9- التحرر من الإلتزام المذهبي:
ومن الضروري في فقه الأقليات خاصة – وفي الفقه المعاصر بصفة عامة – ألا يضيق المفتي المسلم على الناس بالتزام مذهب معين، لا يخرج عنه بحال، وإن كان فيه من التضييق على عباد الله ما فيه، وربما كان مأخذه ضعيفا، ودليله غير مُرْضٍ عند التحقيق.
والأولى بالمفتي المعاصر: أن يخرج بالناس من سجن المذهبية الضيقة إلى باحة الشريعة الواسعة، بما فيها المذاهب المتبوعة، والمذاهب المنقرضة، وأقوال الأئمة الذين لم يعرف لهم مذهب يتبع، وهم جد كثيرين. وفوق هؤلاء جميعا، أقوال علماء الصحابة، الذين هم مصابيح الدجى، وأئمة الهدى، وهم شيوخ الجميع بلا منازع، وهم الذين تخرجوا في مدرسة النبوة، وربوا في حجر الرسالة، مع فطرة نقية، وأنفس زكية، وقلوب مشرقة بنور الإيمان، وفهم سيلقي للغة العرب، فلا غرو أن يكونوا أقرب ممن بعدهم إلا الاهتداء إلى الحق والصواب، وإن لم يكونوا معصومين، فلا عصمة لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إننا قد نرى بعض المذاهب تشدد في مسألة، على حين يخفف فيها مذهب آخر أو مذاهب أخرى. وبعضها يضيق في قضية غاية التضييق، وغيره يوسع فيها غاية التوسعة، وهذا يعطينا فرصة للموازنة والترجيح، واختيار ما هو أهدى سبيلا، وأرجح دليلا. ومن هذه الأدلة المعتبرة: أن يكون الرأى أو المذهب إلى أدنى تحقيق مقاصد الشرع، ومصالح الخلق، فما قامت الشريعة إلا لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد.
وهنا يلزم الفقيه أو المفتي أو الباحث الشرعي، أن يسبح سبحا طويلا في آفاق الفقه، بمختلف مدارسه ومشاربه، ولا يقف عند الرأي السائد والشائع، فكم من آراء رشيدة مخبوءة في بطون الكتب لا يعلمها إلا القليلون، أو لعلها لا تعلم إلا بالبحث والتفتيش، وكم من آراء مهجورة، تستحق أن تشهر، وآراء ضعفت في زمنها، يجدر بها أن تقوى الآن، وكم من آراء أهيل عليها التراب لأنها لم تجد من ينصرها ويدفع عنها، أو لأنها كانت سابقة لزمنها، فلعلها لم تكن صالحة لذلك الزمن، وهي صالحة لزماننا هذا.
ولعل أبرز مثال لذلك: آراء شيخ الإسلام ابن تيمية في الطلاق ونحوه، فقد رفضها أكثر أهل عصره، واتهموه من أجلها بتهم شتى، وحاكمه علماء وقته، ودخل السجن أكثر من مرة من أجل آرائه هذه.
والآن نرى كثيرين من علماء العصر يفتون بها، إذ يرون فيها إنقاذ الأسرة المسلمة من الانهيار بسبب كثرة إيقاع الطلاق، مع حرص الزوجين على بقاء العشرة.
ولو أردت أن أضرب مثلا لذلك في موضوعنا، لوجدت أمثلة شتى.
من ذلك: ما يتعرض له كثير من الذين يهديهم الله للإسلام، فيدخلون في دين الله، من الرجال والنساء، ثم يتوفى آباؤهم أو أمهاتهم، وقد تركوا وراءهم تركات كثيرا ما تكون كبيرة، فهل يسع المسلم والمسلمة أن يرث هذا المال من أبيه أو أمه؟ والقوانين تجعل له الحق في الميراث، وهو وأسرته في حاجة إليه، وإخوانه من المسلمين من حوله في حاجة إليه؟
إن الذي يكتفي بالمذاهب الأربعة المشهورة عند أهل السنة، بل الذي يقرأ المذاهب السبعة أو الثمانية (بزيادة مذهب الجعفرية والزيدية والإباضية والظاهرية) يجد أن اختلاف الدين مانع من موانع الميراث المشهورة، وهم يستندون في ذلك إلى الحديث المشهور "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" والحديث الآخر: "لا يتوارث أهل ملتين".
ولكن من يبحث خارج المذاهب الأربعة يجد قولا معتبرا بجواز توريث المسلم من الكافر، وهو رأي قال به بعض الصحابة والتابعين، فقد روي عن معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، من الصحابة، كما روي عن محمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسن، وسعيد بن المسيب، ومسروق بن الأجدع، وعبدالله ابن مغفل، ويحيى بن يعمر، وإسحاق بن راهويه.
وقد رجح هذا الرأي شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه المحقق ابن القيم – رحمهما الله – وهو ترجيح له وزنه وقيمته في عصرنا.
وأول أصحاب هذا القول (الكافر) في حديث "لا يرث المسلم الكافر" أن المراد به (الكافر الحربي) مثل حمل طائفة من العلماء حديث "لا يقتل مسلم بكافر" على الكافر الحربي. قال ابن القيم: وحمله على الحربي هنا أول وأقرب محملا.
ونجد المذاهب الثلاثة تشدد في نجاسة الكلب، في حين يخفف مالك في ذلك، ويرى أن كل حي طاهر، حتى الكلب والخنزير. ويستدل مالك على طهارة الكلب بأن الله تعالى أباح صيده، كما في قوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم} (المائدة: 4).
والقوم في بلاد الغرب مبتلون بالكلاب من حولهم في كل ناحية، فالقول بنجاستها يحرجهم في دينهم، ويضيق عليهم في دنياهم.
ونجد المذاهب الثلاثة تشترط الولي للزواج، وتعتبر العقد باطلا بدونه، ويرى أبو حنيفة أن من حق المرأة البالغة الرشيدة أن تزوج نفسها، بشرط أن يكون الزوج كفئا لها. وهذا كثيرا ما يحتاج إليه في ديار الغرب.
وقد قال الإمام بن قدامة في (المغني) بعد أن رجح اشتراط الولي في عقد النكاح: فإن حكم بصحة هذا العقد حاكم، أو كان المتولّي لعقده حاكما، لم يجز نقضه. لأنها مسألة مختلف فيها، يسوغ فيها الاجتهاد، فلم يجز نقض الحكم له، كما لو حكم بالشفعة للجار.
ومثل ذلك إذا أسلمت الزوجة الكتابية – كالمسيحيات في الغرب – ولم يسلم زوجها معها، فالرأي السائد في المراجع الفقهية للمذاهب الأربعة، بل المذاهب الثمانية: أن الواجب هو التفريق بينها وبين زوجها، إما في الحال، أو بعد انقضاء العدة، أو بعد أن يعرض الإسلام على الزوج فيأبى.
وهذا هو الذي يفتي به عامة العلماء في عصرنا في أوروبا وغيرها، وهو لا شك يحدث مشكلة إذا كانت المرأة متعلقة بزوجها، ولم يسيء إليها، ولم يضق بإسلامها، وخصوصا إذا كان لها منه أولاد وذرية ضعاف.
فإذا خرجنا عن دائرة المذاهب المتبوعة، ورجعنا إلى الفقه العام، وإلى آثار الصحابة وتابعيهم بإحسان، رأينا في الأمر سعة، لم نكن نتصورها، فقد ذكر المحقق ابن القيم في المسألة (تسعة أقوال) وردت عن علماء الصحابة والتابعين، نقلتها المصادر الموثقة مثل مصنف عبدالرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، وشرح الآثار للطحاوي، وسنن البيهقي، وأمثالها.
منها: ما يجعل للزوجة حق البقاء مع زوجها دون أن يعاشرها، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم.
ومنها: ما يخيرها بين تركه والإقامة معه.
ومنها: ما يقرها على الإقامة معه، ما لم تخرج من مصرها.
ومنها: ما يبقي نكاحهما على ما هو عليه، حتى يفرق بينهما سلطان.
وفي هذه الأقوال متسع ليختار منه الفقيه المعاصر ما يراه أرجح وأهدى، وأقرب إلى ترغيب النساء المتزوجات في الدخول في الإسلام، دون أن يخشين فراق من يحببن من الأزواج. وكذلك لا يخشين تشتيت الأولاد، بعد الفراق بين الأم والأبز
وفي هذا كله من التيسير ما فيه، فلماذا نعسر ما يسره الله علينا، ونضيق على أنفسنا – بالتزام مذهب أو مذاهب معينة – وقد وسع الله لنا، وهو يريد بنا اليسر، ولا يريد بنا العسر.
والحق أنه لا يلزمنا شيء إلا ما ألزمنا به الله ورسوله، وهما لم يلزمانا باتباع فلان أوعلان من الناس، إن عظمت منزلته في العلم والاجتهاد.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.