القسم الأول - دراسة التاريخ الإسلامي
لقد شرح الأستاذ البنا في رسالته بين الأمس واليوم تطورات الفكرة الإسلامية وأهدافها. وقد وضعت هذه الرسالة قبيل الحرب العالمية الثانية، وفيها تحديد دقيق للأطوار التي مرت بها الأمة الإسلامية، من بعثة الرسول الأمين وحتى سقوط آخر كيان سياسي للمسلمين بعد زوال الدولة العثمانية. هذه الدراسة للتاريخ الإسلامي، ونقطة تقاطعه مع المشروع الغربي، وعوامل انتصار المشروع الغربي، ليست أمراً يمكن أن تمر عليه التربية في المجتمعات المسلمة مرور الكرام، لأن من يقرأ الظروف التي كتبت فيها هذه الرسالة، يعلم أنها كانت وصية الأستاذ البنا، وأنه حرص على أن يضع صورة الحدث أو المشهد التاريخي الذي جاءت في سياقه دعوة النهضة أمام الدعاة بصورة متكاملة، نظراً لأهمية ذلك في صحة التصور للدور الذي ستضطلع به الدعوة، وللمخاطر التي قد تحرفها عن مسارها إذا فقدت الرؤية الكلية أثناء سيرها نحو أهدافها.
إن الدراسة المتأنية لرسالة بين الأمس واليوم، تضعنا أمام الفهم المتكامل للمنطلقات الأساسية للمشروع الذي قدمه الأستاذ البنا للنهوض بالأمة من جديد، وعمق الأبعاد التاريخية التي شكلت الفكرة والحركة. ويمكن من هذه الرسالة استخلاص النقاط الهامة التالية:
1- العرض الواضح للمشهد التاريخي لأحداث الأمة الإسلامية وأطوارها.
2- كيفية تقاطع وتدافع وتصارع الدعوة الإسلامية مع المشروعات المغايرة.س
3- استعراض أهم الدروس التي أدت إلى حالة المشروع الإسلامي.
4- استعراض أهم معالم الدولة الإسلامية ونظامها الاجتماعي والاقتصادي.
5- وضع الحركة أمام دورها ومهمتها من خلال السياق التاريخي.
6- التعرف على نقاط القوة والضعف والمخاطر والفرص والنجاح والفشل.
لقد مرت الدعوة أو الفكرة الإسلامية – كما أشرنا – وحسب وصف الأستاذ البنا لها في الأطوار السبعة التالية:
الطور الأول: إعلان ميلاد الدعوة الجامعة.
الطور الثاني: قيام الدولة الإسلامية الأولى.
الطور الثالث: بداية التحلل في كيان الدولة الإسلامية.
الطور الرابع: الصراع والتدافع السياسي.
الطور الخامس: الصراع والتدافع الاجتماعي.
الطور السادس: انتصار المشروع الغربي وهيمنته على الحضارة الإسلامية.
الطور السابع: طور اليقظة والصحوة الإسلامية وظهور دعوة البعث والإنقاذ.
الطور الأول: إعلان ميلاد الدعوة الجامعة (الدعوة)
منذ ألف وثلاثمائة سنة وسبعين نادى محمد بن عبد الله النبي الأمي في بطن مكة وعلى رأس الصفا: (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) [الأعراف: 158] فكانت تلك الدعوة الجامعة حداً فاصلاً في الكون كله، بين ماضٍ مظلم، ومستقبل باهر مشرق، وحاضر زاخر سعيد، وإعلاناً واضحاً مبيناً لنظام جديد شارعه الله العليم الخبير ومبلغه محمد البشير النذير، وكتابه القرآن الواضح المنير، وجنده السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وليس من وضع الناس، ولكنه صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور) [الشورى: 52-53] (رسالة بين الأمس واليوم).
ويتلخص هذا الطور في المضامين التالية:
1- إعلان ميلاد الدعوة الجامعة لتضع حداً فاصلاً في الكون كله.
2- إعلان واضح مبين لنظام عالمي جديد محدد المرجعية والهوية.
3- تبيان الأصول الفكرية والعملية للإصلاح والتغيير الاجتماعي الشامل.