5- تبني منهج التيسير:
ومن خصائص فقه الأقليات: تبني منهج التيسير ما وجد إليه سبيل، اتباعاً للتوجيه النبوي: حينما بعث أبا موسى ومعاذا إلى اليمن، فأوصاهما بقوله: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا وحلا تنفرا" وروى عنه أنس: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا".
ولا شك أن الناس تختلف طبائعهم، فمنهم الميسر بطبعه، ومنهم المشدد، وكل ميسر لما خلق له، وقد عرف تراثنا الفقهي: شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس.
والمعروف أن الصحابة – بصفة عامة – كانوا أكثر تيسيرا من تلاميذهم من التابعين، كما أن التابعين كانوا أكثر تيسيرا ممن بعدهم.
فالفقهاء في عهد الصحابة ومن بعدهم كانوا أميل إلى الأخذ بالأيسر، والذين جاءوا من بعدهم كانوا أميل إلى الأخذ بالأحوط، وكلما نزلنا من عصر إلى عصر زادت كمية (الأحوطيات). وإذا كثرت الأحوطيات وتراكمت كونت ما يشبه الإصر والأغلال التي بعث النبي صلى الله عليه وسلم ليضعها عن الناس {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} (الأعراف: 157).
وإنما اختار الصحابة منهج التيسير والتخفيف، لأنهم وجدوا هذا هو منهج القرآن الكريم، ومنهم هذا الدين الذي شرع الرخص في المرض والسفر، وأجاز تناول المحرمات عند المخمصة والضرورة، وأجاز التيمم لمن لم يجد الماء، إلى غير ذلك من الأحكام التي تتضمن التخفيف. ولذا عقب القرآن على أحكام آية الطهارة بقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} (المائدة: 6)، وعقب على آية أحكام الصيام بقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (البقرة: 185)، وعقب على أحكام النكاح بقوله {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً} (النساء: 28).
كما وجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تيسيرا، وأشدهم ضد الغلو والتنطع في الدين، فروى عنه ابن مسعود "هلك المتنطعون" قالها ثلاثا، وروى عنه ابن عباس: "إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين".
وأنكر على من مال إلى الغلو في عبادته تقليداً لرهبان النصارى وغيرهم، كما فعل مع عبدالله بن عمرو بن العاص، ومع الغلاة الذين قال أحدهم: أنا أصوم فلا أفطر، وقال الثاني: أنا أقوم الليل فلا أنام، وقال الثالث: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً... ورد على عثمان بن مظعون إرادته للتبتل، وأنكر على معاذ بن جبل إطالة الصلاة بالناس، وقال له: أفتان أنت يا معاذ؟ ثلاثا، وغضب على أبي ابن كعب غضباً شديداً حين بلغه طول صلاته بالناس، وقال: "إن منكم منفرين، من أم الناس فليتجوز".
وأنكر على بعض الصحابة الذين أفتوا رجلا أصابته جراحة – وقد أصابته جنابة – أن يغتسل، فمات من ذلك، فقال: قتلوه، قتلهم الله، هلا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم"!
من هنا تعلم الصحابة التيسير، شربوه من الهدي النبوي.
وينبغي الاستئناس هنا بقول الإمام سفيان بن سعيد الثوري – رضي الله عنه -: إنما الفقه الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد.
وهذا قول رجل انعقدت له الإمامة في ثلاثة مجالات: في الفقه، حيث كان له مذهب متبوع لمدة من الزمن، وفي الحديث، حيث سمي (أمير المؤمنين في الحديث). وفي الورع والزهد، حيث كان من الشيوخ المقتدى بهم في هذا الجانب.
كما يحسن بنا أن نذكر هنا ما كان يذكره الفقهاء المتأخرون في ترجيح بعض الأقوال على بعض، فيقولون: هذا القول أرفق بالناس.