6- مراعاة قاعدة (تغير الفتوى بتغير موجباتها):
ومن أعظم ما يقتضي التخفيف والتيسير: أن يكون المستفتي في حالة ضعف، فيراعى ضعفه ويخفف عنه بقدره. ولهذا يخفف عن المريض مالا يخفف عن الصحيح، ويخفف عن المسافر ما لا يخفف عن المقيم، ويخفف عن المعسر ما لا يخفف عن الموسر، ويخفف عن المضطر مالا يخفف عن المختار، ويخفف عن ذي الحاجة مالا يخفف عن المستغني، ويخفف عن ذي العاهة (الأعمى والأعرج) مالا يخفف عن السليم.
ولهذا كله أدلة من نصوص الشرع وقواعده.
والمسلم في المجتمع غير المسلم أضعف من المسلم في داخل المجتمع المسلم، ولهذا كان يحتاج إلى التخفيف والتيسير أكثر من غيره.
وأحسب أنه مما لا يختلف فيه اثنان: أن الفتوى تتغير بتغير المكان والزمان والعرف، كما قال الإمام ابن القيم الحنبلي، وبينه من قبله الإمام القرافي المالكي، وأكده بعدهم علامة متأخري الحنفية ابن عابدين في رسالته (نشر العرف في بيان أن من الأحكام ما بني على العرف).
ومن ذلك ما روي أن عمر بن عبدالعزيز كان يقضي – وهو أمير في المدينة – بشاهد واحد ويمين، فلما كان بالشام، لم يقبل إلا شاهدين، لما رأى من تغير الناس هنالك عما عرفه من أهل المدينة.
وهو القائل كلمته المشهورة: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور". ومن ذلك ما ذكر: أن أبا حنيفة كان يجيز القضاء بشهادة مستور الحال في عهده – عهد أتباع التابعين – اكتفاء بالعدالة الظاهرة، وفي عهد صاحبيه – أبي يوسف ومحمد – منعا ذلك لانتشار الكذب بين الناس.
ويقول علماء الحنفية في مثل هذا النوع من الخلاف بين الإمام وصاحبيه: إنه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان!!
وقد خالف المتأخرون من علماء المذهب الحنفي ما نص عليه أئمتهم، والمتقدمون منهم في مسائل عدة، بناء على تغير الزمان والحال، وألف في ذلك علامة الحنفية المتأخرين الشيخ ابن عابدين في ذلك رسالته الشهيرة "نشر العرف" وذكر في هذه الرسالة: "أن كثيرا من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولا، للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير، ودفع الضرر والفساد، ولهذا نرى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد (إمام المذهب) في مواضع كثيرة، بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به، أخذا من قواعد مذهبه".
وفي المذهب المالكي نجد ما كتبه العلامة شهاب الدين القرافي في كتابه "الفروق" وكتاب "الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام" منبها على وجوب تغير الحكم إذا كان مبنيا على عادة تغيرت، أو عرف لم يعد قائما.
ومن الأسئلة التي تذكر هنا ما حكي عن الشيخ الإمام أبي محمد بن أبي زيد القيرواني (المتوفى سنة 386هِ) صاحب "الرسالة" المشهورة في فقه المالكية، والتي شرحها أكثر من واحد من جلة علماء المذهب.
فقد رووا أن حائطا انهدم في داره، وكان يخاف على نفسه من بعض الفئات، فاتخذ كلبا للحراسة، وربطه في الدار، فلما قيل له: إن مالكا يكره ذلك، قال لمن كلمه: لو أدرك مالك زمانك لاتخذ أسدا ضاريا!!.
وفي كل مذهب نجد مثل هذه المواقف – على تفاوت فيما بينها – مما يدلنا على مقدار السعة والمرونة التي أودعها الله هذه الشريعة، وجعلها بذلك صالحة لكل زمان ومكان.
ولا نزاع أن من أعظم ما يتغير به المكان اختلاف دار الإسلام عن غير دار الإسلام، فهذا الاختلاف أعمق وأوسع من الاختلاف بين المدينة والقرية، أو بين الحضر والبدو، أو بين أهل الشمال وأهل الجنوب.
ذلك أن دار الإسلام – وإن قصر فيها من قصر، وانحرف من انحرف – تعين المسلم على أداء فرائض الإسلام، والانتهاء عن محارم الإسلام. بخلاف دار غير الإسلام، فلا توجد فيها هذه الفضيلة. ولهذا اعتبر الفقهاء، الجهل بالأحكام في دار الإسلام لا يعتبر عذرا لصاحبه، تخفيفا عنه، لتيسر التعلم لمن أراده في دار الإسلام، بخلاف الجهل في غير دار الإسلام، فقد يكون عذرا للجاهل.