(نسيان الله أو عدم الشعور بالخالق
أو عدم معرفة الله)
الفصل الأول
الفرق بين الإقتناع بوجود الله وصفاته وبين الشعور بذلك
ِ إن الإقتناع والعلم بوجود الخالق وصفاته إذا لم يؤدي إلى شعور ومشاعر فهذا علم كاذب وليس علم حقيقي، وأدلة ذلك كالتالي:
1ِ مَنْ عرف الله فإنه يخشاه: فقد جاء في تفسير القرطبي: [ (إöنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مöنْ عöبَادöهö الْعُلَمَاءُ)() يعني بالعلماء الذين يخافون قدرته فمَنْ علم أنه عز وجل قدير أيقن بمعاقبته على المعصية، كما روي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إنما يخشى الله من عباده العلماء قال الذين علموا أن الله على كل شيء قدير، وقال الربيع بن أنس مَنْ لم يخش الله تعالى فليس بعالم، وقال مجاهد إنما العالم مَنْ خشى الله عز وجل، وعن ابن مسعود كفى بخشية الله تعالى علما وبالإغترار جهلا، وقيل لسعد ابن إبراهيم مَنْ أفقه أهل المدينة قال أتقاهم لربه عز وجل، وعن مجاهد قال إنما الفقيه مَنْ يخاف الله عز وجل ]()، وفي تفسير ابن كثير: [ إنما يخشى الله من عباده العلماء أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر]()، وفي تفسير الطبري: [ حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله إنما يخشى الله من عباده العلماء قال كان يقال كفى بالرهبة علما ]()، وجاء في روح المعاني: [ (وَأَهْدöيَكَ إöلَى رَبّöكَ فَتَخْشَى)() وأهديك إلى ربك أي أرشدك إلى معرفته عز وجل فتعرفه فتخشى ]()، وجاء في تفسير الثعالبي: [ قال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء فبين سبحانه أن الخشية تلازم العلم، وفهم من هذا أن العلماء إنما هم أهل الخشية إنتهى، قال ابن عباد فى شرح الحكم وإعلم أن العلم النافع المتفق عليه فيما سلف وخلف إنما هو العلم الذى يؤدى صاحبه إلى الخوف والخشية وملازمة التواضع والذلة والتخلق بأخلاق الإيمان إلى ما يتبع ذلك من بغض الدنيا والزهادة فيها وإيثار الآخرة عليها ولزوم الأدب بين يدى الله تعالى إلى غير ذلك من الصفات العلية والمناحى السنية ]()، وفي تفسير فتح القدير: [ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس فى قوله إنما يخشى الله من عباده العلماء قال العلماء بالله الذين يخافونه ]()
2ِ جاء في جامع العلوم والحكم: ((فمعرفة العبد لربه نوعان أحدهما المعرفة العامة وهي معرفة الإقرار به والتصديق والإيمان وهو عامة للمؤمنين والثاني معرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية والانقطاع إليه والأنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه والهيبة له وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون كما قال بعضهم: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها قيل له وما هو قال معرفة الله عز وجل وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي أحب أن لا أموت حتى أعرف مولاي وليس معرفته الإقرار به ولكن المعرفة إذا عرفته استحييت منه))().
3ِ ليس معقولا أن تقتنع بشئ مؤثر جدا دون أن تتأثر به، فعندما يتصور الإنسان ويشعر بإنعام الله عليه وبصفاته فإنه يشعر بحب الله لأنه ينعم عليه، ويشعر بالخضوع لله لإحتياجه لنعمه، ويشعر بالتوكل علي الله لأنه وحده الذي يعطيه النعم، ويشعر بالخوف من الله من أن يسلب منه النعمة، ويشعر بالرجاء في الله أن يعطيه النعمة، ويشعر بالذل إلى العزيز، ويشعر بالضعف إلى القوي ويشعر بالأنس إلى المعين والوكيل، ويشعر بالرهبة والخوف من الجبار المتكبر، ويشعر بالفقر والإحتياج إلى الغني، ويشعر بحب الكريم لأنه يعطيه، ويشعر بالوجل والرهبة من مدي عظمة الله سبحانه، ويشعر بالأنس إلى المعين والوكيل لأنه يعينه ويتودد إليه (فهو الودود) ويقضي حاجاته، ويشعر بالإحتياج إلى الصمد (الصمد أي الذي يحتاج إليه الناس)، ويشعر بالرغبة إلى لقاء الله من حبه له، ويشعر بالعزة بالقوي، ويشعر بالضعف والخضوع للقوي لأن الله يقدر عليه وطمعا في أن يعطيه، ويشعر بالرضا إذا سلب الله منه نعمة لأنها ملك لله تعالي وإنما أعطاه أياها كعارية يستردها، ويشعر بالرضا بما عنده والقناعة لأن الله هو الكافي الذي يعطيه ما يكفيه.
ِ ونفس الشئ ينطبق على الفرق بين الإقتناع بأركان الإيمان والشعور بأركان الإيمان، فإن الإقتناع بأركان الإيمان لا يكفي، فالمنافق فقد يتحقق عنده الإقتناع والعلم والمعرفة ، ولكنه ليس عنده شعور ولا مشاعر ولا إهتمام بأركان الإيمان ففي الحديث: ((إذا قبر الميت ِ أو قال أحدكم ِ أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير فيقولان ماكنت تقول في هذا الرجل فيقول ما كان يقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إلاه إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ثم ينور له فيه، ثم يقال له نم، فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا حب أهله إليه، حتي يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا قال سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري، فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض إلتئمي عليه، فتختلف فيها أضلاعه فلا يزال فيها معذبا حتي يبعثه الله من مضجعه ذلك))()، وفي حديث آخر: ((... فأوحي إلى أنكم تفتنون في قبوركم مثل ِ أو قال قريبا من ِ فتنة المسيح الدجال، يقال ما علمك بهذا الرجل ؟ فأما المؤمن.... وأما المنافق ِ أو قال المرتاب ِ فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته))()، فالنص الذي الذي تحته خط يدل على أنه عرف لكنه لم يهتم أو لم يتأثر بالأمر ولم يشعر به كأنه شئ عادي ومعلومه غير مهمة.