زرت السويس زيارة عابرة لمقابلة الأستاذ السيد محمد الحافظ التيجاني هناك ورؤية بعض الأصدقاء والمدرسين، وكان هناك إذ ذاك فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو السعود القاضي الشرعي، وقد أحدث بها حركة علمية طيبة. وجمع من حوله العلماء يتدارسون ويتذاكرون ويعظون الناس فزرت مجلسه بمسجد الغريب وتحدثت إلى بعض الأئمة والعلماء عن الدعوة ولقيت عرضاً الأستاذ محمد الهادي عطية المحامي الشرعي وصديقه الحميم محمد حسن السيد رحمه الله. وتحدثنا حديثاً عابراً وإن كنت قد آنست استعداداً طيباً، ودعيت لزيارة السويس مرة ثانية فزرتها كذلك واتصلت بالأخوين ومعهما الأخ المفضال الأستاذ محمد الطاهر منير أفندي والأخ العزيز الشيخ عبد الحفيظ والأخ العزيز الشيخ عفيفي الشافعي عطوة، وكان عن هذا اللقاء إنشاء شعبة للإخوان بالأربعين يرأسها الأخ الشيخ عفيفي الشافعي تطورت حتى صارت منطقة بها أكثر من شعبة ولها دار فخمة وبناء ضخم عظيم وتتبعها شعب البحر الأحمر في الغردقة ورأس غارب والقصير وسفاجة إلخ. وتجمع نخبة صالحة من أكرم القلوب وأطهر النفوس.
ولن أنسى أبدا ليلة” الحصيرة” إذ جلسنا أمام منزل الأخ حسن أفندي أغدق الله عليه شآبيب رحمته وأفسح له في جنته إذ كانت ليلة نقاش علمي هادىء أولاً وأسئلة دقيقة في مختلف الفنون، وأذكر منها استشكال الأخ الشيخ عبد الحفيظ إذ لاحظ في الآية الكريمة من سورة” ص” قول سليمان عليه السلام: “ قال رب اغفر لى وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب” فقال الشيخ عبد الحفيظ إن سؤال المغفرة فيه شعور بشيء من التقصير وسؤال الملك فيه شعور بالرضا والتكريم فكيف يتفقان ويصدران عن شخص واحد في حال واحدة فكان الجواب: أن سليمان عليه السلام قال: لأطوفن الليلة على نسائي فتلد كل واحدة منهن ولدا يعبد الله ويساعد على انفساح رقعة الملك وزيادة سلطانه وكأنه عليه السلام في تلك الساعة كان يلحظ السبب فلم يحمل منهن إلا واحدة ووضعت ولداً مشوهاً القته القابلة على كرسيه جسداً ناقصاً فتذكر أنه أراد الاستعانة بالأولاد على الملك والملك هبة من الله يعطيها لمن يشاء من عباده فاستغفر عن شعوره الأول وسأل الله ملكا بغير واسطة” إنك أنت الوهاب” فكان سؤال الملك هنا توكيداً للبراءة من الشعور الذي كان سبباً في هذا الامتحان وكان هذا الجواب محل إعجاب الجميع.
وانتهي هذا الجدل العلمي إلى حالة روحية عجيبة هبت علينا فيها نسمات السحر فما كنت ترى إلا باكياً أو تائباً أو مستغفراً حتى برق الصبح وجددنا التوبة ووثقنا البيعة وأكدنا العهد وصلينا الفجر، ومن فضل الله أن الذين بايعوا هذه البيعة لم ينقضوها” فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا”.
ولن أنسى أبدا” عود ثمر الحناء” فقد زرت في إحدى زيارات السويس منزل أحد الإخوان فوجدت على المنضدة كتاب سفر السعادة للفيروز أبادى وفتحته فإذا بي أقرأ: وكان صلى الله عليه وسلم يحب ثمر الحناء فشعرت بشوق شديد إلى عود من ثمر الحناء اقتداء به صلى الله عليه وسلم وأنى لي به وأنا في بلد غير بلدي ودار غير داري؟ وخرجنا إلى دار الإخوان ووقفت أتحدث إليهم وظهري إلى شباك عليه وبجواره صبية ينظرون وإذا بأحدهم يدعو الشيخ الهادي عطية حتى إذا خرج إليه أعطاه عودا ضخما من ثمر الحناء، وقال له وأنا أسمع: أعط هذا للشيخ المنشد، مشيرا إلي، وجاء الشيخ الهادي يقدم إلي العود قائلاً: هذه هدية صبيان الأربعين إليك، فقلت: وأنا أبتسم: هاتها، فليست هدية الأربعين ولكنها نفحة من ذكريات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظللت مسرورا يومي هذا لهذا التوافق الطيب.
وللسويس في النفس ذكريات لا تنسى جزاها الله خيراً وباركها وأهلها الطيبين الفضلاء.