إن الأستاذ سيد قطب كان من رأيه أن حكم العسكر في مصر يمكن أن يقوم بدور الدكتاتور العادل ولهذا لم تتضمن الطبعات الأولى للظلال هذه المفاهيم التي أثارت هذه الخلافات وبعد أن تبنى هذا الحكم نظام العلمانية وسخر أجهزة الدولة بل والقطاعات كلها لهذه الجاهلية تولى الأستاذ سيد قطب توجيه الأنظار في كتبه إلى هذا الخطر وانصب ذلك على الفكر الجديد وأجهزته ولم ينصب على الشعب المستضعف وهذا ما أدركه المستشرق كيبل بقوله : (الدولة الاستبدادية هي التي تعطى نموذجاً للجاهلية فالجاهلية في نظر سيد قطب عبارة عن مجتمع يحكمه أمير فاسق يريد أن يعبده الناس من دون الله يحكم وفقاً لأهوائه وشهواته بدلاً من أن يعمل بمبادئ الكتاب والسنة ( وعندما ازدانت الدولة بالاشتراكية العربية اقتضت أن تسكت كل الأصوات بالبغي والسجن والإعلام ) .
وفي هذا يقول سيد قطب عن المجتمعات : (بعضها يعلن صراحة علمانية ((أي اللادينية )) وعدم علاقته بالدين أصلاً وبعضها يعلن أنه يحترم الدين ولكنه يخرج الدين من نظامه الاجتماعي أصلاً ويقول أنه ينكر الغيب ويقيم نظامه على العلمية وبعضها يجعل الحاكمية الفعلية لغير الله ويشرع ما يشاء ثم يقول عما يشرعه من عند نفسه : هذه شريعة الله ) [ الظلال : ج 7 آية { وعنده مفاتح الغيب } .. كما يقول :
( لقد حاول اليهود بمساعدة الحمير الذين يستخدمونهم من الصليبيين أن ينشروا موجة من الإلحاد في نفوس الأمم التي تعلن الإسلام عقيدة لها وديناً ومع أن الإسلام كان قد بهت وذبل في هذه النفوس فإن الموجة التي أطلقوها عن طريق (البطل )) أتاتورك في تركيا .. انحسرت على الرغم من كل ما بذلوه لها وللبطل من التمجيد والمساعدة وعلى كل ما ألفوه من الكتب عن البطل والتجربة الرائدة التي قام بها .. ومن ثم استداروا في التجارب الجديدة يستفيدون من تجربة أتاتورك ألا يرفعوا على التجارب الرائدة راية الإلحاد إنما يرفعون عليها راية الإسلام كي لا تصطدم بالفطرة كما صدمتها تجربة أتاتورك ثم يجعلون تحت هذه الراية ما يريدون من المستنقعات والقاذورات والانحلال الخلقي ومن أجهزة التدمير للخامة البشرية بحملتها في الرقعة الإسلامية ) .
فالأستاذ سيد قطب لا يتعرض للأفراد المسلمين في توجيهاته وإيحاءاته ولا يعنى بجاهلية المجتمع أراده بل نظمه وتشريعاته وقيمه ومصادر المعرفة والقيم في الدولة فليس صحيحا أنه يحكم بأن الناس أفرادا وجماعات ليسوا مسلمين ، فهو يطلق كلمة المجتمع ويعنى بها نظام الحكم فجاهلية المجتمع عنده هي جاهلية النظام في مناهجه وتشريعاته وقيمه العلمانية ولكن المصطلحات الحديثة تعنى بالمجتمع الأفراد والعائلات ومن هنا كانت الشبهات في فهم أقوال سيد قطب وهو برئ من تكفير الأفراد والأمة كما سترى .