وفي إحدى حفلات بور سعيد حضر وفد من إخوان البحر الصغير من الجمالية فيه الأخ محمود أفندي عبد اللطيف من الجمالية وفيه الأخ عمر أفندي غنام وكيل شركة سنجز بالمنزلة دقهلية، ولم يكن حضورهم قصداً ولكن الحفل اجتذبهم فحضروا، واستمعوا إلى ما ألقي في المحاضرة العامة ثم تخلفوا بعد ذلك وأخذوا يناقشون أهداف الدعوة وغاياتها ثم انصرفوا بعد ذلك على أنهم سيحملون أعباءها في منطقتهم: منطقة البحر الصغير.
ولم يمض كثير من الوقت حتى وردت المراسلات تترى منهم وتأسست أول شعبة للإخوان بالبحر الصغير في المنزلة ورأسها فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ مصطفي الطير المتخرج من الأزهر حينذاك والمدرس الآن بمعهد القاهرة وتأسست بعد ذلك شعبة الجمالية في منزل آل عبد اللطيف وتأسست شعبة” جديدة بالمنزلة” في منزل آل طويلة وأخذت الدعوة تحتل مكانها في هذا الجزء الكريم من الوطن العزيز.
وزرت هذه الشعبة بعد ذلك في آخر أيام الإسماعيلية عن طريق بور سعيد زيارة كانت عظيمة الخير والبركة. إذ بعثت في النفس أملاً عظيماً في النجاح. ومن الطرائف أن وصلت إلى المطرية فرأيت نخبة من كرام أهل المنزلة في استقبالي، وكان تبسم عند اللقاء بصورة تلفت النظر حتى إذا وصلنا المنزلة ودخلنا دار الإخوان وكانت غاصة بكرام المستقبلين من السادة الفضلاء والعلماء الأجلاء والأعيان وذوي الوجاهة، إلى جم غفير من الشعب المؤمن، فكان تبسم كذلك له معناه، وسألت الشيخ مصطفي الطير على انفراد ما معنى هذا؟ فقال معناه أنك فاجأت الناس بما لم يكونوا ينتظرون، فهم كانوا يترقبون أن يروا شيخاً فخما ضخماً كبير السن جليل المظهر، فإذا بهم يلقون فتى لم يصل إلى الخامسة والعشرين فعلينا إذن أن نعيد إلى نفوسهم الطمأنينة وأن نبذل الليلة جهداً كبيراً في الإقناع، فقلت يا أخي التوفيق بيد الله والتأييد من الله وحده، وإن يرد خيرا يمضه والمرء بأصغريه وقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، وكان معي فضيلة الأخ الجليل حامد عسكرية رحمه الله فقلت والبركة في الأخ العزيز فهو يسد الثغرة وينقذ الموقف بإذن الله.
وألقيت كلمة في المساء في سرادق غاص بالأهلين لا يبلغ البصر مداه، وفي نهايتها أقبل الكثير يصارحونني بشعورهم وبأنهم في تلك اللحظة كانوا يترقبون أن يروا مظهراً فرأوا مخبراً، وذلك من فضل الله.
وتوالت الزيارات بعد ذلك لهذا الإقليم وكثرت شعبه يرعاها كرام الناس فيه: في المطرية وفي ميت خضير وفي ميت البصراط وفي ميت سلسيل وفي برمبال القديمة وفي ميت عاصم وفي الكفر الجديد، وفيه الآن منطقتان للإخوان: منطقة المنزلة ومنطقة ميت عاصم، وفي هذه الفترة تعرفنا إلى الدكتور حلمي الجيار وإلى آل سويلم بالبرمبال، وإلى آل قداح بميت سلسيل، وآل الهواري بالكفر الجديد، وكانت الدعوة محل إعجاب الجميع وتقديرهم ومناصرتهم إلى الآن.
ومما يذكر بالخير أن الحملة التي وجهت إلى التبشير والمبشرين سنة 32 ميلادية كانت شرارتها الأولى الحقيقية المنزلة وإن اشتعلت في بور سعيد ثم امتدت بعد ذلك إلى نواح كثيرة في القطر المصري ونتج عنها عدة منشآت وملاجئ ومؤسسات لا تزال قائمة إلى الآن.