوات الاستعمار البريطاني من ناحيتها الغربية، ومستعمرة إدارة شركة قناة السويس من ناحيتها الشرقية، يمزق أهلها الطيبين الخلاف الديني والتحيز لآراء وأفكار لا تجتمع عليها القلوب، ولا تنبني معها الوحدة المنشودة التي لا تتحقق بدونها غاية..
فكيف كان موقف الأستاذ البنا من هذه الحالة المؤسفة، وكيف واجهها؟
· إلى القهاوي مرة ثانية:
أخذ المدرس الجديد "حسن البنا" يفكر فيما يصنع، وكيف يواجه هذا الانقسام، وهو يرى أن كل متكلم في الإسلام، يواجهه كل فريق بفكره، ويريد أن يضمه إلى جانبه، أو أن يعلم على الأقل، أهو من حزبه أو من أعاديه، وهو يريد أن يخاطب الجميع، وأن يتصل بالجميع، وأن يلم شتات الجميع؟!
فكر طويلاً – أي حسن البنا – في ذلك، ثم قرر أن يعتزل هذه الفرق كلها، وأن يبتعد ما استطاع عن الحديث إلى الناس في المساجد، فالمسجد وجمهور المسجد هم الذين مازلوا يذكرون موضوعات الخلاف، ويثيرونها عند كل مناسبة، إذن فليترك هذا النزيل المسجد وأهله، وليفكر في سبيل أخرى يتصل بها بالناس، ولم لا يتحدث إلى جمهور "القهوة" في "القهوة"؟
ساورته هذه الفكرة حينا، ثم اختمرت في رأسه، وبدأ ينفذها فعلاً، واختار لذلك ثلاث "مقاه" كبيرة، تجمع فئات من الناس ورتب في كل منها درسين في الأسبوع، وأخذ يزاول التدريس بانتظام في هذه الأماكن. وقد بدأ هذا اللون من ألوان الوعظ والتدريس الديني غريباً في نظر الناس أولاً، ثم ما لبثوا أن ألفوه وأقبلوا عليه.
كان "المدرس حسن البنا" دقيقاً في أسلوبه الفريد الجديد، فهو يتحرى الموضوع الذي يتحدث فيه جيداً بحيث لا يتعدى أن يكون وعظاً عاما: تذكيراً بالله واليوم الآخر، وترغيباً وترهيباً، فلا يعرض لتجريح أو تعريض، ولا يتناول المنكرات والآثام التي يعكف عليها هؤلاء الجالسون بلوم أو تعنيف، ولكن يقنع بأن يدع شيئاً من التأثير في هذه النفوس وكفى.
وهو كذلك يتحرى الأسلوب فيجعله سهلاً جذاباً مشوقاً، خليطاً بين العامية أحياناً، ويمزجه بالمحسات والأمثال والحكايات، ويحاول أن يجعله خطابياً مؤثراً في كثير من الأحيان، وهكذا يتحايل دائماً على جذب هذه النفوس، باعثاً الرغبة والشوق إلى ما يقول، وهو بعد هذا لا يطيل حتى لا يمل، ولكنه لا يزيد في الدرس على عشر دقائق، فإذا أطال فربع ساعة، مع الحرص التام على أن يوفى في هذا الوقت معنى خاصاً، يقصد إليه، ويتركه وافياً واضحاً في نفوس السامعين، وهو حين يعرض – فيما يعرض – لآية أو حديث يتخير تخيراً مناسباً، ثم يقرأ قراءة خاشعة، ثم يتجنب التفاسير الاصطلاحية، والتعليقات الفنية، ويكتفي بالمعنى الإجمالي يوضحه، والاستشهاد المقصود يشرحه.
كان لهذا المسلك أثر في الجمهور الإسماعيلي، وأخذ الناس يتحدثون ويتساءلون، وأقبلوا إلى هذه المقاهي ينتظرون، وعمل هذا الوعظ عمله في نفوس المستمعين، وبخاصة المواظبون منهم، فأخذوا يفيقون ويفكرون، ثم تدرجوا من ذلك إلى سؤاله عما يجب أن يفعلوا ليقوموا بحق الله عليهم وليؤدوا واجبهم نحو دينهم وأمتهم، وليضمنوا النجاة من العذاب، والفوز بالنعيم، وابتدأ هو يجيبهم إجابات غير قاطعة جذباً لانتباههم واسترعاء لقلوبهم، وانتظاراً للفرصة السانحة، وتهيئة للنفوس الجامحة.
· تعليم عملي:
وتوالت الأسئلة على المدرس "حسن البنا" من هذه القلوب المؤمنة الطيبة، ولم يشف غليلها هذا الجواب المقتضب، وألح نفر من الإخوان، في وجوب رسم الطريق التي يجب أن يسلكوها، ليكونوا مسلمين ينطبق عليهم بحق وصف الإسلام، فهم يريدون أن يتعلموا أحكام الإسلام بعد أن تحرك وجدانهم بشعور أهل الإسلام، فيشير عليهم المدرس باختيار مكان خاص يجتمعون فيه بعد دروس المقهى أو قبلها ليتدارسوا هذه الأحكام، ويقع اختيارهم على زاوية نائية في حاجة إلى شيء من الترميم والتصليح للاجتماع ولإقامة الشعائر.
يالله.. ما أطيب قلوب هذا الشعب، وما أعظم مبادرته إلى الخير، حتى وجد الداعية المخلص البريء، لقد أسرع هؤلاء الإخوان، وفيهم أهل المهن المعمارية المختلفة إلى الزاوية يرممونها، ويستكملون أدواتها، ويهيئونها لما يريدون، وفي ليلتين اثنتين استطاعوا أداء المهمة على أكمل وجوهها، وانعقد بالزاوية أول اجتماع.
كان المجتمعون حديثي عهد بالتعبد، أو بعبارة أدق كان معظمهم كذلك، فسلك بهم "المدرس حسن البنا" مسلكاً عملياً بحتاً. إن لم يعمد إلى العبارات يلقيها، أو الأحكام المجردة يرددها ولكن أخذهم إلى "الحنفيات" توا، وصفهم وصفاً ووقف فيهم موقف المرشد إلى الأعمال عملاً عملاً، حتى أتموا وضوءهم، ثم دعا غيرهم، ثم غيرهم، وهكذا أصبح الجميع يتقنون الوضوء عملاً، ثم أفاض معهم في فضائل الوضوء الروحية والبدنية والدنيوية، وشوقهم بما ورد في مثوبته من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من مثل قوله عليه الصلاة والسلام: "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره" وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين، يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة" يثير ذلك شوقهم ويرغبهم فيما ندبهم الله له.
ثم ينتقل بهم بعد ذلك إلى الصلاة شارحاً أعمالها، مطالباً إياهم بأدائها عملياً أمامه، ذاكراً ما ورد في فضلها، مخوفاً من تركها، وهو في أثناء ذلك كله يستظهر معهم الفاتحة، واحداً واحداً، ويصحح لهم ما يحفظون من قصار السور، سورة سورة، مقتصراً في حديثه إياهم على الكيفيات المشربة بالترغيب والترهيب، لا يحاول أن يفرع المسائل، أو يلجأ إلى المصطلحات الغامضة، حتى رقت للأحكام قلوبهم ووضحت في أذهانهم، ولم تعد هذه الناحية الفقهية البحتة تبدو خشنة جافة.
· عقيدة الفطرة:
ثم هو في أثناء ذلك كله، وخلال كل مجلس من مجالسه، يطرق باب العقيدة الصحيحة فينميها ويقويها ويثبتها بما يورد من آيات الكتاب الحكيم، وأحاديث الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، وسير الصالحين، ومسالك المؤمنين الموقنين.
ولا يعمد كذلك إلى نظريات فلسفية، أو أقيسة منطقية، وإنما يلفت الأنظار إلى عظمة البارئ في كونه، وإلى جلال صفاته بالنظر في مخلوقاته، ويذكر بالآخرة في أسلوب وعظي تذكيري لا يعدو جلال القرآن الكريم في هذه المعاني كلها، ثم لا يحاول هدم عقيدة فاسدة إلا بعد بناء عقيدة صالحة، وما أسهل الهدم بعد البناء وأشقه قبل ذلك، وهي نظرة دقيقة، وما أكثر ما تغيب عن إدراك المصلحين الواعظين.
· في زاوية الحاج مصطفى بالعراقية:
.. كانت هذه الزاوية هي الزاوية التي بناها الحاج مصطفى تقربا إلى الله تعالى، وفيها اجتمع هذا النفر من طلاب العلم يتدارسون آيات الله والحكمة في أخوة وصفاء تام.
ولم يمض وقت طويل حتى ذاع نبأ هذا الدرس، الذي كان يستغرق ما بين المغرب والعشاء، وبعده يخرج إلى درس القهاوي حتى قصد إليه كثير من الناس ومنهم هواة الخلاف وأحلاس الجدل وبقايا الفتنة الأولى.
وفي إحدى الليالي شعرت بروح غريبة، روح تحفز وفرقة، ورأيت المستمعين قد تميز بعضهم من بعض، حتى في الأماكن، ولم أكد أبدأ حتى فوجئت بسؤال: ما رأى الأستاذ من مسألة التوسل؟
فقلت له: "يا أخي أظنك لا تريد أن تسألني عن هذه المسألة وحدها، ولكنك تريد أن تسألني كذلك في الصلاة والسلام بعد الأذان، وفي قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، وفي لفظ السيادة للرسول صلى الله عليه وسلم في التشهد، وفي أبوي النبي صلى الله عليه وسلم، وأين مقرهما، وفي قراءة القرآن وهل يصل ثوابها إلى الميت أو لا يصل، وفي هذه الحلقات التي يقيمها أهل الطرق وهل هي معصية أو قربة إلى الله؟ وأخذت أسرد له مسائل الخلاف جميعا التي كانت مثار فتنة سابقة وخلاف شديد فيما بينهم.
فاستغرب الرجل، وقال: نعم أريد الجواب عن هذا كله؟
فقلت له: يا أخي إني لست بعالم، ولكني رجل مدرس مدني أحفظ بعض الآيات، وبعض الأحاديث النبوية الشريفة، وبعض الأحكام الدينية من المطالعة في الكتب، وأتطوع بتدريسها للناس، فإذا خرجت بي عن هذا النطاق فقد أحرجتني، ومن قال لا أدري فقد أفتى، فإذا أعجبك ما أقول، ورأيت فيه خيراً، فاسمع مشكوراً، وإذا أردت التوسع في المعرفة فسل غيري من العلماء والفضلاء المختصين، فهم يستطيعون إفتاءك فيما تريد، وأما أنا فهذا مبلغ علمي ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فأخذ الرجل بهذا القول ولم يجد جواباً وأخذت عليه، بهذا الأسلوب، سبيل الاسترسال، وارتاح الحاضرون أو معظمهم إلى هذا التخلص، ولكني لم أرد أن تضيع الفرصة فالتفت إليهم وقلت لهم: "يا إخواني أنا أعلم تماماً أن هذا الأخ السائل، وأن الكثير من حضراتكم، ما كان يريد من وراء هذا السؤال إلا أن يعرف هذا السؤال إلا أن يعرف هذا المدرس الجديد من أي حزب هو؟ أمن حزب الشيخ موسى أو من حزب الشيخ عبد السميع! وهذه المعرفة لا تفيدكم شيئاً، وقد قضيتم في جو الفتنة ثماني سنوات وفيها الكفاية. وهذه المسائل اختلف فيها المسلمون مئات السنين ولا زالوا مختلفين، والله تبارك وتعالى يرضى منا بالحب والوحدة ويكره منا الخلاف والفرقة، فأرجو أن تعاهدوا الله أن تدعوا هذه الأمور الآن وتجتهدوا في أن نتعلم أصول الدين وقواعده، ونعمل بأخلاقه وفضائله العامة وإرشاداته المجمع عليها، ونؤدي الفرائض والسنن وندع التكلف والتعمق حتى تصفو النفوس ويكون غرضنا جميعاً معرفة الحق لا مجرد الانتصار للرأي، وحينئذ نتدارس هذه الشئون كلها معاً في ظل الحب والثقة والوحدة والإخلاص، وأرجو أن تتقبلوا مني هذا الرأي ويكون عهداً فيما بيننا على ذلك". وقد كان، ولم نخرج من الدرس إلا ونحن متعاهدون على أن تكون وجهتنا التعاون وخدمة الإسلام الحنيف، والعمل له يداً واحدة، وطرح معاني الخلاف، واحتفاظ كل برأيه فيها حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
واستمر درس الزاوية بعد ذلك بعيداً عن الجو الخلافي فعلاً بتوفيق الله، وتخيرت بعد ذلك في كل موضوع معنى من معاني الأخوة بين المؤمنين أجعله موضوع الحديث أولاً تثبيتاً لحق الإخاء في النفوس، كما أختار معنى من معاني الخلافيات، التي لم تكن محل جدل بينهم والتي هي موضوع احترام الجميع وتقدير الجميع، أطرقه وأتخذ منه مثلاً لتسامح السلف الصالح رضوان الله عليه، ولوجوب التسامح واحترام الآراء الخلافية فيما بيننا.
وأذكر أنني ضربت لهم مثلاً عملياً فقلت لهم: أيكم حنفي المذهب؟ فجاءني أحدهم، فقلت: وأيكم شافعي المذهب؟ فتقدم آخر، فقلت لهم: سأصلي إماماً بهذين الأخوين، فكيف تصنع في قراءة الفاتحة أيها الحنفي؟ فقال: أسكت ولا أقرأ، فقلت: وأنت أيها الشافعي ما تصنع؟ فقال: أقرأ ولابد. فقلت: وإذا انتهينا من الصلاة فما رأيك أيها الشافعي في صلاة أخيك الحنفي؟ فقال: باطلة، لأنه لم يقرأ الفاتحة وهي ركن من أركان الصلاة. فقلت: وما رأيك أنت أيها الحنفي في عمل أخيك الشافعي؟ فقال: لقد أتى بمكروه تحريماً، فإن قراءة الفاتحة للمأموم مكروهة تحريماً. فقلت: هل ينكر أحدكما على الآخر؟ فقالا: لا. فقلت للمجتمعين: هل تنكرون على أحدهما؟ فقالوا: لا. فقلت: "يا سبحان الله! يسعكم السكوت في مثل هذا، وهو أمر بطلان الصلاة أو صحتها، ولا يسعكم أن تتسامحوا في المصلى إذا قال في التشهد اللهم صلي على محمد أو اللهم صلي على سيدنا محمد، وتجعلوا من ذلك خلافاً تقوم له الدنيا وتقعد".
وكان لهذا الأسلوب أثره، فأخذوا يعيدون النظر في موقف بعضهم من بعض، علموا أن دين الله أوسع وأيسر من أن يتحكم فيه عقل فرد أو جماعة، وإنما مرد كل شيء إلى الله ورسوله وجماعة المسلمين وإمامهم إن كان لهم جماعة وإماماً!!.
· خلاف حول الأذان:
كانت بعض المساجد في مصر تلتزم بالصيغة الشرعية للأذان، وكان بعضها لا يلتزم بها فكان المؤذنون بها يتغنون به ويختمونه بعبارات زائدة وبطريقة مستهجنة..
فترتب على ذلك خلافات بين المصلين في هذه المساجد، حتى انتهى الأمر إلى القطعية واستقلت كل جماعة بمساجدها وامتنعت عن الصلاة في المساجد الأخرى.
وتحرك الإمام البنا للإصلاح بينهم، فجمعهم في جلسة، وبعد افتتاحية طيبة تستجيش القلوب والأرواح..
قال: بودي أن أسألكم جميعاً، هل الأذان الذي تختلفون عليه سنة أم فرض؟
قالوا: بل الأذان سنة.
قال: وهل الحب والأخوة والوحدة، كما قال الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] سنة أم فرض.
قالوا: بل فرض.
قال: فكيف نضيع الفرض في سبيل خلافات على السنة، أعتقد – في سبيل وحدة القلوب ووحدة المسلمين – لو تركنا الأذان وأبقينا على الحب والوحدة يكون هذا أولى.
.. وانصرف الجميع على أن يقبل كل منهم وضع أخيه في سبيل الوحدة الإسلامية.