ِ إن الإقتناع بوجود الخالق هو مجرد معرفه لكن الشعور بوجود الخالق نشرحه كالتالي:
أولا: كيف يتحقق الشعور بوجود الخالق: يتحقق ذلك من خلال التفكر تنفيذا لأمر القرآن (انظر الباب الحادي عشر).
ثانيا: الشعور بوجود الخالق:
1ِ الإحساس بوجوده: إن هناك فرق بين معرفة الشئ بالحواس وبين معرفة الشئ بالمشاعر، فإن رؤية الله لا يستطيعه أحد لوجود موانع، أما الشعور بوجود الله فلابد من وجوده، فإن عدم رؤية الشئ لا يعني عدم وجوده ولكن قد تكون هناك موانع تحول من الرؤية، فلو أراد الله أن تزول الموانع من رؤيته لرأي الناس كلهم الله سبحانه الآن في الدنيا كما يرون القمر لا يضامون في رؤيته مثلما يرونه في الجنة ففي الحديث: ((إöنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لاَ تُضَامُّونَ فöى رُؤْيَتöهö...))()، وفي حديث آخر: ((إöنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عöيَانًا))()، وفي حديث آخر: ((تُضَامُّونَ فöى رُؤْيَةö الْقَمَرö لَيْلَةَ الْبَدْرö وَتُضَامُّونَ فöى رُؤْيَةö الشَّمْسö ؟، قَالُوا لاَ، قَالَ: فَإöنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرö لاَ تُضَامُّونَ فöى رُؤْيَتöهö))()، إن الإنسان إذا نظر إلى إمرأة جميلة فقد يولع بها، فما بالك إذا نظرت إلى الحور العين، فما بالك إذا نظرت إلى وجه العظيم في الجنة فإنك عندئذ تنسي كل لذات الجنة من لذة النظر إلى وجه الله الكريم.
ِ وعلي المرء أن يتصور ويشعر بأن هذه الموانع غير موجودة فيشعر أنه يري الله، وبغير هذا الشعور لا تستطيع أن تشعر أن الله يراك ويسمعك ولا تستطيع أن تشعر بصفات الله (وهناك فرق بين الشعور بصفات الله وبين الإقتناع واليقين بها)، فإنك عندما تركع وتسجد فلابد أن تشعر بمَنْ تركع له وتسجد تقربا له وإلا فلمَنْ تركع وتسجد ؟، فالمشركون كانوا يركعون وأمامهم الأصنام، وأنت تركع وأمامك الله تشعر به وإن لم تكن تراه ((فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهö))() أي أينما تتجه فإنما تتجه إلى الله، فاشعر بمَنْ تتجه إليه وتركع أمامه، وإنك عندما تدعوا الله تشعر بمَنْ تخاطبه وإلا فمع مَنْ تتكلم ؟!، فأنت تكلم نفسك ففي الحديث: ((... وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجöيبُ دُعَاءً مَنْ قَلْبٍ غَافöلٍ لاَهٍ))()، وعندما تقرأ القرآن تشعر بمَنْ يخاطبك ويخاطب الناس وإلا فمَنْ الذي يكلمك فلابد أن تشعر بالمتكلم (الله سبحانه) وتشعر بالمخاطب وهو أنت أو الناس، وإلا فأنت لا تشعر بمَنْ قائل هذا الكلام ولمَنْ يقوله، وعندما تعمل أي عمل فلابد أن تشعر بمَنْ تعمل له هذا العمل وإلا فأنت تعمل هذا العمل لنفسك أو لغير احد، فإنك عندما تعمل عند أحد كأن تصلح له شيئا في بيته وهو يقف أمامك يراقبك طول الوقت فأنت لا يهمك إصلاح الشئ لذاته ولكن لهذا الرجل، فأنت إخترت أن تعمل عبدا لله وغيرك لم يختر هذا، فلابد أن تشعر بمَنْ تقدم له العمل ليراه بعد أن تقوم به له (ومن هنا تعرف أن الشعور بالله هو أصل المشاعر وينشأ عنه النية، ومن أثر ذلك وجود حال مع الله بمعني صلة روحية بالله وأن يكون الله علي بالك دائما، وهذا هو أصل الذكر ِ ذكر القلب ِ وينشأ عن ذلك ذكر اللسان فإن القلوب كالقدور وإن الألسنة مغارفها.
ِ إن هناك فرق بين أن تتخيل ذات الله وبين أن تشعر بوجود الله، فلا يستطيع أحد أن يتخيل ذات الله لأن الله ليس كمثله شئ، ولكن هذا لا يعني أنه غير موجود، فإنك اذا لم تشعر بوجوده فهذا يعني أن الله غير موجود في مشاعرك، إن الرسول (ص) كان على موعد ليذهب إلى الله في رحلة الإسراء والمعراج، وقطع مسافة رهيبة بالبراق، فعندما وصل القي بالتحية إلى الله وكلمه الله وكلم هو الله ورأى الله سبحانه.
ِ إنك علي موعد مع الله نفسه تكلمه ليس بينك وبينه واسطة ولا مترجم ولا حجاب يحجبك عنه، ففي الحديث: ((مَا مöنْكُمْ مöنْ أَحَدٍ إöلاَّ سَيُكَلّöمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانñ وَلاَ حöجَابñ يَحْجُبُهُ))()، فيحاسبك ويكلمك ويسألك وتجيب عليه وتكلمه، فالذي يشعر بهذا اللقاء يشعر بالخشوع والخضوع لله بدليل الأية: ((وَاسْتَعöينُوا بöالصَّبْرö وَالصَّلاةö وَإöنَّهَا لَكَبöيرَةñ إöلَّا عَلَى الْخَاشöعöينَ، الَّذöينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبّöهöمْ وَأَنَّهُمْ إليه رَاجöعُونَ))() فمعني (يظنون) أي يوقنون، واليقين هنا ليس مجرد الاقتناع فقط وإنما هو شعور بلقاء الله، فمجرد الاقتناع بلقاء الله لا يعطي الإنسان الشعور بالخشوع والخضوع لله ولكن فقط الذي يشعر بلقاء الله يشعر بالهيبة والرهبة والخشوع والخضوع لله تعالى، فإنه لقاء مهيب ورهيب لو تصورته وشعرت به، كما أن الذي يشعر بلقاء الله فذلك يجعله يتحمل ويصبر: ((قَالَ الَّذöينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهö كَمْ مöنْ فöئَةٍ قَلöيلَةٍ غَلَبَتْ فöئَةً كَثöيرَةً بöإöذْنö اللَّهö وَاللَّهُ مَعَ الصَّابöرöينَ))() و(يظنون) أي يوقنون واليقين هنا أيضا ليست بمعني يقتنعون فقط فكل مَنْ خرج مع طالوت هم مقتنعون بلقاء الله وكانوا يريدون الجهاد في سبيل الله، كما أنه لا يكفي أبدا أن يتحمل أحد كل هذا لمجرد إقتناعه بلقاء الله، ولكن فقط مَنْ يشعر بلقاء الله فإنه يتحمل.
ِ هناك صفات وثيقة الصلة بالشعور بوجود الله هي الشعور بأن الله هو السميع العليم الرقيب: فالذي خلق الاشياء بهذه الدقة والتفصيلات لابد أن يكون سميعا بصيرا عليما وحيا فالذي يصنع شيئا (مروحة مثلا) لابد ان يكون لديه علم وحكمة بهذا الشئ.
ِ هناك فرق بين الإقتناع بأن الله سميع عليم رقيب، وبين الشعور بأن الله يسمعك الآن ويراك، فتخيل ان هناك كاميرات سرية موضوعة لك في كل مكان وأنت يتم رصدك وتسجيل كل تصرفاتك وحركاتك وسكناتك بل وما تفكر فيه، ألا تشعر بالخوف والقلق فإن الله يسمعك ويراك ويراقبك فالله السميع البصير الرقيب، إذن لابد أن تشعر أن أحدا ما يراقبك ليل نهار ويري كل ما تفعله وهذا معناه أن يظل علي بالك وفي همك دائما ذلك الذي يراقبك، فإذا لم تشعر بالمراقبة فهذا يعني أن شعورك بأن الله سميع وبصير غير موجود، وإن كنت علي اقتناع تام بأن الله سميع وبصير.
2ِ الشعور بكلمة (خالق) أو (إلاه) أو (رب):
هذا شعور بسيط جدا وفطري وبعيد تماما عن تفاصيل معاني هذه الكلمات، فهذا الشعور يعني ثلاثة أمور هي:
1ِ الشعور بأن للكون خالق: أن هناك أحدا لا نراه وأنه ليس أحدا مثل البشر ولكنه أعظم وأكبر في قدراته عن قدرات البشر وأنه أعظم من أي قدرات يعرفها البشر، فإن الخالق ذو قدر عظيم وقدرات وصفات أعظم من كل قدرات وصفات البشر أي أنه أكبر من الإنسان في قوته وإمكانياته وقدراته بحيث أنه إستطاع أن يصنع كل هذا الكون فهو خارق للأسباب
2ِ الشعور بأن لك خالق هو الذي صنعك أنت وكل ما حولك: إذن أنت وكل ما تملك عبارة عن جزء من ممتلكاته وكل أمرك بيده وأنت في يده ويستطيع أن يفعل بك ما يشاء، وأنك لست حرا تدير نفسك بنفسك وأن عليك الإستسلام والخضوع، ألا يدعوا ذلك إلى الإحساس بالذل والحاجة إليه وحبه والرهبة والخوف منه!، إن هذا يعني أنه ليس أحدا عاديا مثل البشر.
3ِ الشعور بأنه المالك وأنه العزيز وأن له صفات الإنعام (انظر شرح ذلك في الفصول القادمة).
ِ وهذا يؤدي بالضرورة إلى المشاعر التالية:
1ِ أننا واقعون تحت سيطرة قوة قاهرة أكبر من قوى العالم، وهذا يعني أننا لسنا أحرارا ولكننا مملوكين عبيد تابعين وهذا يعني بالضرورة الشعور بالإستسلام والخضوع (انظر الشعور بالخضوع)، وكذلك كل شئ واقع تحت هيمنته وسيطرته مما يعني الخضوع له (انظر الشعور بالقضاء والقدر)
2ِ أننا ضعفاء لا نملك شيئا ولا حتى أنفسنا، ولا نستطيع أن نجلب أي نفع لأنفسنا، وأن ما عندنا من صفات كالقوة والإرادة والسمع والبصر...إلخ هي أمور مخلوقة فينا ولنا وهذا يعني بالضرورة حب الخالق سبحانه والخضوع له والتوكل عليه ورجاؤه (انظر الشعور بالمالك والعزيز وصفات الإنعام).
3ِ أنه له القدرة على أن يحميك من أي خطر، ويأتيك بكل نفع فتحبه، كما أن له القدرة على أن يسلب منك أي نعمة أو يفعل بك أي شئ فتخافه [ وله الحق في أن يفعل بك أي شئ لأن مالك الشئ يفعل به ما يشاء فلا تكرهه ولكن تحبه وإن قطعك إربا إربا لأن في ذلك خير لك أنت لا تعلمه: ((بöيَدöكَ الْخَيْرُ))()، وفي الحديث: ((يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافöيَةö يَوْمَ الْقöيَامَةö حöينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلاَءö الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرöضَتْ فöى الدُّنْيَا بöالْمَقَارöيضö))() ِ انظر الشعور بأن الله هو المالك ].
4ِ الشعور بالطمأنينة والشعور بالعزة: فأنظر إلى أعظم قوة في العالم فالخالق هو الأعلي فلا تخاف، أنظر إلى مَنْ يكيد لك وكيده أعلي منك فالخالق هو الأعلي الذي يمكر بالماكرين فلا يستطيعوا أن يمكروا بك، أنظر إلى أي ملك من الملوك فالله هو الأعلي، ومن هنا العزة بالله ((فَأَمَّا عَادñ فَاسْتَكْبَرُوا فöي الْأَرْضö بöغَيْرö الْحَقّö وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مöنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذöي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مöنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بöأياتöنَا يَجْحَدُونَ))()، ((أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ))()، وكل صفة قوة أو صفة حميدة في البشر فالله هو الذي خلقها وهو أولي بها وأعلي.
ِ إذن فهناك فرق بين الإقتناع بأن لك خالقا وإلاها وربا وبين الشعوربذلك، فالقضية أن كلمات (خالق) و(رب) و(إلاه) في مشاعر البعض هو أمر عادي، فكون أن له خالقا وإلاها هو أمر عادي ليس له تأثير في المشاعر، وليس لهذه الكلمات أهمية أو خطورة تذكر من ناحية المشاعر، إذن في الاقتناع فان الله هو ربنا وإلاهنا وهو العظيم والكريم والعظيم والقادر وكل صفات الجلال والكمال، لكن في المشاعر لا يوجد شعور بما تعنيه هذه الكلمات من الهيبة والرهبة والخشية والخضوع والخوف منه سبحانه، إن صفات الخالق تعالي ليست صفات عادية مثل صفات البشر، فان قدرة الخالق مبهرة تفوق كل التصورات وليست عادية فلماذا لا تنبهر، وقدرته على أن يصنعك أنت فهذا أمر معجز وغاية في العجب، فلماذا لا تشعر بالهيبة والإنبهار والعجب والإعجاب والدهشة والغرابة والخشية والرهبة والخوف والخضوع والحب لله تعالي، فهذا معناه أن شعور المرء بصفات الخالق مثل شعوره بصفات البشر، أي إذا لم يشعر الانسان بعظمة الخالق في قلبه فهذا شرك أكبر لأنه يسوي بينه وبين البشر: ((إöذْ نُسَوّöيكُمْ بöرَبّö الْعَالَمöينَ))([13])، وإن كان في الإقتناع أن الله له كل صفات الجلال والكمال، فنحن نتعامل مع صفات الخالق بدون أن نشعر بمدي عظمتها ومدي خطورتها ومدى تأثيرها وأثرها، فإذا كان قدر الخالق وقدرته في شعور الإنسان يساوي صفرا، وقدر ما يصدر عنه من نفع أو ضرر في شعور الإنسان يساوي صفرا (فالشئ الذي لا ينفع و لا يضر لا تتفاعل به المشاعر)، فلا تتأثر ولا تتعلق به المشاعر: ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرöهö وَالْأَرْضُ جَمöيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقöيَامَةö وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوöيَّاتñ بöيَمöينöهö سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرöكُونَ))().
ِ الفرق بين الإحسان والشعور بوجود الله:
قد يظن البعض أن الشعور بأركان الإيمان هو الإحسان ودرجات اليقين، فالإحسان ودرجات اليقين هي أمور للترقي في الدرجات وليست مسألة خلود في الجنة أو خلود في النار، والإحسان واليقين هي مسألة إقتناع وليست شعور، وكلما زاد إقتناع المرء بالشئ الذي لا يراه زاد يقينه به حتي يصبح كأنه يراه فهذا هو الإحسان واليقين بدرجاته من علم اليقين إلى عين اليقين إلى حق اليقين، فالشعور بوجود الله يختلف عن مرتبة الإحسان، لأن الشعور بالله يعني هل الله موجود أم غير موجود في المشاعر.
ِ سبب الإنفصام بين العقل والقلب أي وجود إنفصام بين الإقتناع (واليقين والإحسان) وبين الشعور والمشاعر كالتالى:
ِ الطبيعي أن الشعور والمشاعر تصاحب اليقين والإقتناع العقلي، فالطبيعي أن اليقين بوجود الخالق يستلزم في المشاعر الخضوع له وحبه وخشيته وهذا أمر بديهي جدا فكلمة (الخالق) تعني أن هناك أحدا لا تراه هائل في قدراته وأنت وما تملك عبارة عن جزء من ممتلكاته وكل أمرك بيده ألا يدعوا ذلك إلى الإحساس بالذل والحاجة إليه وحبه والخوف منه!، فالطبيعي أن هذه المشاعر تكون غير موجودة فقط عند مَنْ لا يقتنع ولا يوقن بوجود الخالق، ولكن بسبب وجود الإنفصام بين الإقتناع والشعور نجد أن هناك مَنْ يوقن تماما بوجود الخالق وقد يصل ذلك الإقتناع إلى درجة عين اليقين أو حق اليقين، لكن لا يوجد عنده أي شئ من حب الخالق والخضوع له والخوف منه والرجاء فيه، والأخطر من ذلك أنك تجده يدعي حب الله والخضوع له والخوف منه فإذا بحثت عن وجود الحالة النفسية المصاحبة والمميزة لأي من هذه المشاعر لا تجد (راجع شروط المشاعر) مما يعني أنه ليس عنده أي ذرة من هذه المشاعر، ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية سبب وجود الإنفصام بين الإقتناع والشعور فيقول: ((التصديق الجازم قد لا يتبعه عمل القلب بتمامه لعارض من الأهواء كالكبر والحسد ونحو ذلك من أهواء النفس))()، ويقول تعالى: ((إöنْ فöي صُدُورöهöمْ إöلَّا كöبْرñ))([16]).
()العقيدة الأصفهانية ( ج : 1 ، ص : 180)