لقد التقيت بشباب قبل إنهم تربوا على فكر الشهيد سيد قطب وكانوا يرددون أن الشيخ حسن البنا أدخل عليهم الجاهلية بدخول أفراد من الجماعة حرب فلسطين ضد اليهود وكان يجب اعتزال هذه الجاهلية لأن لا يوجد فوارق بين الجاهلية العربية وبين الجاهلية اليهودية فالمجتمع العربي الذي نعيش فيه جاهلي كالمجتمع اليهودي ولا فرق بينهما .
وزعم هؤلاء أن دخول هذه الحرب سببه عدم وضوح المعنى الحقيقي لشهادة لا إله إلا الله عند حسن البنا أو جماعته حيث أنها في عهد النبي صلي الله عليه وسلم تعنى :
(أ) - أن تكون الحاكمية لله وبالتالي يقاطع المجتمع بجميع مؤسساته وهذه المقاطعة لا وجود لها كما سترى .
(ب) وتعنى الانضمام إلى الجماعة المسلمة فهذا من شروط النطق بالشهادتين مع أن الله قد حكم بالإيمان لمن تخلف عن جماعة المسلمين { والذين آمنوا ولم يهاجروا } ... وقال هؤلاء إذا أوضحنا هذه العقيدة لمجتمعنا سيخير بين الإسلام بهذا المعنى أو الكفر ولا شك أنهم سيختارون الإسلام ويفاصلون الحكومات الجاهلية فلا تجد لها شعباً ولكن الاعتراف للمسلمين في عصرنا أن هذا الذي يدينون به من الإسلام وأنهم لم يرتدوا عن الدين جعل هؤلاء يقبلون التعاون مع هذه الحكومات الجاهلية ويسكتون عند ضربها للجماعة الإسلامية .
ولقد أثبتت المحنة والابتلاء عدم صحة هذه الافتراضات فكثير من حملة هذا الفكر ودعاته قد نوقشوا وقرأوا بحثاً في ذلك طبع بعد ذلك وهو كتاب (دعاة لا قضاة) للإمام حسن الهضيبى فأعلنوا براءتهم من هذا الفكر وأعلن ذلك أميرهم علي عبده إسماعيل .
كما أن أفراداً من حملة هذا الفكر ودعاته قد أعلنوا الولاء للحكم الذي يعنون أنه هو الطاغوت ولم يقتصر هذا الولاء علي كلمة اللسان حالة من حالات الإكراه بل عملوا معه بصور متباينة قد يقبل بعضها من كان يعتقد أنه مكره ولكن دعاة هذا الفكر يرون أن الإكراه ليس عذراً يجيز الولاء للطاغوت ولو بكلمة اللسان .
ولقد ترتب علي تكفيرهم للمسلمين أن عارضهم الإخوان المسلمون ولهذا تراجع نفر من قادتهم عن تكفير المسلمين وقالوا بالتوقف في أمرهم ولقد عورض هؤلاء بقول الله تعالى { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ..} التغابن : 2) أي لا يوجد في الإسلام صنف ثالث لا هو مؤمن ولا هو كافر فالتوقف في إعطاء صفة الإسلام للمسلمين هو حكم عليهم بالكفر أو علي الأقل يسلب صفة الإسلام منهم .
لذلك أعلن شكري مصطفي (والذي بايعه اثنان ليكون أميرا لجماعة المسلمين) أن أصحاب هذا الفكر منافقون حيث يؤمنون بكفر المسلمين بما فيهم الإخوان المسلمين ثم يتظاهرون بعدم تكفير الإخوان كما يتظاهرون بالتوقف في باقي المسلمين .
والغريب أنه بعد أن ذابت هذه الرواسب جاء الأستاذ محمد قطب في كتابه (واقعنا المعاصر) و(مفاهيم ينبغي أن تصحح) وحاول أن يعيد الحياة لهذه الأموات فقال : إن المسلم هو الذي ينطق بالشهادتين ويعمل بمقتضاها أي يتحاكم إلى شريعة الله ووصف الساكتين عن المطالبة بتحكيم الشرع بالكتلة المتميعة وقال بعدم الانشغال بالحكم علي الناس وطالب بدعوتهم إلى الإسلام .
والمعلوم في دين الله أن الصامتين (أي الكتلة المتميعة ) لا يعدون من المرتدين بل إن المعاصي ليست من نواقض الإيمان لقول الله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} .