إن تاريخ البشرية هو المحطة الثانية للباحثين في موضوع النهضة حديثاً وقديماً، وهكذا تحركت الفكرة عند الأستاذ البنا، وقادته إلى البحث عن كنوز التاريخ البشري، حيث التاريخ البشري مخزن التجارب الإنسانية الناجحة والفاشلة، وعلى كل من يتحرك لإحداث تغيير اجتماعي في مجتمعه وأمته لابد أن يلم بالتاريخ الإنساني كي يتجنب الوقوع في عثرات مميتة، والتاريخ مدرسة التعليم الأساسية في العلوم الإنسانية، منها يستقي المفكرون نظرياتهم وتصوراتهم عن مسيرة البشرية وإدراك العبرة من حركتها، ولهذا اهتم الأستاذ البنا بدراسة التاريخ دراسة عميقة. وقد أشار إلى ذلك في أكثر من موضع في رسائله، وسنفرد فصلاً كاملاً لهذا الموضوع، وهو الفصل الثاني وحسبنا هنا الإشارة.
ويكفي هنا أن نسجل النظرة التاريخية الثاقبة للأستاذ البنا في رسالة: إلى أي شيء ندعو الناس، حيث يقول:
إن نهضات الأمم جميعها إنما بدأت على حال من الضعف يخيل للناظر إليها أن وصلها إلى ما تبتغي ضرب من المحال، ومع هذا الخيال فقد حدثنا التاريخ أن الصبر والثبات والحكمة والأناة وصلت بهذه النهضات الضعيفة النشأة القليلة الوسائل إلى ذروته ما يرجو القائمون بها من توفيق ونجاح. ومن ذات الذي كان يصدق أن الجزيرة العربية وهي تلك الصحراء الجافة الحافة المجدية تنبت النور والعرفان، وتسيطر بنفوذ أبنائها الروحي والسياسي على أعظم دول العالم؟ ومن ذا الذي كان يظن أن أبا بكر، وهو ذلك القلب الرقيق اللين، وقد انتقضه الناس عليه وحار أنصاره في أمرهم، يستطيع أن يخرج في يوم واحد أحد عشر جيشاً تقمع العصاة وتقيم المعوج وتؤدب الطاغي وتنتقم من المرتدين، وتستخلص حق الله في الزكاة من المانعين؟ (رسالة إلى أي شيء ندعو الناس).