وصدر هذا الملف الضخم من مدرسة الإسماعيلية الابتدائية إلى وزارة المعارف ووزيرها حينذاك فيما أظن علي ماهر، وبعد قليل فوجئنا بزيارة علي بك الكيلانى مراقب عام التعليم الابتدائي للإسماعيلية. وفي الحصة الثانية زارني ومعه ناظر ووقف يتأمل ملياً في هذا المدرس. ثم التفت إلى الناظر مبتسما وقال: “ هو ده كله الأستاذ حسن” فابتسم الناظر أيضا وقال: أهوه ده يا بيه ! وابتسمت بدوري وقلت: يا بيه يضع سره، وانصرفا وأتممت الدرس وخرجت فسلمت بدوري على المراقب في حجرة الناظر وعرفت منه أنه سيقضي ليلته بالإسماعيلية وحدثني فقال: لقد أرعبتنا عريضتك هذه يا أستاذ، إن رئيس الحكومة حولها إلى وزير المعارف وهو حولها إلي فقلت: وما شأني أنا برجل شيوعي فوضوي يجمع الملايين ويتبعه الآلاف كما تقول هذه العريضة، وحولها إلى المراقب العام المساعد عبد الرحيم بيك عثمان فجاءني يقول: وإذا كان شأن هذا المدرس هكذا فماذا نصنع معه؟ إنه خطر شديد الخطورة، وقد يكون وراء تحقيقنا معه ما وراءه.
وخطر ببالنا ونحن نتفاهم احتمال كذب هذه العريضة ولفت نظرنا لذلك ما فيها من تناقض فقلنا: أسلم الطرق تحويلها للناظر وقد كانت التقارير التي جاءتنا وافية شافية، ولكنى اشتقت إلى الرجل الذي أثار هذه الضجة فجئت لأزورك زيارة شخصية فلا تعتبرها زيارة تفتيش أو رسميات ولكن جئت لرؤيتك فقط، فشكرت له ذلك وانتهزتها فرصة وقلت له: ذلك جميل يا سيدي ومن حقي عليك إتماماً للزيارة وللجميل أن تزور بناء المسجد والمدرسة لترى بنفسك أثراً من أثار هذه الدعوة والجماعة فوعد بذلك آخر النهار وجهز الإخوان أنفسهم وفي وسط البناء نظموا حفل شاي متواضع واستعد خطباؤهم وزجالوهم للقول، وبر الرجل بوعده وحضر وهو يظن أنها مجرد زيارة ففوجئ بهذا الشاي، ودعوت في هذه الفترة القصيرة الأعيان وكبار الموظفين بالبلد وشددت في دعوة المغرضين والمشتركين في العريضة ليروا بأنفسهم حبوط فتنتهم. والتأم الجمع وانتظم الحفل وتعاقب الخطباء ودهش الرجل وبخاصة حين كان يسمع أن هذا الخطيب نجار والآخر جنايني والثالث مكوجي وهكذا فقال: عجيب هذه أعجب مدرسة رأيتها، ولم يتمالك نفسه بعد نهاية الخطب أن قام فتناول وساما من أوسمة الإخوان” وكان شارة الإخوان إذ ذاك وساما من الجوخ الأخضر كتب عليه الإخوان المسلمون، فلبسه وأعلن انضمامه للجماعة وحيا المجتمعين بكلمات طيبات”.
ولا زلت أذكر قولته: لا أجد لهذه المدرسة ولا لرئيس هذه الجماعة وصفاً إلا أن أقول إنها مدرسة عجيبة ورجل مدهش، وأنا منذ هذه اللحظة عضو بالإخوان المسلمين إن قبلتموني معكم وبقي لي في المعارف أشهر قليلة أكون بعدها في المعاش وأعاهدكم أنني سأقف كل جهدي ووقتي على خدمة هذه الدعوة إن أحياني الله، وكأنما كان الرجل يحس بدنو أجله فما إن خرج إلى المعاش حتى وافاه الأجل المحتوم بعده بقليل فاحتسبناه واحتسبته الدعوة، ومات من المجاهدين بالنيات رحمه الله رحمة واسعة.