لست أدرى من أين استقصى الأستاذ محمد قطب معلوماته أن حسن البنا شغل نفسه وجماعته بمحاربة الشيوعية والثابت في مذكراته وكتاب الأستاذ محمود عبد الحليم ج 1 ، ص 483 أن الإخوان لم يتعرضوا للشيوعية مباشرة وقد ذكر أن خطة البنا إغفال الأفكار الهدامة مع توضيح الفكر الإسلامي
إن هذه المقدمات الخاطئة قد أدت به إلى نتائج خاطئة قد تناولها كتاب ( الحكم وقضية تكفير المسلم) وكتاب( أضواء على معالم في الطريق) وأكتفي هنا بالملاحظات التالية:
أولاً : أن الأستاذ سيد قطب كان مسئولاً عن فكر الدعوة خلال فترة قيادة الأستاذ حسن الهضيبى للإخوان المسلمين وتولي الشهيد تعميق معنى (لا إله إلا الله) في محاضراته ونشراته إلى الإخوان وفي مقالات بصحيفة الإخوان وفي كتبه ومنها الظلال والمعالم وظلت هذه الكتب متداولة للجميع حتى أحداث المذبحة التي ظن أخوه أنها اقترنت بصمت بسبب عدم معرفة حقيقة العقيدة فلم يكن الشهيد مشغولاً بأمور أخرى غير العقيدة كما يقال عن الإمام البنا وكانت فترة مسئولية سيد قطب عن الدعوة كافية لتعميق العقيدة أو علي الأقل توازى الفترة التي انشغل فيها الإمام البنا عن العقيدة بقضايا الساعة كما يظن محمد قطب .
ثانياً : أنه ليس صحيحاً أن الصمت من الجماهير في مذبحة سيد قطب وإخوانه أو غيرها كانت بسبب عدم وضوح العقيدة بل كانت بسبب الإرهاب الحكومي والإبادة الجماعية مما يعد إكراها قال الله تعالى:{ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } . النحل 106
فإن قيل لا يعد السجن والتعذيب إكراها لهذه الجماهير فنقول إنها ليست أقوى إيماناً ولا أصح عقيدة من الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود حيث قال بالإكراه وكذا إبراهيم النخعى الذي قال : القيد إكراه والسجن إكراه .
ثالثاً : أن السكوت في هذه المذابح أو غيرها لا يعد رضا بها أو قبولاً بالحكم بغير ما أنزل الله لأن فقهاء المسلمين قد أجمعوا أنه لا ينسب لساكت قول أو حكم إلا في حالة البنت البكر عند خطبتها .
ولا يستطيع أحد أن ينسب إلى الصحابة حكماً بصمتهم عند مقتل الخليفة عثمان رضى الله نه ولا عند مقتل الإمام على أو الإمام الحسين وباقي آل البيت رضى الله تعالى عنهم .
رابعاً: ليس صحيحاً أن هذا الفكر قد لقنه الأستاذ سيد قطب إلى بعض الشباب قبل استشهاد فالثابت من كتبه وأقواله في التحقيقات غير ذلك فعلى سبيل لمثال :
1- إن الدخول في قطاعات الشعب والتأثير فيها بالوسائل المختلفة كما فعل حسن البنا هو ما أكد سيد قطب في التحقيقات قبل استشهاده أنه المنهج السليم قل :( المطالبة بإقامة النظام الإسلامي وتحكيم شريعة الله ليست هي نقطة البدء فنقطة البدء هي نقل المجتمعات ذاتها إلى المفهومات الإسلامية الصحيحة وتكوين قاعدة إن لم تشمل المجتمع كله فعلى الأقل تشمل عناصر وقطاعات تملك التوجيه والتأثير في اتجاه المجتمع كله إلى الرغبة والعمل في إقامة النظام الإسلامي ).
2- إن النقل الشفهي عن سيد قطب كان مبتوراً وغير صحيح حيث قال (هؤلاء .. سمعوا منى ما ينبغي أن يكون عليه منهج الحركة الإسلامية والمفهومات العقيدية الصحيحة .. ليسوا كلهم من سن واحدة ولا من ثقافة واحدة فعدد منهم عمال وعدد طلاب .. بعضهم لقيني ساعة أو ساعتين في المجموع لذلك اختلفت الصور التي نقلوه وبعض هذه الصور كانت مشوهة أو مبتورة).
3- قابل هؤلاء الأستاذ محمد قطب وبهذا التشويه اقتنع أنه فكر أخيه فظن أن البنا تعجل في السير بحركة الجماعة بدخوله في القضايا المثارة على الساحة كمحاربة الشيوعية وقضية مصر مع بريطانيا ودخوله حرب فلسطين بفدائيين من الجماعة وفي المظاهرات والمسيرات .
ويرى أن الواجب القيام ببناء العقيدة أولاً وذلك بالمناداة بتصحيح منهج الحياة الأساسي التي تنجم عنه تلك القضايا من فساد ومن عدم اتباع منهج الله بشأنه فقد كان ذلك تعجلا بالحركة قبل الأوان (واقعنا المعاصر ص 418 ).
ولكن الشهيد سيد قطب يرى غير ذلك حسبما ورد في كتبه وهي المصدر الذي لا يعارض بأقوال أخيه أو غيره من الأقوال المتداولة والمنسوبة للشهيد وحسبنا أن شريعة الله في القرآن والسنة لا تجعل لبناء العقيدة فترة زمنية لا يمارس خلالها المؤمنون شيئاً مما يعترض عليه الكاتب ولهذا فالشهيد يرى الجمع بين بناء العقيدة والأمور الحركية والتربوية والمنهجية فيقول إن الله سبحانه (كان يريد بناء الجماعة وبناء الحركة وبناء العقيدة وأن يبنى العقيدة بالجماعة والحركة !... وكل نمو نظري يسبق النمو الحركي الواقعي ولا يتمثل من خلاله هو خطأ وخطر كذلك بالقياس إلى طبيعة هذا الدين وغايته وطريقة تركيبه الذاتي ) ولذلك يعلن هذه الحقيقة بعبارات واضحة محددة (يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيداً أنه كما أن هذا الدين دين رباني فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك متوافٍ مع طبيعته وأنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل )
والشهيد سيد قطب يستدل على ذلك بأمور اهتم بها القرآن الكريم في الفترة المكية قبل الهجرة فيرى أن تركيز القرآن المكي على العقيدة بحيث تكون هي وحقائقها موضوعه الأساسي فإنه كان أحياناً يلتف إلى موضوعات اجتماعية موجودة في المجمع المكي مثال ذلك قوله تعالى :{ ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون } فما هو السر في ذلك ؟
(التصدي لشأن المطففين بهذا الأسلوب في سورة مكية أمر يلفت النظر .... وذلك لأن مسألة التطفيف في الكيل والميزان والمعاملات بصفة عامة مسألة جماعية أخلاقية ... ومن ثم فإن التصدي لهذا الأمر في هذه السورة المكية أمر يستحق الانتباه وهو يشي بعدة دلالات متنوعة تكمن وراء هذه الآيات القصار ) ... [ الظلال :6].
ويرى الدكتور عبد الفتاح الخالدى أن أهم الدلالات التي تحدث عنها سيد قطب هي :
(أ) ءإن حالة التطفيف كانت حالة صارخة تمثل ظلماً اجتماعياً خطيراً يزاوله الكبراء في مكة ولذلك لابد أن يعرج الإسلام عليها ويعالجها - وهو يركز على العقيدة .
(ب) إن التفات القرآن المكي إلى هذه الجزئية الأخلاقية الاجتماعية في أيامه الأولى في مكة (تشي بطبيعة هذا الدين وشمول منهجه للحياة الواقعية وشئونها العملية ...).
هذا عن موضوع القرآن المكي أما القرآن المدني الذي تنزل على مجتمع إسلامي قائم بالفعل على أساس التصور الاعتقادي فإنه يعنى بالتشريعات والمناهج والنظم والأحكام ولكنه لا يعرضها هكذا مجردة مجزأة منفصلة عن الأصل ولكنه يعرضها مع عرض جوانب من أسس التصور الاعتقادى أيضاً ويربطها به ويتناولها من خلالها .
فسورة المائدة كمثال للقرآن المدني تصلح مثالاً لطبيعة القرآن المدني وموضوعه فقد (تضمن سياق السورة أحكاماً شرعية متنوعة منها ما يتعلق بالحلال والحرام من الذبائح ومن الصيد ومنها ما يتعلق بالحلال والحرام في قترة الإحرام وفي المسجد الحرام ومنها ما يتعلق بالحلال والحرام من النكاح ومنها ما يتعلق بالطهارة والصلاة ومنها ما يتعلق بالقضاء وإقامة العدل فيه ومنها ما يتعلق بالحدود في السرقة وفي الخروج على الجماعة المسلمة ومنها ما يتعلق بالخمر والميسر والأنصاب والأزلام ومنها ما يتعلق بالوصية عند الموت ومنها ما يتعلق بشريعة القصاص في التوراة مما جعله الله كذلك شريعة للمسلمين ... وهكذا تلتقي الشرائع بالشعائر في سياق السورة بلا حاجز ولا فاصل ...
وإلى جوار هذه الأحكام الشرعية المنوعة يجئ الأمر بالطاعة والتقيد بشرع الله وما أمر به والنهي عن التحليل والتحريم إلا بإذنه ويجئ النص على أن هذا هو الدين الذي ارتضاه الله للأمة المؤمنة .
وهذا الأمر ربط الأحكام والتشريعات بالعقيدة وانطلاقها منها نجده في القرآن المدني على اختلاف سوره ونظرة واحدة لطريقة القرآن المدني فيعرض التشريعات تدل على هذه الحقيقة وكذلك نجد القرآن المدني يتحدث عن مسائل وقضايا في التصور الاعتقادى كان قد تحدث عنها في مكة كصفات الله سبحانه وتعالى التي قررت بعضها آية الكرسي المدنية : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض} .