ِ إذا لم يتحقق الحب والخضوع لله تعالى فهذا معناه عدم تحقيق الشعور بأركان الإيمان، أي عدم تحقيق الإيمان القلبي بأركان الإيمان، لأن الحب والخضوع مشاعر تنشأ بالضرورة من تحقيق الشعور بأركان الإيمان، وهما أهم ما ينشأ عن الشعور بأركان الإيمان، ورغم أن العبادة تشمل كل الدين لكن محور العبادة وأصلها وروحها هو كمال الحب وكمال الخضوع، ومن أهميتها جعلها بعض العلماء هي العبادة، لذلك يقول ابن القيم: ((والعبادة هى كمال الحب مع كمال الخضوع والذل والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله))()، ويقول ابن تيمية: ((والعبادة تجمع كمال الحب مع كمال الذل))().
ِ وكمال الحب وكمال الخضوع ينشأ من الشعور بأركان الإيمان كالتالي:
أولا: معرفة الله تؤدي إلي كمال الحب وكمال الخضوع لله:
1ِ الشعور بأن الله هو المالك وبصفات الإنعام: المالك يعني أن الله له ملكية كل شئ، فإذا ما تنازل الإنسان عن كل ما يملك وعن نفسه لينسب ذلك إلى الله المالك الحقيقي فيشعر أن ذلك محض تكرم وإنعام فيحبه ويذل لعطاءه مدين له بالولاء مرهونا وأسيرا لفضله منكسر النفس غير حر لأنه عنده النقص والعوز معترفا بذلك غير قادر على أن يقيت نفسه (فالله هو المقيت أى الذي يعطيه القوت) والله يمده باللقمة التي يأكلها وهو أسير وعبد لإحسانه منكسر المشاعر يشعر بالعجز أمامه ويشعر بأنه ما له حول ولا قوة، ومن هنا يحدث كمال الحب والخضوع لله، كما أن المالك يفعل فيما يملك ما يشاء فله حق الأمر والنهي، وقد جاء في تفسير معنى (إنا لله) في الآية: ((الَّذöينَ إöذَا أَصَابَتْهُمْ مُصöيبَةñ قَالُوا إöنَّا لöلَّهö وَإöنَّا إöلَيْهö رَاجöعُونَ))() أي: ((علموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء))() وبالتالي الخضوع لأمر الله ونهيه.
2ِ الشعور بأن الله هو العزيز: فالإنسان يشعر بأنه ذليل ضعيف خاضع عاجز والله العزيز ((فَلöلَّهö الْعöزَّةُ جَمöيعاً))()، وهو يعني حب الإنتساب إلى الله لتنال العزة، أي إختار أن يكون الله سيدا له أي إختار أن يكون عبدا لله حبا لينال العزة.
3ِ الشعور بأن الله هو القادر: يعني الشعور بضعف الإنسان في كل شئ في قوته وفي علمه وسمعه وبصره.. الخ والشعور بمدى قدرة الله في كل شئ، وهذا يعني الشعور بالخضوع لله تعالى، ويعني حب الإنتساب إلى القادر والتوكل عليه، وحب إعجاب بقدرته.
4ِ الشعور بأن الله هو الخالق: إن الذي خلق البشر وخلق فيهم الحياة وجعل لهم سمع وبصرا وقوة... الخ، فهو أولى بهذه الصفات، ((أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذöي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مöنْهُمْ قُوَّةً))()، فهي عند البشر صفات ضعيفة ناقصة، والله له صفات لكمال، وهذا يعني الخضوع لمن له الصفات الأعلى والأعظم فهو الأعلى وهو العظيم في صفاته، وهذا يعني الإحتياج إليه وحب الإنتساب إليه.
ثانيا: الشعور بأركان الإيمان تؤدي إلي كمال الحب وكمال الخضوع لله:
1ِ الشعور بالآخرة تؤدي إلي كمال الحب وكمال الخضوع لله: الله هو المالك سواء في الدنيا أو في الآخرة فهو المالك دائما وأبدا ((مَالöكö يَوْمö الدّöينö))()، ((فَلöلَّهö الآخرة وَالْأُولَى))() ففي الآخرة أيضا لا أحد يملك شيئا فالجنة والنار ملك لله تعالى، وما يعطيه الله لأهل الجنة هو عطاء من عنده وليس ملكا لهم وليس يأخذونه كحق لهم ليملكوه نظير عملهم، والله يفعل بملكه ما يشاء، فانظر إلى الأيات: ((أُولَئöكَ لَهُمْ رöزْقñ مَعْلُومñ))() فالجنة رزق ومحض إنعام وتكرم، وفي الحديث: ((لَنْ يُدْخöلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا وَلاَ أنت يَا رَسُولَ اللَّهö قَالَ: لاَ، وَلاَ أَنَا إöلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنöى اللَّهُ بöفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ...))()، ولن يأتي أحد في الجنة ويقول هذا القصر إنما أوتيته علي علم وهو ملك لي، فإنما هو نعمة من الله وملك له، وبالتالي فأصحاب الجنة يظل عندهم الخضوع والحب والذل لله مثل الملائكة وكل شئ، أما أهل النار فلم يكن عندهم الحب والخضوع لله تعالي فهذا جزاؤهم.
2ِ وسبب عدم الشعور بالملائكة التكبر عن يكون هناك من هو أعظم من الإنسان في بنيته وقوته، فلو سمح الله للملائكة بأن تفعل ما تشاء فملك واحد يستطيع أن يدمر بلد كاملة بريشة من جناحه، وبالتالي فالله أعظم: ((أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذöي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مöنْهُمْ قُوَّةً))().
ثالثا: السبب في عدم تحقيق الحب والخضوع لله تعالى (أي السبب في وجود الإنفصام بين الإقتناع بأركان الإيمان وبين الشعور بأركان الإيمان): الأصل والطبيعي أن من عنده إقتناع بعذاب القبر فإنه يخاف منه ويرهبه، ومن عنده إقتناع بالشفاعة فإنه يرغب فيها ويرجوها، ومن عنده إقتناع بأن له ربا وإلاها فإنه يخضع له ويحبه ويخافه ويرجوه، فالسبب في عدم تحقيق الحب والخضوع لله تعالى كالتالي:
1ِ صعوبة الشعور بأن الله هو المالك: ما يملكه الإنسان من ممتلكات يمثل حياة الإنسان وراحته ويجد فيها متعه وشهواته، وبالتالي أصعب شئ على الإنسان هو أن يتجرد من كل ما يملك لينسبه إلى مالكه الحقيقي وهو الله سبحانه (أي الشعور بأن الله هو المالك) كما يتجرد من كل الصفات التي يعتز بها كالقوة والإرادة والسمع والبصر لينسب كل الأشياء إلى مالكها الحقيقي وهو الله سبحانه، أي ينسب الإنسان لنفسه كل صفات النقص والعوز والعجز والحاجة والضعف، وينسب كل صفات الكمال لله، وهذا معناه النقص والضعف والإحتياج إلى الله، والنفس لا تريد أن يكون تابعة لغيرها، تريد أن تكون مستقلة متحررة ذاتية معتمدة علي نفسها لا معتمدة علي غيرها (الله) فلا تريد أن تكون فيها نقص أو عوز كما تريد أن تكون مالكة تدير نفسها وترزق نفسها، والإنسان يظن أنه غير محتاج لغيره، والله هو الصمد أي الذي يحتاجه الناس، والنفس لا تريد أن تخضع وتركع لمن يمن عليها ولمن له قدرة عليها كما ترفض أن تعترف بعجزها أمام من هو أقوى، فالنفس تريد أن تتصرف كما لو كانت هي التي أوجدت نفسها أو أنه لا أحد أوجدها، رغم أنه في الإقتناع تعلم بأن لها خالق: ((أَمْ خُلöقُوا مöنْ غَيْرö شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالöقُونَ))([12])، فالنفس تريد أن ينصرف الذهن والقلب لها لا لغيرها، والإنسان يظن أنه هو الذي يملك ويظن أنه هو العليم الحكيم الذي يستطيع أن يدير نفسه بنفسه، ولا يحتاج لعلم غيره وهو بذلك لا يشعر بأن الله هو الصمد (الصمد أي الذي يحتاج إليه الناس في كل شئ).
ِ الإنسان له صفات مثل صفات الله فله إرادة وقوة وروح وعنده حكمة، فلا يريد أن يñخضع إرادته إلى إرادة الله، فهو مغرور بعقله ((فَرöحُوا بöمَا عöنْدَهُمْ مöنَ الْعöلْمö))([13])، فهو مغرور كأنه هو الذي أوجد هذه الأمور في نفسه فلابد أن يركع العقل والقلب، وكذلك فالنفس فيها الكبر عن أن أحدا غيرها هو الذي يقوم علي أمرها ورعايتها كأنها قاصرة أو عاجزة، فالنفس تريد أن يكون لها سلطة وزعامة وأن تكون هي التي تدير نفسها.
ِ إن مجرد إقتناع الإنسان بأن له ربا وإلاها معناه أن يخضع له ويحبه، لكن يحدث إنفصام بين الإقتناع والشعور بالخضوع والحب بسبب تكبر النفس، والخضوع هو أصعب شعور علي النفس: ((إöنْ فöي صُدُورöهöمْ إöلَّا كöبْرñ))([14]) ويقول ابن تيمية: ((التصديق الجازم قد لا يتبعه عمل القلب بتمامه لعارض من الأهواء كالكبر والحسد ونحو ذلك من أهواء النفس))().
2ِ صعوبة الشعور بالقضاء والقدر: فالإنسان يريد أن يكون هو الفاعل وليس المفعول به بحيث أن غيره يفعل به ما يشاء لأن ذلك معناه أن ينزع صفة الإرادة التي يتمتع بها لينسب ملكيتها إلى الله.
3ِ صعوبة الشعور بالقرآن: فالنفس لا تريد أن يملي عليها أحدا أوامر وشروط وأن تسير وفقا لغيرها فيكون أحدا آخر يديرها.
()العقيدة الأصفهانية ( ج : 1 ، ص : 180)