النظام الديمقراطي يعني حكم الشعب للشعب وفق آليات محددة، والحركة الإسلامية اليوم لا تطلب سوى أن يفسح لها المجال لتخاطب الشعب، فإن تلقف الناس الدعوة بالقبول كان في ذلك السبيل الأسلم لتحكيم شرع الله، وإن لم يتلقفها فلا إكراه في شكل الحكم كما لا إكراه في الدين، ولكن تجارب الإسلاميين تدل على أن الخير موجود في الناس الذين يُقبلون على الإسلام وتعاليمه ما أتيح لهم الخيار، إلا أن الأنظمة الحاكمة إما أن تستوعب الحركة وتميّع طرحها، وإما أن تنقلب عليها وتلقي قادتها في غياهب السجون، حتى أفرغت الديمقراطية من شعارها، خصوصا فيما يتعلق بالإسلاميين، وقد قال بعضهم بحق إن الديمقراطية تعني حكم الشعب وفق أي نظام يرتضونه إلا الإسلام فإن الديمقراطية تنقلب إلى وحشية في محاربته، على اعتبار أن الإسلام يريد أن يستغل الديمقراطية لينقلب عليها ! لذلك فإن السبيل الديمقراطي يفترض وجود هذا النظام حقيقة لا وهما حتى وفق المفهوم الغربي للكلمة، لأنه لا يمكن أن يُعلن عن سُبل قانونية يتوجب الالتزام بها ثم تقوم السلطة بالانقلاب عليها إذا أفضت إلى غير رغبتها. !!
هذا الواقع القاتم لا يعني بحال من الأحوال الاستنكاف عن العمل تحت سقف الديمقراطية لأن لهذا الخيار فوائد جمة، فوجود الإسلاميين في البرلمان منفذ من منافذ الدعوة يطل من خلالها الإسلاميون على الناس بوسطيتهم القرآنية ليبينوا للمضلَلين أنهم ليسوا أعداء للناس وحقوقهم وحرياتهم، كما يصورهم بعض الإعلام، وأنهم مؤتمنون على إرادة الشعب وطموحاته، وأنهم ليسوا مجموعة استغلاليين غايتهم السلطة، كما أن من فوائد انخراط الإسلاميين في آليات الديمقراطية تأمين الحماية للدعوة ما أمكن ورفع صوت الموقف الإسلامي من القضايا الأساسية عاليا، ولقد وجه الأستاذ البنا إخوانه نحو الانتخابات وترشح شخصيا في الانتخابات النيابية عام 1942 إلا أن ظروف الحرب العالمية الثانية حالت دون ذلك، وقد برر ترشحه بقوله: "حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية، وعلى هذا الأساس سيتقدم مرشحو الإخوان المسلمين حين يجيء الوقت المناسب إلى الأمة ليمثلوها في الهيئات النيابية، ونحن واثقون بعون الله من النجاح ما دمنا نبتغي وجه الله". وقال أيضا: "إن الإسلام يطالبنا أن نعلنه في كافة مناحي الحياة والطريق البرلماني هو أقرب الطرق وأفضلها لهذا الإعلان، ولا يخرجها عن صفتها ولا يلونها بغير لونها".