ولقد مرت الأقليات المسلمة في صلتها بالإسلام – فكرا وشعورا وسلوكا – بمراحل متفاوتة وخصوصا فئات المهاجرين من أوطان الإسلام الأصلية.
في المرحلة الأولى كانت (ضياعا) بمعنى الكلمة. لم يكن هناك وعي، ولا حتى إحساس كاف بالانتماء الإسلامي، أو الهوية الإسلامية.
بدأ ذلك من بعد الحرب العالمية الأولى، حيث هزمت دولة الخلافة، وانتصر الحلفاء، وتألق العالم الغربي بحضارته، وانسحب العالم الإسلامي ليدخل تحت سلطان الاستعمار، الذي لم يكن قد دخل بلدانه من قبل.
كانت الأقليات الإسلامية أو قل: ما اعتبر أقليات إسلامية – في ذلك الوقت تمثل صنفين من المسلمين:
1- أهل البلاد الأصليين
2- المهاجرين الجدد من العالم الإسلامي
أما أهل البلاد الأصليون فكان معظمهم في (أوربا الشرقية) وفي داخل (روسيا) تحت مطارق الحكم الشيوعي، ومنهم: أهل البوسنة والهرسك وكسوفا ومقدونيا وألبانيا وبلغاريا، وغيرها. فهؤلاء قد عزلوا عن الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا وثقافة، كما عزلوا عن سائر الأمة الإسلامية. فأصبح هؤلاء جاهلين بالإسلام من ناحية الفكر، بعيدين عن الإسلام من ناحية السلوك، فكل ما يربطهم بالإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، التي يلقنها الآباء والأمهات للأبناء والبنات، دون أن يعرفوا حقيقة مدلولها، وما تقتضيه من قائلها من التزام بفرائض تؤدى، ومحرمات تجتنب، ومع هذه الشهادة عاطفة إسلامية غامضة نحو الإسلام، وشخصية الرسول – صلى الله عليه وسلم – والقرآن الكريم، أو المصحف الشريف الذي يعرفون اسمه، ويقدسون رسمه، ولا يعرفون حتى تلاوته. ومع هذا لم يكونوا يجدون هذا المصحف إلا بصعوبة، ومن وجده منهم – بطريقة أو بأخرى – فكأنما عثر على كنز عظيم.
وقد أدخل في دائرة (الأقليات المسلمة) في ذلك الوقت المسلمون في (الجمهوريات الإسلامية الآسيوية) في الاتحاد السوفيتي، مثل: أوزبكستان، وطاجيكستان، وكازاخستان، وأذربيجان، وغيرها، باعتبارها ضمت قسرا إلى الاتحاد السوفيتي، وأصبحت جزءا من كيانه السياسي، فاعتبرت أقليات من هذه الحيثية، وكنت أقول في ذلك الوقت: إن هذه (أقطار إسلامية) كاملة، لا يخرجها عن وصفها الإسلامي ضمها بالقوة إلى السوفييت.
على كل حال، كان هذا هو وضع الأقليات المسلمة من أهل البلاد الأصليين.
أما وضع المهاجرين من البلاد العربية والإسلامية، فقد كانوا قليلين في أول الأمر، وكان معظم المهاجرين من أناس لم يكن تدينهم راسخا، وكانوا يبحثون عن الرزق وعن المال، وأما هذا العالم فلم يكونوا يعرفون عنه شيئا. وقد هاجروا من بلاد ضعف شأن الإسلام فيها، فكان وضعهم الخاص، ووضع قومهم العام – مع ظهور العالم الغربي في أوج قوته وانتصاره – يجعل هؤلاء لا يفكرون في هويتهم ومتطلبات دينهم، فكانت النتيجة أن ضاع الجيل الأول والثاني من هؤلاء وخصوصا الجيل الأول، فقد ذاب تمام في المجتمع الجديد، إذ لم يكن له من عقيدته ووعيه عاصم يعصمه من الذوبان، ولا يوجد من حوله أية (محاضن) تحتضنه أو (حراسة) تحميه.
وأبرز ما يتجلى ذلك في المهاجرين الأوائل إلى (أستراليا) ، وكانوا من الأفغان، وأكثرهم من الأميين، فبني الجيل الأول منهم مساجد، ولكنهم تزوجوا أستراليات، ونشأ أولادهم على دين أمهاتهم، وبعد ذلك رأينا (المساجد) هناك (أبنية) فقط، ولا يوجد من يعمرها بالصلاة والعبادة والعلم.
ومثل ذلك في (أمريكا الجنوبية) وخصوصا في (الأرجنتين)، فقد فني الجيل الأول في أهل البلاد، حتى رأينا منهم من تنصر علنا (مثل كارلوس منعم) وغيره.
ثم بدأ المسلمون المهاجرون ينفضون غبار الغفلة عن أعينهم، ويشعرون بالحنين إلى أصلهم، وبالهوية الدينية لهم، وبأن لهم عقيدة تخصهم، ورسالة تميزهم، وطفقوا يتصلون بإخوانهم المسلمين داخل العالم الإسلامي، يطلبون منهم المساعدة في بناء المساجد، وإرسال العلماء والدعاة.
وربما كان هذا التنبه الجديد، ثمرة لعناصر جديدة لحقت بالمهاجرين القدامى، فأحيت مواتهم، وحركت سواكنهم. وهي عناصر ربما دفعها إلى الهجرة الاضطهاد في وطنهم الأصلي، فهاجرت بدينها إلى تلك البلاد، لتبذر فيها بذورا جديدة، يخرج الله منها ثمرات مختلفا ألوانها {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء@ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} (إبراهيم: 24-25).
وبهذا بدأ عصر جديد للأقليات المسلمة، ولا سيما المهاجرة. تطور هذا العصر من مرحلة إلى مرحلة، ومن درجة إلى درجة أقوى منها وأرسخ، حتى انتهى إلى ما نراه ونلمسه اليوم في أوربا والأمريكتين وأستراليا، وبلاد الشرق الأقصى وإفريقيا، وهو ما يمكن أن نسميه (عصر الصحوة الإسلامية).
وأدركت هذه الصحوة الجديدة المسلمين الأصليين، فاستيقظوا من سباتهم العميق، وشرعوا ينضمون بقوة – تتفاوت من بلد إلى بلد – إلى الركب الإسلامي المتحرك.
ويمكننا أن نقسم مراحل هذا العصر الجديد للأقليات إلى ما يأتي:
1- مرحلة الشعور بالهوية.
2- مرحلة الاستيقاظ.
3- مرحلة التحرك.
4- مرحلة التجمع.
5- مرحلة البناء.
6- مرحلة التوطين.
7- مرحلة التفاعل.
ونحن الآن في مرحلة هذا التفاعل الإيجابي مع المجتمع، فلا مجال في هذه المرحلة للعزلة والانكفاء على الذات، والحذر من مواجهة الآخرين، فقد غدت الأقليات المسلمة واقفة على أرض أصلية، واثقة من نفسها، معتزة بذاتها، قادرة على التعبير عن هويتها، والدفاع عن كينونتها وإبراز خصائصها، وتقديم ما عندها من رسالة حضارية للبشرية.
وهي في هذه المرحلة تستكمل مؤسساتها العلمية والتربوية والدعوية، فقد كانت في وقت ما معنية أبلغ العناية بإنشاء (المسجد)، وكانت ضرورية، لأنها المؤسسة الأولى في المجتمع المسلم.
ثم تطورت فأصبحت تعنى بإنشاء (المدرسة) ليتعلم فيها أبناء المسلمين أصول دينهم، كما يتعلمون المناهج الدراسية المقررة على أمثالهم.
ثم تطورت أكثر فأصبحت تنشئ المعاهد العليا والجامعات المتخصصة في الدراسات الإسلامية، لتخريج الإمام والداعية المعاصر، والمعلم المؤهل المعاصر، والعالم الشرعي المعاصر الذي ينهل من الثقافة الإسلامية الأصلية، ويعيش في عصره وتياراته ومعارفه ومشكلاته وتطوراته، ويجتهد أن يأخذ من الشرع ما يحل به مشكلات العصر.