الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية
المؤلف: عباس السيسي
التصنيف: سياسي
 

حسن البنا.. وحرارة العاطفة ورقة الشعور

في العيد- نقاتل أعداءنا بالحب - ترحيب بمسيحي..

·              في العيد...

بعد أن أدى الأستاذ المرشد صلاة العيد توجه إلى دار المركز العام القديم بالحلمية الجديدة، وتوافد الإخوان لتهنئة فضيلته بالعيد، وجلست في زاوية من الحجرة الفسيحة أرقبه.. فكان – رحمه الله – يستقبل كل أخ مسلّöماً عليه باسمه أو بكنيته بحرارة وابتسامة مشرقة، ثم يشير إليه ليجلس، ثم يتابعه بالسؤال عن صحته والاستفسار عن أحواله الشخصية التي كان يعرف الكثير منها حيث كان موضع ثقة الإخوان ومشورتهم. ودخل عليه أحد الإخوان فسلم عليه وهنأه بالعيد ثم قال له: لعل الأمر قد انتهى بخير والأخ الطيب قد وفقه الله، فقال الأخ: ببركة دعواتكم يا فضيلة المرشد.. وكانت هذه الكلمات مدعاة ليسأل بعض الإخوة أخاهم هذا عن الموضوع وهي مشاركة أخوية واجبة تفرضها آداب الإسلام وأخلاقه، فتبسم قائلاً: الموضوع أن فضيلة المرشد كان عندنا يف البلد وكانت عندي جاموسة متعسرة في الولادة، فلما علم بذلك نصحني بإحضار طبيب لإنقاذها.

وتحدث أحد الإخوة من الحاضرين فطلب من الأستاذ المرشد أن يتصل بوزير الأوقاف لمساعدته في بناء مسجد بالبلد.. فرد عليه فضيلته: طبعاً يستحسن أن نتصل به أولاً والآن لتهنئته بالعيد وبعد العيد نتحدث معه في هذا الموضوع.

ثم دخل بعد ذلك أحد الإخوة ومعه طفلان، فاستقبله الأستاذ المرشد أحسن استقبال ثم قبل الطفلين وأجلس كل طفل منهما عن ناحية بجواره ودق الجرس، فحضر الأستاذ أنس الحجاجي فهمس في أذنه بكلمات وانصرف ثم عاد بعد قليل ومعه قطعتان من الشيكولاته فأعطى الأستاذ المرشد كل طفل منهما واحدة.

وبعد فترة ضاقت الحجرة بالإخوان الذين حضروا للتهنئة فنزلوا إلى فناء المركز العام ولحق بنا الأستاذ المرشد وشاركنا الحديث وأجاب عن بعض الأسئلة.. وبينما نحن كذلك إذا بعزيز باشا المصري يدخل علينا ويحيينا ويهنئنا بالعيد ثم يصعد إلى الدور العلوي، وظل الأستاذ على حاله معنا يبادلنا أطراف الحديث، وبعد قليل جاء الإستاذ أنس يخبر فضيلته برغبة عزيز باشا في مقابلته، فاستأذن فضيلته قائلاً: هل تسمحون لي؟

وبعد المقابلة التي لم تظل كثيراً عاد إلينا واستأنف حديثه معنا.. وبعد صلاة الظهر انصرفنا وعاد فضيلته إلى منزله في أمان الله.

... وهكذا كان الإمام الشهيد يعيش بين الإخوان بكل حواسه ومشاعره وكله حركة وحياة ويقظة.

·              دموع..

كتب أحد الإخوان يصف رقة قلب الإمام وحساسيته الشديدة وعواطفه الجياشة، يقول:

.. دخلت عليه، فقابلني بالبشر والترحاب، وقال: ستسافر بمشيئة الله يوم الثلاثاء للسودان..

فقلت على الفور: أمر مطاع يا فضيلة الأستاذ.. وأردت أن أنصرف، ثم التفت إليه فجأة وقلت: ولكن يا فضيلة الأستاذ؟!

قال رحمه الله: ولكن ماذا؟

قلت: إن لي مشاكل كثيرة وشكاوى وفيرة، أود أن أتحدث إليكم فيها بعضها عام وبعضها خاص.

فقال: هوّöن عليك، وكل أمرك إلى الله...

قلت: ولكني أود أن تعرف...

فقال: إنني أعرف...

قلت: إذن أنا أسعد ما أكون، ما دمت تعرف..

ولكنه استبقاني، وأخذ يتحدث عن مشاكلي وشكاواي يتحدث هو بنفسه لنفسه.. عجبت والله كل العجب، لأنه أحاط بدقائق نفسي ودخائل حسي، بل إن هناك مسائل كانت في باطن الشعور، هو الذي ذكرني بها.. وما إن انتهى من حديثه حتى قلت: والله يا فضيلة الأستاذ، إني سعيد كل السعادة ولا أشكو من شيء أبداً.. قلت ذلك وصوتي متهدج ودموعي منهمرة وأحاسيسي متدفقة، ثم هجمت عليه، وكان واقفاً ولا شيء على رأسه.. هجمت عليه واحتضنته بين ذراعي في شدة وعنف وأخذت أقبل رأسه.. واستمر هذا الموقف فترة من الزمن، وهو صامت مستسلم، ولم أتركه إلا حين دخل علينا الأخ الأستاذ سعد الوليلي، وإذا بالأستاذ يبكي لبكائي وعيناه مليئتان بالدموع.

وكثيراً ما كان هذا الباطل القوي يبكي بدموع غزار، وإني لأذكر في ذلك اليوم أن تسلم وهو بدار "الشهاب" برقية من والد أحد الشهداء في فلسطين، رداً على برقية من فضيلة الأستاذ له، وكانت برقية والد الشهيد برقية مؤثرة فيها تضحية وفدائية واستبسال.. بكى الأستاذ كثيراً، وبكى الحاضرون، وكانت لحظات من الحساسية المرهفة والشعور العميق!! وهذه لمحة خاطفة على كل حال للذكرى والتبصرة..

ومع قصة دموع هذا القائد العظيم يروي أحد الإخوان هذا المشهد، فيقول:

عرضت على فضيلة المرشد ذات يوم خطاباً من أحد الإخوان، وكان بين عدة خطابات وأوراق قدمتها إليه، وغفلت لحظة أنظر إلى من بالغرفة، وإذا بي أرى دمعات كبيرة تتساقط على الخطاب.. ودهشت، لقد كنت قرأت الخطاب قبل ذلك، ولكنه لم يثر في نفسي ما أثاره في نفس هذا الرجل الكبير...!؟

كنت أعرف أن المرسل بعث بمبلغ أربعة جنيهات للجماعة، فماذا في هذا من عجب، في الوقت الذي كانت هناك مئات الجنيهات تتقاطر علينا!!

... ولكنه هو – القائد – قد أثاره ما لم يثرني.

كتب الأخ صاحب الرسالة يقول: اكتتب كثيرون في أسهم جريدة "الإخوان"، ثم تنازلوا عنها عندما ناديت فضيلتكم بأن يتنازلوا عنها.. ولما كنت راغباً في أن أشارك في هذه التضحية، ولم يكن لي شرف المساهمة لضيق ذات يدي، فقد أرسلت لكم نصف مرتبي الشهري وهو قيمة ثمن سهم أتنازل عنه.

وقال الإمام الشهيد معلقاً: بمثل هؤلاء وبهذه النقود القليلة تنتصر الدعوة.

***

ومع قصة دموع هذا القائد نمضي لنسمع ما يرويه آخ آخر... يقول:

في أوائل 1937 م بدأ تقسيم الإخوان إلى عشرات نتيجة لشدة إقبال الشباب على الدعوة.. وكان المركز العام قد انتقل إلى عمارة الأوقاف بميدان العتبة الخضراء..

وجاء الإمام الشهيد وبايعنا على العمل بعد أن حدثنا عن أعباء الدعوة وتبعاتها الثقيلة التي تخلى عنها الناس وحملها الإخوان... وانتهى الإمام من أخذ البيعة منا، ثم رفع رأسه إلى السماء ورأيت الدموع في عينيه وكان لها – ولا يزال – في نفسي أثر هزها من أعماقها..

لقد كانت صورة القادة في ذهني هي صور زعمائنا السياسيين في ضجيجهم ومظاهرهم.. ولكني الآن أرى طرازاً عجيباً من القادة، لقد كان أمر هذا القائد في نفسي غريباً.. نفس كبيرة، وقلب رقيق وشعور مرهف، وسألت نفسي يومئذ: لماذا يبكي هذا الرجل؟!

ولا زلت رغم مضي السنين وتعاقب الأحداث أذكر حجرة في المركز العام ونحن جلوس متقابلون ووسطنا فضيلة المرشد وصوته يسري في سكون الليل يأخذ بيعة الطلاب على العمل من أجل الدعوة.

ولا زلت أتمثله وقد رفع رأسه وذرفت عيناه.. وهناك في الحياة دموع كثيرة ترسلها الأعين لأغراض شتى أسماها الباكية من خشية الله.. هذه الأعين لا ترسل دمعها إلى الأرض وإنما هي دموع تتلقاها القلوب فيكون منها امتداد لشجرات الإيمان..

·              لا تميز...

.. وجاءنا الأستاذ المرشد في زيارة بالإسكندرية في إحدى ليالي شهر رمضان المبارك، وكان معه وفد من إخوان السودان، وبعد أن حضروا مؤتمراً شعبياً في حي باكوس، عاد الأستاذ إلى دار المكتب الإداري قبيل منتصف الليل، وأوصاني أن أوقظه قبيل الفجر لتناول السحور ولم ينم إلا بعد فترة طويلة قضاها في حجرته يصلي القيام.

وحضرت مجموعة من الإخوان لتصلي مع فضيلته الفجر وتتناول معه السحور، وأحضرت له طعاماً فاخراً، فلما اجتمع الإخوان على الطعام، قال لي: هل كل الإخوان سيأكلون مثل طعامي هذا؟ فقلت له: كل واحد حضر ومعه طعامه، فقال: سآكل من طعامهم، ورفض الطعام الفاخر فوزعناه على الإخوان.

ولما دخلنا مسجد الدار وجد الأحذية خارج المصلى بدون تنظيم، فقال مداعباً: ألستم في أُسر؟ قلنا: بلى، فقال: فلماذا لم تجعلوا أحذيتكم على شكل أُسر؟

وبعد الصلاة تلونا المأثورات، وعند شروق الشمس حضر الأستاذ المستشار منير دله رحمه الله بسيارته، فقد كان على موعد مع فضيلته للعودة إلى القاهرة، وعند باب المنزل وقبل أن يركب السيارة سألني عن بواب العمارة، فقلت: إنه نائم، فأعطاني له صدقة وأوصاني أن أبلغه السلام..

·              حديث الثلاثاء...

كان حديث الثلاثاء أو كما كان يحلو لفضيلة المرشد "عاطفة الثلاثاء".. وكان هذا الحديث عجباً من العجب الذي أحاط بهذا الرجل.

من جميع أنحاء القاهرة، يتجمع يوم الثلاثاء من كل أسبوع بالمركز العام الإخوان وغير الإخوان، ويقف الرجل في لباسه الأبيض الشفاف والعباءة البيضاء والوجه الوضاء واللحية المرسلة، يتحدث في موضوع يختاره لا على سبيل المحاضرة، ولكن على سبيل الحديث المرسل..

كان هذا الحديث عجباً.. كان كل أخ له مشكلة أو مسألة أو قضية يذهب إلى هذا اللقاء المبارك ليعود إلى بيته وقد حلت مشكلته.

في هذا اللقاء الأسبوعي، كان التكافل الإسلامي يتحول عند الإمام البنا إلى عملية "تآخ" فعال.. وهي عملية جوهرية بها يصبح الإنسان "أخاً مسلماً" بتأثير الآية القرآنية حيث كانت تصدر من هذا القائد بنفس الشروط النفسية التي كانت في عمل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام من قبل.. هذه العملية كانت من نبع الحق وفيضه، وهو السر الذي أشرق في مجتمع مكة الممزق، فآخى بين بلال "العبد" وأبي بكر "السيد" وجعلهما أخوين لا يحول بين روحيهما وحبهما في الله حائل.

ونسوق فيما يلي جزءاً من حديث لفضيلته في هذا اللقاء الروحي العظيم، حيث يؤكد فيه على رابطة القلوب بين المسلمين.. يقول:

(قلت لكم دائماً وأكرر هذا القول ليثبت في الأذهان أنهما نعمتان لا تشتريان بمال ولا تنالان بحيلة أو مجهود ولكنهما منحة من الله لعبادة يقذفهما في قلب من يشاء منهم.. هاتان النعمتان هما (الإيمان والحب)...

أكرر لكم هذا المعنى.. أردت أن أذكركم بهذه الحقيقة، حقيقة الإخاء الذي يجمعنا على الإيمان بعقيدة المناداة بكتاب الله كنظام أساسي للحكم ولصلاح العالم.. وما يستتبعه هذا الإخاء من شعور الحب نحو المجتمعين على هذه الغاية السامية الكريمة المرتبطين بها.

هذه الحقيقة يجب أن نؤمن بها ونذيعها في الناس ونطبقها على أنفسنا أولا كإخوان مسلمين فلا نشعر نحو مسلم إلا بالحب والإخاء، ولا نفتح باب الشر بالخصومة والفرقة والانقسام، والنتيجة من هذا كله أن كل مسلم أخ لنا، لأننا جميعاً إخوة نعمل في الميدان الإسلامي العام، وإذا لم يرع الناس هذا فسنرعاه نحن من جانبنا، لأننا مقيدون بما نقول وبما ندعو إليه الناس، إننا دعاة مبادئ فلنتمسك بها، ولا أقبل منكم أيها الإخوان تهاوناً أو تفريطاً في هذا المبدأ. فزنوا صلاتكم (وعلاقاتكم) بهذا الميزان، ولا يستخفنكم الغضب للنفس، واقبلوا النصيحة من المسلم، ما كان حقاً فخذوه وإلا فاستمسكوا بمبدئكم، إن أعداءنا وخصومنا هم الكافرون الذين ينشرون الأباطيل بيننا، ويغيرون على أوطاننا وحرياتنا ويضمرون الشر لنا ويريدون أن يتفرق المسلمون وينقسموا (ولا تقوم لهم وحدة وكيان).

فإذا عرفتم هذا فاعلموا أن هؤلاء الذين يتحدونكم لعلهم يقولون ما يقولون فيكم بدافع الغيرة والحرص على سلامة الدين وسلامة المجتمع الإسلامي من وجهة نظرهم.

قد يكون أسلوبهم هذا خاطئاً، وفكرتهم فيها غلو وشطط ولكن الدفاع كريم والمقصد حسن، فإذا تحققتم من براءة النية فتقبلوا النصح أو ناقشوه.. وقد يكون الخلاف في الوسيلة، فهم يمسكون الحبل مع أحد طرفيه مثلا بينما غيرهم يرى رأس الحكمة في أن يمسك الحبل من الوسط حتى لا يميد في يده، ولكن مع هذا فتعرفوا المقصد، فإن كان خيراً فلا تتهموه وتفاهموا مع صاحب الرأي في رأيه، فإذا لم يقتنع فقولوا له – ما دام صادق النية محباً للخير - : إن الحكم بيننا وبينك في الفصل في هذا الخلاف هو (إمام).. فتعال (للإمام – يفصل بيننا - ).. وليس للمسلمين الآن (إمام)، فتعال ننسى كل شيء الآن، ونعطل كل شيء أمام القضية الكبرى. قضية تحرير الأرض الإسلامية، فلنجعل هذه غايتنا الأولى، حتى نستطيع أن تأتم بحكم الله ونفصل في هذه الخلافات، فبدون هذه الحكومة الإسلامية التي تحمي شرع الله، فلا نظام للمسلمين ولا أحكام!

·              أدب..

كان من أدب الإخوان بالقاهرة إذا أراد أحدهم أن يسافر إلى بلدته استأذن في ذلك من الأستاذ المرشد رحمه الله، فضلاً عن أنه إذا كانت هناك رسالة أو مهمة كلفه بها.

وذات يوم حضر الأخ الحاج عبد الرزاق هويدي يستأذن في السفر إلى بلدته، فلما سأله فضيلة المرشد عن سفره المفاجئ أخبره أن جده مريض ويريد أن يعوده، فدعا له فضيلته وطلب من الحاج عبد الرزاق أن يبلغ جده خالص تمنياته له بالشفاء.

وفي اليوم التالي فوجئت عائلة هويدي بالأستاذ المرشد يحضر لزيارة جدهم الكبير، وكانت مفاجأة أثارت اهتمام العائلة جميعاً فأسرعت ترحب بمقدمه، وشباب عائلة هويدي لهم ميول سياسية متباينة فمنهم الوفدي ومنهم السعدي، وحول سرير الجد الكبير دارت بعض الأحاديث الخفيفة، وتكلم الجد بكلمات ترحيب وشكر للأستاذ المرشد، ونوه بفضل الإخوان في أنهم جعلوا الحاج عبد الرزاق شخصية إسلامية مؤمنة.. ورد الأستاذ المرشد، فقال له إنه لأفضل للإخوان في ذلك، فالإخوان والحمد لله يرزقون من كل عائلة كريمة بمن يمثلهم في هذه العائلة.

ونزلت هذه الكلمات الرقيقة الواعية على قلوب الجميع برداً وسلاماً، وتذوقوا فيها قيمة الدعوة والداعية.

وأذكر يوم توفى إلى رحمة الله والد أحد الإخوان الفضلاء في أسيوط.. وكان هذا الأخ على خلاف مع الإخوان منذ سنين ولم يحاول الاتصال بهم.

وبمجرد أن علم فضيلة المرشد بهذا انتقل بسرعة من القاهرة إلى بلدة هذا الأخ ناسياً كل خلاف.

وحين وصل فضيلته استقبل هناك أحسن استقبال، وحين جاء وقت صلاة العصر توجهت جموع المعزين إلى المسجد، وبعد أداء الصلاة طلب المصلون من فضيلة المرشد أن يلقي عليهم موعظة فوقف فضيلته وشكرهم وقال: لقد أتيت معزياً ولم آت داعياً..

وكانت هذه الكلمات المخلصة الكبيرة المعنى أعظم دعوة[1]. وعاد الأخ إلى صفوف الإخوان راضياً مرضياً وزالت الجفوة.

·              نقاتل أعداءنا بالحب..

لعل مما يزعجنا الآن أن نلحظ أن بعض المتصدرين للدعوة للإسلام عصبيون لم يهضموا بعد أدب الاختلاف، ويضيقون صدراً بالرأي المخالف مسبغين عليه التقريع بل السباب بل التكفير أحياناً في غير كفر – والعياذ بالله – وأضرب مثلاً مقابلاً حين جاء إلى الأستاذ "البنا" أحد زملائه خريجي دار العلوم هو الأستاذ "س. سعد"، وهو من أورع الناس وأتقاهم ولكنه غضب كل الغضب لأن الإخوان قد أنشأت فرقاً للجوالة والكشافة (تلبس البنطلون القصير).. قال الأستاذ "س. سعد": "يا حسن افندي، فأجاب: "نعم سيدي"، قال: "إني أكرهك"، فابتسم حسن البنا وقال في هدوء وبشاشة: "وإني والله أحبك"، فقال الرجل: "ولكني أكرهك في الله"، وبالبشاشة نفسها والهدوء أجاب حسن مخلصاً: "هذا يزيدني حبا فيك"، ولم يكن ذلك مصانعة وإنما كان الرجل يقتات على المحبة.. وكان من الاصطلاحات الشائعة جداً على ألسنة أتباعة "المهم: الحب في الله".. وكان يردد في دروسه (سنقاتل الناس بالحب) بل كانت البيعة التي صاغها لهم أن يعاهدوا الله على "الاستقامة، والمحبة، والثبات على الدعوة"، كان يرى تعدد الآراء إثراء لأي مجتمع، وكان يضرب المثل بكبار الصحابة من حول الرسول صلى الله عليه وسلم، يكون لأبي بكر رأي ولعمر رأي ولعلي رأي دون أن يؤدي الاختلاف إلى تلك الحالقة التي تحلق الدين الا الشعر، ومن تعاليم الأستاذ "البنا" التي طالما رددها بلا ملل قولته المشهورة التي لا تزال حية إلى اليوم: "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه"، ولا نزال إلى الآن أفرادا وجماعات ودولا في حاجة لهذا الهدى، وكان في الأربعينيات عضوا ناشطا في جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية من سنة وشيعة، مؤمناً بأن الأرضية الإسلامية المشتركة تتسع بل تحتاج لتضافر الجهود كلها ويبقى كل على معتقده، وها نحن هؤلاء اليوم نكاد نعيش حالة أشبه بانشطار الذرة، نفترق على الفروع قبل أن نلتقي على الأصول، وتصرفنا مسائل المظاهر والكماليات عن التنبيه لخطط تدبر لاستئصال شأفة الإسلام من الأرض لم يعد أمرها سراً ولا إشاعة، ونلتقط في شغف ونهم هذه الطعوم التي تلقي بها في طريقنا أجهزة مخابرات دائبة على تشجيع كل جهد مقروء أو مسموع مخلص أو غير مخلص يكون من ورائه أن يظل بأس المسلمين بينهم وألا يكونوا يداً على من عداهم[2].

·              صراخ الأطفال..

في محنة الإخوان في نهاية 1948 م، وفي الفترة التي قضاها قبل استشهاده في فبراير 1949 م.. كان هدف الإمام هو إخراج المعتقلين، فتركزت كل جهوده ومساعيه حول تحقيق هذا الهدف، لقد بلغت المأساة في ضميره ذروتها.. مأساة البيوت التي فقدت من يعولها وفقدت الأمن والسعادة والطمأنينة.. لن يستريح باله ولن تقر نفسه المعذبة ولن يهدأ قلبه الأسيف الحزين، ولن يتوقف ما يسمعه من صراخ أطفال المعتقلين يدوي في أذنيه حتى يرى آباءهم قد أفرج عنهم وعادوا سالمين إلى بيوتهم.. هكذا يروي عن حاله في هذه الفترة المظلمة من تاريخ مصر..

قالوا له: لقد اعتقلوهم جميعاً وتركوك! فما هي الحكمة؟.. إنه من الخير أن تخرج إلى سوريا أو الحجاز أو باكستان فرفض وقال: هذا هو الجبن، كيف أترك هؤلاء في المعتقلات ولا أسعى لإخراجهم!

وكتب له الإخوان من المعتقل يقولون: دعك من أمرنا، وخذ الطريق الذي تراه.. لكنه أصر على أن يخرج هؤلاء حتى يستريح..

وقال له بعض المتحمسين: ألا ترى أنهم قد حاربونا، أعنف الحرب فحطموا بناء عشرين عاماً.. صودرت الأموال وحلت الشركات، وأغلقت الشعب والمركز العام، واعتقل الإخوان بالآلاف، أليس هذا موعد الآية: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39]؟!

لقد كان في استطاعته أن يعلنها حرباً ويشعلها ناراً تحرق الطغاة والظلمة والعملاء، وكان لديه من القوة ما يمكنه من دك بنيانهم من القواعد.. ولكن بماذا أجاب على هؤلاء المتحمسين؟

قال: لن أكون داعية فتنة، ولن آمر بمنكر.. ولن أغضب لشخصي، ولن أنتقم لنفسي، ولما سمع بمقتل النقراشي جزع وأسف..

·              في منزل الأستاذ مصطفى مشهور:

يجهل كثير من الناس الحقائق والدوافع التي هي سر اليقظة والحيوية في الإنسان المسلم، وينظرون دائماً إلى الأشكال والمظاهر ولا يغوصون ولا يستلهمون ما وراء ذلك..

ولقد كان لحياتنا بعض الوقت مع الإمام حسن البنا رحمه الله طبيعة معينة لم نكن ندرك تماماً روعتها إلا بعد أن فقدنا وجوده بيننا، ولم ندرك هذه الحقيقة إلا بعد أن قست علينا المحن ونأت بنا عن هذه المعايشة، لقد كان حسن البنا روحا كبيرة فسيحة تملأ كل الفراغ كما يملأ الهواء كل الأجواء، وكان الحضور معه يعني أن تعيش مغموراً في بحر السعادة والنور.. فهو يتعامل معك كأنك وحدك المقصود بكل عواطفه ومشاعره، وليست هذه العاطفة منه مجاملة أو ترضية، ولكنها عاطفة حقيقية صادقة عميقة رقيقة تجيش بالحب، والأمثلة على ذلك كثيرة:

أذكر منها ما أحسسته بنفسي وشعوري، كان ذلك في منزل الأخ الأستاذ مصطفى مشهور في شارع زين العابدين بمحرم بك بالإسكندرية عام 1945، وهناك وجدت مجموعة من الإخوة قد سبقوني، وبعد لحظات وصل إلى المنزل فضيلة المرشد حسن البنا وكانت مفاجأة سارة.. جلس يتحدث معنا في تطورات الدعوة وواجبنا نحوها بروح لطيفة مؤنسة وتحدث عن أمله في الشباب وثقته بإيمانهم.. وكانت لحظات واستأذن للخروج.. وقمنا لوداعه، وكان عناقاً حاراً مؤثراً أبلغ وأعطر وأزكى ما فيه تلك الدموع التي تساقطت من عينيه..

ويا لها من لحظات في حياتنا.. لا تنسى أبداً.

·              وداع..

تطوع شباب الإخوان المسلمون لقتال اليهود على أرض فلسطين الإسلامية، وكان قد تقرر نقلي من سلاح الصيانة في مرسي مطروح للعمل مع القوات المسلحة في غزة، وذهبت إلى القاهرة لأودع الأستاذ رحمه الله..

وهناك في دار المركز العام دعاني إلى لقائه في حجرة في الدور العلوي، وجلس معي على انفراد في حديث الوالد يغمرني بعاطفة حلوة ندية، كأنه لقاء الوداع.. كان يستشعر أنني ربما يكتب الله لي الشهادة في هذه المعركة، لهذا طلب مني أن أسجل عن نفسي بعض المعلومات التي قد تفيد النشر إذا قدر الله لي أن أكون في سجل الشهداء، ثم وقف يودعني بنفس الحرارة ونفس العاطفة وظل يراقبني حتى غبت عن ناظريه ولسانه في دعاء وقلبه في رجاء.

تلك هي القيادة التي توالي الجنود بصدق الحب والحدب وبهذا يتكون الجنود الذين يسمعون ويطيعون القيادة بكل الإيمان والثقة والتجرد.

وحين استشهدت أول كوكبة من شباب الإخوان المسلمون في معركة دير البلح بفلسطين في مايو 1948م، خرجت جريدة الإخوان المسلمون اليومية وقد صدرت صفحتها الأولى بإطار أخضر[3] يضم تعريفا زود بالصور الفوتوغرافية لاثني عشر شهيداً، وكتب الإمام حسن البنا يقول هذا المعنى:

هؤلاء الإخوان قد أحسنوا صناعة الموت واختاروا الموتة المطهرة، التي طالما هتفوا بها، لقد صدقوا الله فصدقهم الله.. لقد عجبت كيف يحزن عليهم بعض الناس، مع أن الشهداء هم الذين فروا إلى الله تعالى رغبة وفرحا للقائه {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [آل عمران: 169-170].

·              ترحيب بمسيحي..

دعا قسم العمال للإخوان المسلمون بالقاهرة إلى مؤتمر عمالي كبير ينعقد في المركز العام..

وحين بدأ المؤتمر تعالت هتافات "الله أكبر ولله الحمد.." لحضور الأستاذ حسن البنا، وبعد أن ألقى كلمته وأعلنت القرارات بواسطة الأخ الأستاذ عمر غانم رئيس قسم العمال، وبدأ المجتمعون ينصرفون وهم يسلمون على فضيلة المرشد، ولوحظ أن الأستاذ يسلم على أحد العمال ويذكره باسمه، فاندهش الإخوان لهذه المفاجأة فقد تبين لهم أن هذا العامل مسيحي، ثم عرفوا أنه أحد تلاميذ الأستاذ البنا في مدرسة عباس الابتدائية في السبتية بالقاهرة منذ أكثر من عشر سنوات!!

ولقد قرأت للأستاذ إحسان عبد القدوس في إحدى كلماته في مجلة "روز اليوسف" التي تصدر في القاهرة، يقول إنه كان يعرف في أيام الحرب العالمية الثانية جنرالا في الجيش البريطاني يمتاز بذاكرة حادة وخاصة في حفظ الأسماء، ولكنه حين عرف الشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمون انبهر بذاكرته النادرة وخاصة في حفظ الأسماء والتي لم يعد يقارن بينها وبين غيرها.

والواقع أن هذه الصفة العظيمة في الأستاذ البنا هي من أساسيات الدعوة والتربية وتجميع العناصر المسلمة على رابطة الألفة والحب، بل لقد كان رحمه الله شديد الحرص على أن يصحب معه في رحلاته بعض الإخوة من بلاد مختلفة كي يعقد بينهم صلة تعارف ومودة تتوثق وتزداد عمقاً بعد ذلك بالزيارات والرحلات والمخيمات..

وكتب الأستاذ صبري أبو المجد في مجلة "المصور" المصرية بالعدد 3016 في 30 يوليو 1982 يقول:

عرفت الشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمون – طيب الله ثراه – في صباي المبكر وكانت دعوة "الإخوان المسلمون" وقتئذ لا تزال في بداية ظهورها وانتشارها، وكنت وقتئذ أرتاد المجتمعات السياسية والدينية، عرفته خطيباً لا يجد المستمعون في كلامه إلا نبرة الصدق وقوة الإيمان.

وكان الشيخ حسن البنا رحمه الله يخصني – كصبي – برعايته وعنايته واهتمامه، ويحلو له بين حين وآخر أن يدخل معي في جدل ومناقشة ربما ليعرف على الأقل ماذا كان يدور في أذهاننا نحن الصبيان، وقد كان في مقدمة ما يتميز به الشيخ البنا قوة إيمان وقوة ذاكرة لم أجدهما معاً حتى كتابة هذه السطور في إنسان ما. كان – مثلاً – يقابل أحدهم مقابلة عرضية في شارع أو في أجزخانة أو في مدرسة أو حتى في مجتمع يتحدث معه يستمع إليه يعرف اسمه وتمضي سنوات ثلاث أو أربع أو خمس بل أكثر ويلتقي الشيخ بذلك الرجل، فيذكر له إسمه ويتذكر وإياه موعد اللقاء والحديث الذي درا بينهما..

وعندما اغتيل الشيخ حسن البنا إثر خروجه من مبنى المركز العام للشبان المسلمين بعد أن استدرج إليه، وأطلق عليه الرصاص زحف على بطنه بضعة أمتار حتى عاد إلى المبنى، وقام بنفسه بطلب الإسعاف من تليفون المركز العام للشبان المسلمين.. أية قوة هائلة تلك التي تدفع رجلاً أصيب بكل تلك الرصاصات القاتلة لكي يزحف على بطنه لكي يجاهد للوصول إلى جهاز التليفون.. ثم أية قوة ذاكرة تجعله في هذه الظروف كلها يتذكر رقم تليفون الإسعاف ويطلبها بنفسه!!.

·              مع سماحة مفتي فلسطين..

روى لي الأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة المراقب العام للإخوان المسلمون في الأردن..

أنه في إحدى زياراته لسماحة محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين، جاء ذكر الشيخ حسن البنا، فقال سماحة المفتي: إنه قد تأثر كثيراً بشخصية الأستاذ البنا، وقص عليه هذه القصة..

ذات يوم زاره حسن البنا وجلس إلى جواره وتجاذبا أطراف الحديث، وبعد برهة من الوقت جاء ضيف، فتخلى حسن البنا عن مكانه بجواري.. ولما دخل ضيف آخر ترك حسن البنا مكانه مفسحاً للقادم الجديد وهكذا حتى أصبح مكانه إلى جانب باب حجرة الطعام.. ولما حان وقت الطعام وفتحت الغرفة، وكان من الطبيعي أن يكون أول الداخلين هو حسن البنا، ولكني لاحظت أنه أخذ يتراجع حتى صار آخر الداخلين.. فأدهشني هذا الخلق الرفيع!!

·              استقبال إحسان الجابري..

وروى لي الأخ الأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة المراقب العام للإخوان المسلمون في الأردن أن الأستاذ إحسان الجابري رئيس وزراء سوريا وشقيق الأستاذ سعد الله الجابري، زار مصر بالقطار م طريق غزة ثم العريش..

يقول الأستاذ إحسان: إنه لم يكن يتوقع الذي رآه!! ذلك أنه ما من محطة من محطات سكة الحديد على طول الطريق إلى القاهرة يقف عندها القطار إلا ويجد هتافات تحيي جهاد سوريا وكفاحها تشق عنان السماء، ويتقدم من بين هذه المظاهرة وفد من جماعة الإخوان المسلمون في المنطقة لتحيتي بكل عواطف الحب والاحترام والتقدير مع تمنياتهم لشعب سوريا الشقيق بالعز والسؤدد..

يقول الأستاذ إحسان، واستمر الحال على ذلك حتى وصلت إلى محطة سكة حديد القاهرة، وفيها وجدت الإخوان يقفون في انتظاري واستقبلوني بالبشر والحفاوة والترحاب..

ويعقب الأستاذ إحسان لشقيقه الأستاذ سعد الله الجابري على استقبالات الإخوان في مصر له: إنه لم يكن يحسن نحو الإخوان بشيء من الصلة، ولكن بعد ذلك شعر بعاطفة تشده نحو الإخوان المسلمون.

·              مع المبشر الإسلامي عليم الله الصديقي..

قام فضيلة المرشد بزيارتنا بالإسكندرية، وكان بصحبته المبشر الإسلامي عليم الله الصديقي.. وبينما نحن جلوس مع الأستاذ وضيفه حضر وفد من الإخوان بشعبة الحجاري في حي بحري بالإسكندرية وقدموا هدية للأستاذ المرشد عبارة عن شارة الإخوان المسلمون (سيفان متقاطعان وبينهما المصحف الشريف) محفورة على قطعة من الخشب الأبانونس موضوعة في علبة جميلة.. وما أن قام الأخ محمد حمام نائب هذه الشعبة بتقديم الهدية إلى الأستاذ المرشد حتى قام فضيلته من فوره إلى الضيف الجليل عليم الله الصديقي، وقال: وأنا بصفتي المرشد العام للإخوان المسلمون أتقدم بهذه الهدية إلى مولانا وضيفنا عليم الله الصديقي.. وقام الرجل وتسلم الهدية في بشر وسرور..

ولقد كنا في ذهول من سرعة بديهة الأستاذ البنا وفطنته لأمر غاب عن كثير من الإخوان، وكان درسا في رقة الشعور والإحساس.

وعلى ذكر شعبة الحجاري[4].. عقد الإخوان في شعبة محرم بك مؤتمراً، وفيما كان الأستاذ يلقي خطابه في هذا المؤتمر جاء إخوان شعبة الحجاري إلى المؤتمر بهتافاتهم المدوية: (الحجاري تييك يا بنا.. الحجاري تحييك يا بنا) فقطع الأستاذ خطابه ورد عليهم في الميكروفون هاتفا (ومن للحجاري غير البنا).. فاهتز المؤتمر بالتهليل والتكبير، وصارت مثلاً ودعابة يستروح بها الإخوان..

·              حسن البنا والمعلم إبراهيم كروم..

رغب الإخوان في حي بولاق بالقاهرة الاحتفال بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، فذهبوا يبحثون عن أرض فضاء يقيمون عليها سرداقاً يؤمه الناس بهذه المناسبة التي سيخطب فيها فضيلة المرشد.. وفيما هم يبحثون وقع نظرهم على أرض مناسبة، ولكنهم علموا أن صاحب الأرض (مسيحي)، وبينما هم في حيرتهم يناقشون الأمر إذا برجل كان يجلس على مقهى مجاور لهذه الأرض، فسألوه: هل يمكن استئجار هذه الأرض لنقيم عليها حفلاً إسلامياً بمناسبة ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم؟

فاستقبلهم الرجل بأحسن الأخلاق، وقال لهم: إن هذه الأرض ليس ملكا لي، ولكني نيابة عن صاحبها أقول لكم أقيموا الحفل على ضمانتي.. فعجب الإخوان من سماحة الرجل وشجاعته، وعرفوا أخيراً أن هذا الرجل هو (المعلم إبراهيم كروم) فتوة حي بولاق الشهير.

وذهب الإخوان إلى الأستاذ البنا وأخبرون بما حدث، فكان ذلك مبعث سرور له.

وجاء موعد الحفل، وهرع المسلمون للاستماع إلى مناقب الرسول صلى الله عليه وسلم في الاحتفال.. وحين وصل الأستاذ البنا إلى سرادق الاحتفال توجه رأساً إلى المقهى وسأل عن المعلم إبراهيم كروم وسلم عليه بحرارة وشكره على موقفه، وحضر المعلم إبراهيم كروم الحفل واستمع إلى فضيلة المرشد وهو يحييه مرة ثانية أمام الجماهير، وما إن انتهى الحفل حتى أصر المعلم إبراهيم كروم على دعوة الأستاذ على كوب شاي في المقهى..

ومنذ ذلك اليوم وإبراهيم كروم دائم الحضور إلى المركز العام، ولم تنقطع صلته به في يوم من الأيام..

وفي حوادث مارس 1954 عندما هب الشعب المصري يطلب الخلاص من طغيان جمال عبد الناصر وديكتاتوريته العسكرية، كان إبراهيم كروم على رأس المظاهرة الشعبية الكبرى التي أجبرت الطاغية على التنحي فيما يسمى بمقررات مارس التاريخية.. وعندما استطاع الطاغية بالمكر والخديعة أن يجهض هذه المقررات قبض على إبراهيم كروم وحكم عليه بالسجن وتوفي رحمه الله بعد الإفراج عنه..

·              حسن البنا والشيخ محمد الأنصاري..

جاء لزيارة شعبة الإخوان المسلمون في حي محرم بك بالإسكندرية رجل في سن الخمسين من صعيد مصر، يرتدي جلباباً ويلبس في قدميه خفين، عرفنا بنفسه أنه محمد الأنصاري من الإخوان بمدينة الإسماعيلية، ويعمل في هيئة السكك الحديدية في تركيب وخلع القضبان، وكان يأتينا على فترات يمضي بعض الوقت في الشعبة ثم ينصرف دون أن يأبه له أحد أو يلتفت إليه شاب أو يهتم به الاهتمام الواجب فقد كانوا في شغل عنه..

وتمضي أيام ويعقد إخوان محرم بك مؤتمراً يحضره الأستاذ المرشد العام.. في قاعة اللقاء يرى الأستاذ البنا الشيخ محمد الأنصاري بين الحضور، فيقبل عليه في حرارة واهتمام بالغ ويعانقه في حب وشوق، ثم يأخذه من يده ويجلسه إلى جواره في الصف الأول.. وحين تقدم الأستاذ البنا لإلقاء كلمته رحب بالأخ الضيف واحتفى به، وقال: يحضرنا في هذا اللقاء أخ من الرعيل الأول الذين عاصروا الدعوة منذ نشأتها في الإسماعيلية هو الشيخ محمد الأنصاري.

وكان درساً بليغاً في التربية في معنى الأخوة ومعرفة أقدار الناس، فرب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره!!.

ولم تمض شهور حتى قاد الإمام البنا أكبر مظاهرة فوق النصف مليون من الأزهر الشريف إلى فندق الكونتننتال حيث يوجد زعماء العالم العربي للدفاع عن فلسطين المجاهدة، حيث أعلن الإمام استعداد عشرة آلاف متطوع من شباب الإخوان لخوض غمار حرب العصابات ضد اليهود، وفي أثناء المسيرة الكبرى أطلق رجال البوليس بقيادة اللواء سليم زكي حكمدار بوليس القاهرة النار على المتظاهرين وأصيب الأستذا البنا في يده، فنظر إلى موضع الإصابة في أصبعه وتمثل بقول الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة:

 

هل أنت إلا إصبع دميت                          وفي سبيل الله ما لقيت

 

وفي نفس اليوم أصيب الشيخ محمد الأنصاري حيث استشهد رحمه الله.

·              حديث تليفوني..

كان ذلك عام 1947 م حين خرجت من دار المكتب الإداري للإخوان المسلمون بشارع كنيسة دبانة بالإسكندرية إلى مطبعة رمسيس لمراجعة النشرة التي كان يصدرها الإخوان هناك..

ولما طال بي الوقت رأيت أن أتصل تليفونيا بالدار للاطمئنان على الأحوال بها.. وجاءني الرد بالتليفون، وقال المتحدث: من أنت؟ قلت: الحاج عباس ومن أنت؟ فقال: لا تسأل عن اسمي! فقلت: كيف.. طيب حضرتك لابس إليه؟ فقال: يا أخ عباس الرجل لا يُعرف بلبسه، ولكن يعرف بروحه وحسه! فقلت له: يظهر إنك راجل روحي قوي، قال: أنت روحي وأنا روحك أنا حسن البنا..

فألقيت السماعة على التليفون هاتفاً "الله أكبر ولله الحمد"، مما لفت نظر صاحب المطبعة، وأسرعت بالتاكسي حيث كانت الدار قريبة من المطبعة، ووجدت الأستاذ المرشد يغادر الدار حيث كان على موعد فسلمت عليه، ولفت نظري أن الخواجات الذين يعملون في أحد البنوك في نفس العمارة قد وقفوا على السلم يرفعون قبعاتهم تحية للأستاذ البنا، وهو يرد عليهم بيده مع ابتسامة رقيقة.. وما إن وصل الأستاذ إلى شارع سعد زغلول، وهو في انتظار تاكسي اجتمع حوله الناس وبعض بائعي الصحف الذين كانوا يحيونه بقولهم: (شد حيلك يا أبو علي).

·              حسن البنا في عيادة رياض الصلح..

علم الأستاذ البنا بوجود السيد رياض الصلح رئيس وزراء لبنان للعلاج في مستشفى المواساة الإسلامية بالإسكندرية، فرغب في زيارته وكلفني بشراء "باقة من الورد" وركبنا سيارتين تاكسي إلى المستشفى وهناك اقتضت التعليمات أن لا يزيد عدد الزوار عن أربعة فقط وكان عددنا أكثر من سبعة، وترقبت كيف يعالج الأستاذ هذا الموقف وهو الإنسان الرقيق الحريص كل الحرص على مشاعر كل أخ – وإن كان ما يصدر منه نعتبره نحن جنوده أمراً لا يحرج لنا صدراً – وهكذا كانت طبيعته، وسرعان ما قال: طيب، يبقى فضيلة ضيفنا الكبير عليم الله الصديقي، ورئيس الإخوان بالإسكندرية الأستاذ أمين مرعي، والمرشد العام، وحامل الورد..

وبهذا اللباقة حلت المشكلة على مستوى ممثلي الإخوان، وبالإسلوب الذي لا يؤدي إلى إثارة أية حساسية بين الموجودين..

ولما صعدنا إلى الدور الموجود به السيد رياض الصلح، لم تسمح لنا كبيرة الممرضات وكانت أجنبية بالدخول إليه، واعتذرت عن ذلك بسبب ظروف سعادته الصحية.. ولم يناقش الأستاذ البنا الموضوع وأخرج بطاقة وكتب عليها كلمات تحمل خالص التمنيات بالشفاء..

·              حسن البنا والأخ أحمد شوهان..

حضر إخوان مدينة أبو كبير شرقية مؤتمر الإخوان المسلمون في مدينة الزقازيق الذي يتحدث فيه فضيلة المرشد العام حسن البنا.. وهناك التقى الأستاذ البنا بالإخوان وتعرف عليهم كل باسمه وعمله..

وبعد أكثر من عامين زار الأستاذ البنا مدينة أبو كبير، وعند لقائه بالإخوان فوجئ الأخ أحمد محمد شوهان بأن فضيلته يسلم عليه باسمه.. وتعجب الأخ أحمد وهو يعمل نجاراً بسيطاً، كيف تكون له هذه المنزلة في نفس الأستاذ البنا، وظل يباهي بها إخوانه!!

وهكذا كان الإمام البنا يعطي كل أخ حقه من التقدير دون النظر إلى طبقته الاجتماعية، فالجميع إخوان مسلمون ولا تدري في أي منهم يكون الخير والأمل المنشود، وقد سبق أن ذكرنا قصة الشيخ محمد الأنصاري..

·              حسن البنا ومخبر المباحث العامة..

كان ذلك  عام 1937، حيث اتخذ الإخوان المسلمون بالإسكندرية دارهم في عمارة ماجستيك بميدان المنشية، وهي الدار التي تنازل عنها الصاغ محمود لبيب رحمه الله للإخوان حين تعرف على الأستاذ المرشد في مخيم الدخيلة بالإسكندرية.

وكان رئيس القسم المخصوص أو ما كان يسمى بالبوليس السياسي "المباحث العامة الآن" واسمه الصاغ زهران رشدي يجند مخبراً لمراقبة نشاطنا في الشعبة وكتابة التقارير عنا.. كان هذا المخبر يلازمنا طوال اليوم حتى ننصرف في المساء إلى بيوتنا، ولم يكن مجهولا لدينا، بل كان معروفاً لنا جيداً.

ولما جاء الأستاذ البنا لزيارتنا، شكونا إليه من وجود هذا الشخص بيننا، وطلبنا منه أن يسمح لنا بطرده من الشعبة، فضحك رحمه الله وقال: إن وجود مخبر بينكم ومعروف لديكم خير من وجود مخبر لا تعرفونه، فاحرصوا على معاملته معاملة كريمة، لعل الله يصلح حاله فلا يكذب عليكم ويكتب ما يراه وما يسمعه بالحق.

وأخذنا بنصيحة الأستاذ البنا حتى رأينا الرجل يخجل من نفسه وظل على وضعه حتى نهاية خدمته، واستمر الرجل وهو في المعاش على حاله في زيارته لنا، وكنا نستقبله بنفس الشعور الطيب..



[1]  انظر كتابنا "الدعوة إلى الله حب".

[2]  عن مجلة "الأمة" عدد 55 سنة 1405 هِ، مقال للدكتور حسان حتحوت "حسن البنا رحمه الله".

[3]  وفي هذا مخالفة لما جرت عليه عادة الصحف في استخدام اللون الأسود الذي يدل على الحزن.

[4]  الحجاري: الآلة التي يستعملها العمال في تقطيع الحجارة التي تستعمل في البناء، والمحجر: المكان في الجبل يقطع منه الحجارة.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية 

من المذبحة إلى ساحة الدعوة 

الذوق سلوك الروح 

الطريق إلى القلوب 

الدعوة إلى الله حب، جميع الأجزاء 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca