فقه خاص في دائرة الفقه العام:
ثالثاً: إن (فقه الأقليات) المنشود، لا يخرج عن كونه جزءا من (الفقه العام). ولكنه فقه له خصوصيته وموضوعه ومشكلاته المتميزة، وإن لم يعرفه فقهاؤنا السابقون بعنوان يميزه، لأن العالم القديم لم يعرف اختلاط الأمم بعضها ببعض، وهجرة بعضها إلى بعض، وتقارب الأقطار فيما بينها، حتى أصبحت كأنها بلد واحد، كما هو واقع اليوم.,
وإذا كان عندنا الآن ما يمكن أن نسميه (الفقه الطبي) المتعلق بالصحة والمرض وعلاج الأمراض، والمشكلات الخاصة بالطب وتطوراته ومستجداته... وكان عندنا ما يسمى (الفقه الاقتصادي) وهو المتعلق بشئون المال والاقتصاد والزكاة والمعاملات والبنوك وغيرها، وهو فقه اتسع نطاقه في عصرنا وتنوعت بحوثه ودراساته إلى حد بعيد...
وكذلك عندنا ما يمكن أن نسميه (الفقه السياسي)، وهو ما يتعلق ببناء الدولة المسلمة ومؤسساتها الشورية والقضائية والتنفيذية والعسكرية، وموقف هذه الدولة من الديموقراطية والتعددية، وغير المسلمين والسلام والحرب ونحوها...
إذا كان عندنا هذه الأنواع من الفقه، فلماذا لا يكون عندنا (فقه الأقليات) كي يهتم بعلاج مشكلاتهم، والإجابة عن تساؤلاتهم. وإن كانت كل هذه الأنواع من الفقه لها جذور في فقهنا الإسلامي، ولكنها غير منظمة، وهي مجملة غير مفصلة، ناقصة غير مكتملة، مناسبة لعصرها وبيئتها. لأن هذه طبيعة الفقه، ولا يتصور من فقه عصر مضى أن يعالج قضايا عصر لم تنشأ عنه، ولم يخطر ببال أهله حدوثها.
ضرورة الوجود الإسلامي في الغرب:
رابعاً: أود أن أشير هنا إلى حقيقة مهمة، ينبغي لنا – نحن المسلمين – ألا نغفل عنها، وهي: أنه يجب أن يكون للمسلمين – بوصفهم أمة ذات رسالة عالمية – (وجود إسلامي) ذو أثر، في بلاد الغرب، باعتبار أن الغرب هو الذي أصبح يقود العالم. ويوجه سياسته واقتصاده وثقافته. وهذه حقيقة لا نملك أن ننكرها.
فلو لم يكن للإسلام وجود هناك، لوجب على المسلمين أن يعملوا متضامنين على إنشاء هذا الوجود، ليقوم بالمحافظة على المسلمين الأصليين في ديارهم، ودعم كيانهم المعنوي والروحي، ورعاية من يدخل في الإسلام منهم، وتلقي الوافدين من المسلمين، وإمدادهم بما يلزمهم من حسن التوجيه والتفقيه والتثقيف. بالإضافة إلى نشر الدعوة الإسلامية بين غير المسلمين.
ولا يجوز أن يترك هذا الغرب القوي المؤثر للنفوذ اليهودي وحده، يستغله ويوجهه لحساب أهدافه وأطماعه، ويؤثر في سياسته وثقافته وفلسفاته، ويترك بصماته عليها. ونحن المسلمين بمعزل عن هذا كله، قابعون في أوطاننا، تاركين الساحة لغيرنا، في حين نؤمن نظريا بأن رسالتنا للناس جميعا وللعالمين قاطبة. ونقرأ في كتاب ربنا {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء: 107). {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً} (الفرقان: 01).
ونقرأ في حديث نبينا "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة". متفق عليه عن جابر.
ومن هنا لا مجال للسؤال عن جواز إقامة المسلم في بلد غير مسلم، أو في (دار الكفر) كما يسميها الفقهاء، ولو منعنا هذا – كما يتصور بعض العلماء – لأغلقنا باب الدعوة إلى الإسلام وانتشاره في العالم. ولانْحصر الإسلام من قديم في جزيرة العرب ولم يخرج منها.
ولو قرأنا التاريخ وتأملناه جيدا، لوجدنا أن انتشار الإسلام في البلاد التي تسمى الآن: العالم العربي، والعالم الإسلامي، إنما كان بتأثير أفراد من المسلمين، تجار أو شيوخ طرق، ونحوهم، ممن هاجروا من بلادهم إلى تلك البلاد في آسيا وإفريقيا، واختلطوا بالناس في بلاد الهجرة، وتعاملوا معهم، فأحبوهم لحسن أخلاقهم وإخلاصهم، وأحبوا دينهم الذي غرس فيهم هذه الفضائل، فدخلوا في هذا الدين أفواجا وفرادى.
حتى البلاد التي دخلتها الجيوش الإسلامية فاتحة، إنما كان قصدها بالفتح إزاحة العوائق المادية من طريق الإسلام، حتى تبلغ دعوته للشعوب، ليمكنهم أن يختاروا لأنفسهم، وقد اختارت الشعوب هذا الدين راضية مختارة، حتى كان ولاة بني أمية في مصر يفرضون الجزية على من أسلم من المصريين لكثرة الداخلين في الإسلام، حتى أبطل عمر بن عبدالعزيز، وقال قولته الشهيرة لواليه: "إن الله بعث محمدا هاديا، ولم يبعثه جابيا".