بعد استشهاد الأستاذ سيد قطب ظن بعض الشباب أن سكوت المجتمع على اضطهاد الإخوان المسلمين وقتل قادتهم مع علم الساكت أن خلافهم مع الحاكم يتعلق بتحكيم شيعة الله وما هذا السكوت يدل على أن المجتمع ليس مسلماً لقول الله تعالى { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } .
ورأى هذا الشباب أن الحكم بإسلام هذا المجتمع هو الذي جعل أفراده لا يتحرجون لتحكيم شرع الله ولو قيل لهم إن النطق بالشهادتين يتضمن الالتزام بتحكيم شريعة الله ذلك لتبنوا الموقف الواجب وهو الغضب لانتهاك حرمات الله وقتل الدعاة إلى الله .
ولقد نسب بعض هؤلاء الشباب هذه الأفكار إلى الشهيد سيد قطب وتوسعوا في ذلك حتى تقولوا عليه فزعموا أنه يكفر من لم يكن عضواً في جماعة الإخوان المسلمين بدعوى أن من أركان الإيمان العمل في الجماعة لأن لا إله إلا الله تتضمن مفاصلة المجتمع الجاهلي والانضمام إلى جماعة النبي صلى الله عليه وسلم .
ولقد تبنى الأستاذ محمد قطب أكثر هذا الفكر ولكن بعد حواره مع علماء الإخوان ومرشدهم أعلن براءته من هذا الفكر ولكن بعد خمسة عشرة عاماً نشر كتابه (واقعنا المعاصر) أورد فيه أموراً هامة وجيدة عن التربية ووسائل المواجهة وفي الوقت ذاته تبنى فيه أكثر هذه الأفكار وردد نفس الأسباب إلى كان يرددها الشباب قبل معرفته لهم وقبل اختلاطهم به وهو لم ينسب ذلك إلى أخيه مثلهم ولكنهم يؤكدون ذلك ويشيعون أنهما كانا يتدارسان الإسلام معا وأن الأخ هو الأعلم بأفكار أخيه ، ونظراً لأن هذه الأفكار تنطوي على أحكام شرعية وهذه لا تؤخذ من المقدمات العقلية كما أن نسبتها إلى الشهيد تسئ إلى علمه إلى علماء المسلمين .
كما أنها تلبس على الشباب دينهم وتوقعهم في إشكالات مع ذويهم ومجتمعهم فقد تعرضت لهذه الأمور بالأدلة بعيدا عن العاطفة وهذا لا ينال من جهاد الأستاذ محمد ومكانته .
الشهيد وتصحيح العقيدة :
لقد أعلن هذا النفر من الشباب أن الشهيد حسن البنا لم يكن مدركاً لحقيقة القضية التي يجب دعوة الناس إليها وهي قضية الألوهية ولهذا كان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر في المجتمع المصري وهذا لا مجال له إلا إذا كان المجتمع مسلماً وهذا هو لب الخطأ الذي وقع فيه الشهيد حسن البنا والذي جعله يحارب بقوات من الإخوان في فلسطين ولم يدرك أن الجاهلية العربية والمصرية لا تختلف عن الجاهلية اليهودية فالكفر ملة واحدة .
وادعى هذا الشباب أن الأستاذ سيد قطب يرى أن القاعدة التي رباها حسن البنا لم تصمد لأنها انشغلت عن العقيدة بمعارك لم تكن لها الأولوية كحرب فلسطين والإصلاح الاقتصادي بينما يجب هدم المجتمع الجاهلي وبناء مجتمع إسلامي جديد .
والغريب أنه بعد أن انفض أكثر الأتباع عن هذا الفكر بعد الحوار العلمي والتجارب العلمية عاد الأستاذ محمد قطب لإحياء ذلك فقال : (وكما حدث التعجل في دعوة الجماهير للتجمع وفي التحرك بهذه الجماهير قبل الأوان المناسب حدث ذلك في عملية البناء ذاتها فلم تبدأ من نقطة البدء اللازمة .. لقد اعتبرت قضية العقيدة بديهية ومنتهية وكل ما ينبغي علينا بشأنها هو إيقاظ الوجدان الديني من غفوته وتحويله بالعمل إلى حركة واقعة فيستقيم الأمر ويتحقق الأهداف ...
أثبتت الأيام فيما بعد أنه في حاجة إلى مراجعة شديدة وأن نقطة البدء كان ينبغي أن تكون هي تصحيح العقيدة ذاتها وجلاء مفهومها الحقيقي الذي غاب عن الجماهير بل غاب عن كثير من الدعاة أنفسهم .. ثم يقول أن هذا اتضح في حس حسن البنا في أيامه الأخيرة على ضوء الخبرة الواقعية كما يبدو من مقاله المنشور في جريدة الإخوان بتاريخ 7 رجب 1367 هِ -16 مايو 1949 م بعنوان (معركة المصحف أين حكم الله ) ونقل وهو يوضح أن الإسلام دين ودولة وأنه إذا قصر الحاكم في حماية أحكام الإسلام لم يعد حاكماً إسلامياً وإذا أهملت شرائع الدولة هذه المهمة لم تعد دولة إسلامية وإذا رضيت الجماعة أو الأمة الإسلامية بهذا الإهمال ووافقت عليه لم تعد هي الأخرى إسلامية .
ويختم الأستاذ محمد قطب نقده بقوله : لقد اتضح الأمر في حس الإمام الشهيد في أيامه الأخيرة ولكنه لم يرسخ هذا المعنى في قلوب أتباعه فظل هذا المعنى غير واضح في نفوسهم ولا تبدو آثاره في تخطيطهم وتحركهم وأفكارهم ص 43. .
ثم يبين رأيه في العقيدة فيقول :(إن الذي يعتبر مسلماً في الدنيا ولا يجوز تكفيره ولو كان منافقا في الحقيقة وحسابه على الله في الآخرة هو الذي ينطق بالشهادتين ويعمل بمقتضاهما أي يتحاكم إلى شريعة الله كما قال الإمام الشهيد في رسالة التعاليم وكما ينبغي أن نبين للناس في مقام التعليم ). ص 454 .
ثم يقول :( إن إقامة الحد على المرتد بسبب إعراضه عن تحكيم شريعة الله أو إنكاره شيئا منها بينما هو مازال ينطق بالشهادتين يؤكد قطعاً أنه لم يحصل على صفة الإسلام بمجرد النطق بالشهادتين إنما بالنطق بالشهادتين من جهة والإقرار المتضمن في نطقهما بالالتزام بشريعة الله من جهة أخرى ). ص 454 .
المقدمات الخاطئة وتكفير المسلمين :
لقد انتهي الأستاذ محمد قطب إلى نتائج وأحكام خاطئة لأنها قد بنيت على مقدمات خاطئة وهو تصوره للواقع ولبعض الأحكام لهذا نبين الخطأ في هذه المقدمات والأحكام ونشير إلى براءة الشهيد سيد منها وذلك بإيجاز :
1- سبق أن فصلت الحكم الشرعي في الجماعة الإسلامية وأن حكمها الوجوب فقط ولكنه ليست من أركان الإيمان فلم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بردة من تخلف عنها .
2- إن الذين تخلفوا عن تطبيق شرع الله في أمره وجوب الهجرة لم يحكم الله بكفرهم فقال : { الذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا } الأنفال 72.
3- وسيد قطب لم يقل بكفرهم بل فرق بين عضويتهم في المجتمع المسلم وهذه لم يشرفوا بها لعدم هجرتهم إليه وبين كفرهم وهذا ما نفاه الشهيد حيث قال : (لا يكون بينهم وبين المجتمع المسلم ولاية ولكن هناك رابطة العقيدة ). [ظلال القرآن الجزء العاشر مجلد 4 ص 66 ] .
4- يرى محمد قطب أن المسلم لا يحصل على الإسلام بالنطق بالشهادتين وأن المسلمين المعاصرين ثلاثة طوائف :
(أ) شباب انحل وإلى الكفر يتجه .
(ب) كتلة كبيرة غير متميزة الصفات وهم الذين يختلف الرأي فيهم . ص 443 .
(ج) شباب التزم بالإسلام بوضوح .
والغريب أن هذه الأغلبية المسلمة الصامتة يصنفها هنا إلى مؤمنين وكافرين ومجهولين أي يتوقف في أمرهم ولكن سيد قطب يدرك الحكم الشرعي وبالتالي لم يؤثر عنه هذا الخطأ فهو يقول :
(أ) إن النطق بالشهادتين يوجب الانخلاع من الولاء للأسرة والقبيلة والعشيرة وقيادة الجاهلية ويوجب الولاء لله ورسوله .[ الظلال جزء 10، ص 71 ] ولكنه لا يرتب على عدم الولاء الكفر بل يقول (هؤلاء أوجب الله على المسلمين نصرهم والسبب هناك رابطة العقيدة ) ص 73.
(ب) ويقول إن المسلم غير العامل له درجة أقل من المسلم المجاهد فالمسلم المنتمى للإخوان يقدم على المسلم الذي ليس له برنامج محدد ويقول : وهذا ليس تمييز شخص على شخص .
5 - يخلط محمد قطب بين دخول الإسلام بالنطق بالشهادتين وبين الارتداد عن الإسلام لارتكاب عمل يعد كفراً في الشريعة فيجعل حكم الارتداد دليلاً على أن الشخص لم يحصل على صفة الإسلام بالنطق بالشهادتين مع أن القرآن والسنة يصرحان بدخول الإسلام بكلمة اللسان وقد يظل الناطق بالشهادتين أعواماً لا يأتي عملاً يعد من أسباب الردة شرعاً فكيف يقال أنه لم يحصل على صفة الإسلام ونتوقف في أمره والله يقول :{ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً}
وفي صحيح البخاري قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان :((شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ))ولهذا يقول سيد قطب : يكتفي الإسلام بالنطق بكلمة اللسان فلا دليل يناقضها . [ انظر :القاعدة الأولى ص 18- 23 من هذا المؤلف ].
إن أعمال الإسلام من احتكام لشرع الله وصوم وصلاة لا تقبل من المرء إلا بعد أن يدخل في الإسلام فكيف يقال إن الشهادتين لا تعطيان صفة الإسلام للمرء وكيف يقال إن عدم العمل ببعض الأركان كفر بالله والإجماع أن ترك الركن لا يعد كفرا إلا أنكر المرء فرضية هذا الركن .
الخلط بين أهل السنة والمرجئة :
ويخلط محمد قطب بين مذهب أهل السنة وبين المرجئة فيقول : (حين تقول جماعة من الجماعات إن فكرها قائم على أنه من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن ولو لم يعمل عملاً واحداً من أعمال الإسلام وهو قول غلاة المرجئة الذي يحمل مخالفة صريحة للكتاب والسنة ثم تلزم أعضاءها بالسمع والطاعة لهذا القول أو تهددهم بالفصل إن عارضوا فينبغي أن نراجع مبدأ السمع والطاعة من ناحيته الشرعية والتربوية ... وينبغي أن يفقه الأعضاء في دين لله ليعلموا متى يطيعون ؟ ومتى يتوقفون عن الطاعة ؟ .. ولا يعذرهم أمام الله أن يقولوا : { إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } الأحزاب 67)، ص 499 .
ومحمد قطب لا يحكم بالإيمان للناطق بالشهادتين حتى يعمل على تحكيم الشريعة ويقول إن هذا مذهب أهل السنة وإن المرجئة هم الذين يقولون بما تقول به الجماعة الإسلامية التي لم يذكر اسمها والراجع والمصادر الإسلامية تثبت أن هذا خلط بين أمور لا يجب الخلط بينها :
(أ) فأهل السنة يرون أن الإيمان قول وعمل وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ولكنهم لا يجعلون العمل من شروط الإيمان فلا يكفرون بالمعاصي ولو كانت من الكبائر ولا يتوقفون عن الحكم بالإيمان للناطق بالشهادتين ما يرى محمد قطب كما لا يقولون إن الأعمال شرط للإيمان .
يقول ابن تيمية (أصول أهل السنة أن الدين والإيمان قول وعمل وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ومع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعل الخوارج ).
ويقول الإمام أبو جعفر الطحاوى مترجما عقيدة أهل السنة (لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ) ( ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله ) .
(ب) إن المرجئة يقولون : لا يضر مع الإيمان ذنب أي أن أي معصية مهما كانت لا تدخل صاحبها النار فيكفي النطق بالشهادتين حتى يغفر الله للإنسان وهذا من شأنه تكذيب آيات الوعيد الواردة في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الواردة في حق العصاة من المسلمين فهؤلاء تضرهم الذنوب فيدخلون النار ثم يخرجون منها .
كما أن غلاة المرجئة يقولون إذا آمن المرء بقلبه فقط وأعلن الكفر بلسانه في دار الإسلام فهو كامل ومن أهل الجنة وكل ذلك لا تقول به الجماعة الإسلامية التي اختلف معها محمد قطب .
(ج) إن مذهب أهل السنة ألا يخرج العبد من الإيمان بالمعاصي بل بإنكار وجحود ما أدخله في الإيمان كما أثبت صاحب العقيدة الطحاوية قال الألباني : (يشير الشيخ إلى الرد على الخوارج والمعتزلة في قولهم يخرجه من الإيمان بارتكاب الكبيرة ) بند 61 و 62 .
(د) ويدل على الخلط قول الأستاذ محمد قطب (إن الذي يعتبر مسلماً في الدنيا ولو كان منافقاً في الحقيقة هو الذي ينطق بالشهادتين ويعمل بمقتضاهما أي يتحاكم إلى شريعة الله كما قال الإمام حسن البنا في رسالة التعاليم ...) ص 454 .
والخلط هنا هو بين اشتراط العمل بمقتضى الشهادة حتى يمكن الحكم بإسلام المرء وبين عدم تكفير الذي يعمل بمقتضى الشهادة فالتوقف في الحكم بإسلام المرء شئ وعدم تكفير من يعمل بمقتضى الشهادة شئ أخر فالذي يخرج من الملة ليس مطلق المعصية بل المعصية التي تضاد الإيمان وتنافي مقتضى الشهادة وهو ما يسميه الشيخ ابن باز بنواقض الإيمان وأهمها القول بعدم صلاحية تشريع الله أو أن قوانين البر أفضل أو أن تشريع الإسلام يؤدى إلى تخلف المسلمين أو حصر الإسلام في الشعائر دون غيرها من الأحكام الشرعية أو استحلال المعصية أو استحلال الحكم بغير ما أنزل الله أو الاستهزاء بشيء في الكتاب أو السنة .
ولهذا أوضح الإمام البنا المقصود من قوله (وعمل . بمقتضاها) بقوله : إلا إن أقر بكلمة الكفر أو أنكر معلوماً من الدين بالضرورة أو كذب صريح القرآن أو فسره على نحو لا تحتمله أساليب اللغة أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر فالذي يعمل شيئا من ذلك لا يعمل بمقتضى الشهادة .
(هِ) أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد توقف عن الحكم بإسلام الناطق بالشهادتين حتى يعمل أعمال الإسلام وهذا حكم لا يختلف عليه أحد من أهل السنة ولا ينبغي أن نخلط بين الحكم بالإسلام وبين الحكم بردة الناطق بالشهادتين أي خروجه من الإسلام بصدر قول أو عمل منه يناقض التوحيد ويدخله في الشرك أي إذا لم يعمل بمقتضى الشهادتين ولقد أمر نبي الله وفد عبد قيس أن يؤمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ثم سألهم هل تدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ؟ قال : ((شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ))رواه البخاري .
المرجئة والجماعة الغائبة :
يرى الأستاذ محمد قطب أن المرء يعتبر مسلماً إذا نطق بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وفسر العمل بقوله أي يتحاكم إلى شريعة الله . ص 454 .
ويرى أن (حقيقة التوحيد التي هي الإسلام لا تتحقق بمجرد النطق بالشهادتين باللسان إنما بالنطق بالشهادتين والعمل بمقتضاهما وتأدية الفرائض كما أمر الله ورسوله .. ص 444 . ثم يبنى على ذلك أنه إذا قام فكر جماعة على أن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو مؤمن ولو لم يعمل عملاً واحداً من أعمال الإسلام ... فهذا مخالفة صريحة للكتاب والسنة ... وينبغي أن يراجع مبدأ السمع والطاعة ولذلك .. وتهديد أعضائها بالفصل إن عارضوا هذا الفكر ص 499 .
لذلك وأداءاً للأمانة أوضح أنه خلال عام 1969 م وبمعتقل طره السياسي شاع هذا الفكر بين الشباب حتى قالوا بكفر آبائهم وأمهاتهم وزوجاتهم لأن فسخ زواج المشركات كان في العهد المدني وهو عهد الحكم بالإسلام وهم مازالوا في العهد المكي وهو عهد الاستضعاف لهذا تولى الأستاذ حسن الهضيبى المرشد العام للإخوان المسلمين مناقشة بعض الأشخاص ممن نسب إليهم هذا الفكر ومنهم الأستاذ محمد قطب وأوضح لكل نفر من هؤلاء أن ما يحملونه هو فكر الخوارج وأنه بايع الإمام حسن البنا سنة 194. على الالتزام بمذهب أهل السنة والجماعة الذي هو منهج الإخوان المسلمين ولذلك فمن رأى أن عقيدته توجب عليه نشر الفكر المخالف لفكر الإخوان وهو فكر أهل السنة فعلية أن يختار اسما آخر لجماعة أخرى غير الإخوان وينسب ليها هذا الفكر وليس هذا طعناً في دين هؤلاء وقد يكونون عند الله أقرب منه ولكنه شرعاً لا يسمح بنسبة هذا الفكر إلى الإخوان أو أهل السنة وقد أجاب أحدهم وهو الذي روى لي هذا الحوار أن هذه ليست شركة حتى يقال ذلك بل هي عقيدة فأجاب المرشد أن هذا منهج أهل السنة الذي أجمعت الأمة عليه بعد فتنة الخوارج وأنه جدلاً إن اقتنع بهذا الفكر فليس له شرعا أن يدعو إليه باسم الإخوان ولا باسم أهل السنة فهذا يحتاج إلى إجماع علماء الأمة ولا يختص بذلك الإخوان وحدهم فقال هذا الأخ نظل في هذه الجماعة ونحن نحمل هذا الفكر فأجاب المرشد لو سئلت عن المسلمين الآخرين الذين لا يجاهدون لتحكيم شريعة الله ومنهم الآباء والأمهات والزوجات فإما أن نقول هم مسلمون لتوافق فكر الجماعة وعندئذ تكون منافقاً حيث تظهر بخلاف ما تعتقد وإما أن تقول ليسوا مسلمين فتكون قد أعلنت عن فكر يخالف فكر الإخوان وفكر أهل السنة وأنت تنسبه إليهم فسأل هذا الأخ عن الموقف من الحاكم فأجاب المرشد : إن منهج الإمام حسن البنا هو إعلان حكم الله الوارد في القرآن بترديد قول الله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } دون أن نسمى أشخاصاً بذواتهم لنقول إنهم قد ارتدوا فليست مهمتنا إعداد أثواب من الكفر والإيمان وتوزيعها على هؤلاء أو غيرهم فالحكم على شخص بعينه يحتاج لبينة يتولاها الحاكم عن طريق القضاء وأما موقف الأستاذ محمد قطب في هذا الحوار الذي تم بينه وبين الأستاذ حسن الهضيبى فمن حقه أن يكتبه أن لا يكتبه ولكن ليس له أن يقول إن الطاعة هنا كطاعة كبراء المشركين فالنبي يقول : ((السمع على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية ...)) البخاري :93 .
النزاع بين الإيمان والكفر :
ليس صحيحاً أن الحكم على الناس بالكفر والإيمان كلام نظري أكثر مما هو عملي كما يقول محمد قطب ص 448 ذلك أن الخلاف بين عقيدة أهل السنة وعقيدة الخوارج له أثر في الحياة العملية وفي صحة بعض الأعمال .
فالخوارج يعتقدون أن المرء لا يعتبر مسلماً إلا إذا نطق بالشهادتين وعمل بمقتضاها من أداء الفرائض والتحكم لشريعة الله والأثر المرتب على ذلك كما ظهر من تصرفات الشباب الذين تبنوا ذلك في السجون والمعتقلات وخارجها منها عدم الصلاة خلف من خالفهم ولو كان يؤدى الفرائض لأنه لا يكفر الكافر ويحكم بالإيمان للكافرين وعقيدة أهل السنة أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان فالمؤمن والمسلم هو من قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله وأقام الصلاة وأدى الزكاة وصام رمضان حج البيت إن استطاع .
لكن الفرق واضح بين الاعتقاد بعدم دخل المرء الإسلام إلا إذا أدى هذه كلها بين الاعتقاد أنه يدخل الإسلام بالنطق بالشهادتين يصبح مكلفاً بهذه الأركان الفرائض فإن أداها كانت له نوراً برهاناً كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة من لم يؤدها غير جاحد أ مستخف لأي منها لم يكن له عند الله عهد فإن شاء عذبه إن شاء غفر له كما رد في حديث النبي صلى الله عليه سلم لا خلاف على صحته .
حتى يتضح أثر الخلاف في مسألة واحدة هي التعامل مع الزوجات حارت كبيراً لهم وسألته إن كان المجتمع كافراً زوجاتكم قد كفرن فما سبب الإمساك عليهن والله يقول :{ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ْ} .
قال : إننا في عهد الاستضعاف أي العهد المكي حيث يباح زواج المشركات .
قلت : فما دليلك الشرعي في هذا الحكم ؟
قال: هذا ما فهمناه من سيد قطب .
ولكن الشهيد له كتاب مسطر وليس به هذا المفهوم كما أننا نبرئه من الجهل بحكم قطعي ومعلوم كهذا لأن سورة الممتحنة نزلت بعد صلح الحديبية ومازال بعض المسلمين بمكة مستضعفين وهذه السورة حرمت الإمساك بالكوافر وقد طبقها المسلمون بمكة والمسلمون بالمدينة وكان بمكة السيدة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت زوجة العص بن الربيع وكان آنذاك على الشرك ففارقته وهاجرت إلى المدينة.
قال : تظل عقود الزواج مع زوجاتنا ممتدة على أساس أنهن من أهل الكتاب وهؤلاء يباح الزواج منهن .
قلت : هل قال لكم الأستاذ سيد هذا الحكم ؟
قال : لا .. إنه يقول أن هذه مسألة تحتاج إلى مجتهدين يبينون الحكم فيها ونسى أن الحكم فيها واضح كما في تفسير الممتحنة .
قلت : كيف تنسب إلى سيد قطب فكرأً ثم تطلب منى أن أوضح الحلال والحرام لهذا الفكر والله يقول { وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } فلم لم يبين لكم من تدعون أنه مؤسس هذا الفكر وجه الحرام والحلال في هذه المسائل وفي نتائج هذا الفهم ؟
قال : هذه مسألة جزئية ونحن إنما نهتم بالكليات .
قلت : العقيدة الإسلامية تجعل للمرتد حكماً مميزاً عن أهل الكتاب وعن المشرك وحكمه القتل بردته ولا يوجد في الإسلام أن يكفر المشرك ثم يقال أنه يعامل كأهل الكتاب .
هذا والجدير بالذكر أن الشهيد سيد قطب لم يذكر شيئاً في ظلال القرآن عن أحكام سورة الممتحنة بخلاف ما أوردته كتب التفسير وظاهر الآيات القرآنية ولكن هؤلاء نسبوا إليه هذا الفكر وهو برئ منه .
العقيدة بين سيد قطب وحسن البنا :
ظن محمد قطب أن حسن البنا لم يدرك أن نقطة البدء هي العقيدة والحكم بشرع الله إلا قبل وفاته بأشهر .
وهذه الأقوال كان يرددها بعض غلاة الشباب ويزعمون أن هذا فكر سيد قطب والذي يكذبهم مقالاته وكتبه ومنها قوله : (إن المستقبل لهذه العقيدة التي يقوم عليها بناء الإخوان ؟ وللنظام الاجتماعي الذي ينبت من هذه العقيدة ) وقوله : (حينما سلط الطغاة الأقزام الحديد والنار على الإخوان كان الوقت قد فات وكن لبناء الذي أسسه حسن البنا قد استطال عن الهدم ). [ ص 53 من كتاب دراسات إسلامية لسيد قطب ] .
وإذا كان المقال الذي استشهد به محمد قطب قد نشر في منتصف عام سنة 48 فإن ذلك لا يعنى في مقام البحث العلمي والإنصاف أنه قبل ذلك لم يتكلم عن أمور العقيدة بهذا الوضوح ولو رجع محمد قطب إلى خطب الإمام البنا ورسائله ومنها رسالة (المؤتمر الخامس) المنعقد سنة 1357 ه- 1938 م أي قبل عشر سنوات من المقال الذي اختاره محمد قطب ليكون دليلاً على خطأ حسن البنا لو فعل ذلك لأراح فقد قال يعقوب عند الموت { قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ...} ولا يقال إنه لم يهتم بالتوحيد إلا في آخر حياته .
ولو رجع إلى كتاب الأستاذ محمود عبد العليم واسترض الأحداث لانتهي إلى واقع آخر غير التصورات التي كتبها بعد ترديد غيره لها وظن أنها الواقع المعاصر ورتب عليها أحكاماً خاطئة .
إن الطلبة بالجامعة والذين انضموا إلى الإخوان كانوا يناقشون سنة 1937 م كبار المستشرقين في الإسلام ويوضحون فكرهم من أمور الحكم والتشريع والدولة .
كما أنه ليس صحيحا ما يزعمه بعضهم أن الاشتراك في حرب فلسطين كان تورطاً مع الجاهلية العربية ذلك أن هذه أرض فتحها المسلمون وأصبحت أرضاً إسلامية وحكامها ليسوا هم المالكين لها وكذا حكام البلاد الإسلامية الأخرى ليسوا مالكين للأرض والشعب فالأرض لله يورثها من يشاء ولهذا فمن الخطأ الفاحش أن نسلك هذا المسلك الذي يكرس ملكية الحاكم لها مع أنهم ليسوا جميعاً كاليهود كما يظن الذين يقولون إن حرب فلسطين جاهلية .
وفقهاء المسلمين لا يختلفون على وجوب الجهاد كفرض عين إذا غزا الكفار أرض المسلمين ولن تصبح ملكاً للكفار إذا لم يطبق الحاكم شرع الله .
فلماذا استثنى هؤلاء إسرائيل وأرض فلسطين ولماذا تجاهلوا قول الله تعالى { وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ..} النساء 75) أما أن الجهاد لا يكون إلا في سبيل الله فلم تكن كتائب الإخوان تعمل في سبيل الطاغوت ولم يكن أهل فلسطين يقاتلون في سبيل الطاغوت ولا يجهل مسلم أن العبرة هنا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم ((إنما الأعمال بالنيات ..)) .
براءة سيد قطب :
إن هذه الأفكار تنبع من اعتقاد خاطئ بأن المجتمع المسلم في عصرنا لم يدخل في الإسلام بعد وبالتالي فقد أخطأ البنا وغيره لعدم تكفير المجتمع ولكن الشهيد سيد قطب يرى غير ذلك تماماً وذلك خلافا لما يشيعه هؤلاء حيث قال : (وقد استطاع حسن البنا أن يفكر في هذا كله ... أو أن يلهم هذا كله فيجعل نشاط الأخ المسلم يمتد وهو يعمل في نطاق الجماعة إلى هذه المجالات كلها بحكم نظام الجماعة ذاته وأن يستنفذ الفطرية كلها في أثناء العمل للجماعة وفي بناء الجماعة استطاع ذلك في نظام الكتائب ونظام المعسكرات ونظام الشركات الإخوانية ونظام الدعاة ونظام الفدائيين الذين شهدت لهم معارك فلسطين ومعارك القنال نماذج من آثاره تشهد بالعبقرية لذلك النظام .
وعبقرية البناء في مجتمع الأنماط من النفوس ومن العقليات ومن الأعمار ومن البيئات .. تجميعها كلها في بناء واحد كما تتجمع النغمات المختلفة في اللحن العبقري .. وطبعها كلها بطابع واحد يعرفون به جميعا ودفعها كلها في اتجاه واحد .. على تباين المشاعر والإدراكات والأعمار والأوساط في ربع قرن من الزمان .
ترى أكانت مصادفة عابرة أن يكون هذا لقبه ؟ أم أنها الإرادة العليا التي تنسق في كتابها المسطور بين أصغر المصادفات وأكبر المقدورات في توافق واتساق؟
ويمضى حسن البنا إلى جوار ربه يمضى وقد استكمل البناء أسسه يمضى فيكون استشهاده على النحو الذي أريد له : عملية جديدة من عمليات البناء عملية تعميق للأساس وتقوية للجدران .. وما كانت ألف خطبة وخطبة .. ولا ألف رسالة للفقيد الشهيد لتلهب الدعوة في نفوس الإخوان كما ألهبتها قطرات الدم الزكى المهراق .
إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة .
وحينما سلط الطغاة الأقزام الحديد والنار على الإخوان كان الوقت قد فات كان البناء الذي أسسه حسن البنا قد استطال على الهدم وتعمق على الاجتثاث .. كان قد استحال فكرة لا يهدمها الحديد والنار فالحديد والنار لم يهدما فكرة في يوم من الأيام .. واستعلت عبقرية البناء على الطغاة الأقزام فذهب الطغاة وبقى الإخوان .. وفي كل مرة سقط أصحاب هذه النزوات كما تسقط الورقة الجافة من الشجرة الضخمة وقد انزوت تلك ولم تستطع أن تحدث حدثا في الصفوف .
ومرة بعد مرة استمسك أعداء الإخوان بفرع من تلك الشجرة يحسونه عميقا في كيانها فإذا جذبوه إليهم جذبوا الشجرة أو اقتلعوا الشجرة حتى إذا آن أوان الشد خرج ذلك الفرع في أيديهم جافا يابسا كالحطبة الناشفة لا ماء فيه ولا ورق ولا ثمار !!
إنها عبقرية البناء تمتد بعد ذهاب البناء ...
واليوم يواجه بناء الإخوان خليطا مما واجهه في الماضى .. ولكنه اليوم أعمق أساسا وأكثر استطاله وأشد قواما .... اليوم هو عقيدة في النفس وماض في التاريخ وأمل في المستقبل ومذهب في الحياة .. ووراء ذلك كله إرادة الله التي لا تغلب ودم الشهيد الذي لا ينسى .
فمن كان يريد بهذا البناء سوءاً فليذكر أن طغيان فاروق ومن خلفه إنجلترا وأمريكا لم يهدم منه حجرا ولم يترك فيه ثغرة إن المستقبل لهذه العقيدة التي يقوم عليها بناء الإخوان وللنظام الاجتماعي الذي ينبثق من هذه العقيدة وفي كل أرض إسلامية اليوم نداء بالعودة إلى الراية الواحدة التي مزقها الاستعمار ذات يوم ليسهل عليه ازدراء الوطن الإسلامي قطعة قطعة وقد آن أن تتضام هذه المزق وتنتفض جسما حيا كاملا يمزق الاستعمار .
إن طبائع الأشياء تقتضي انتصار هذه الفكرة فلقد انتهت موجة التفكك والتمزق .. ولم تمت للفكرة الإسلامية في تلك الفترة المظلمة فهيهات إذن أن تموت اليوم في موجة اليقظة والانتفاض والإحياء (دعوة الإخوان المسلمين لسيد قطب ص 12 ، 13 ).
انتهي كلام سيد قطب عن الواقع الذي عاصره وعن العقيدة التي تولاها حسن البنا وعن ثمار ذلك في فلسطين وفي القنال وهو ما ينكره أخوه محمد قطب حسبما فصله في كتابه الأخير ويبقى أن نذكره كما نذكر هؤلاء الذين قالوا إن اليهود وحكام العرب ملة واحدة في الكفر ولهذا لا ينبغي أن تتورط الجماعة المسلمة في الحرب فلسطين أو القنال .
نذكر هؤلاء أن هذه القاعدة تنطبق على أفغانستان فالملك ظاهر شاه كان يضطهد الحركة الإسلامية ويتبنى العلمانية وعندما قام الشيوعيون بانقلاب عسكري ضده قاتلهم رجال الحركة الإسلامية وما زالت الحرب مستمرة وهذا يعد انعطافاً بالحركة الإسلامية عن دورها الرئيسي في تربية العقيدة كما يقول فلماذا لا يسحبون هذا الحكم على القتال في أفغانستان ؟
هل كفر اليهود أكثر وضوحاً من كفر الشيوعيين ؟
أم أن الشعب الأفغاني الذي دخل المعركة ولم يكن منضماً إلى الحركة الإسلامية كان من جيل الصحابة فلا تسرى عليه القاعدة ويستثنى من هذا الحكم وهو جاهلية هذه الحروب ثم لماذا يصبح المقاتلون من الأفغان أكثر عمقاً في فهم العقيدة عن الإمام حسن البنا ومن تولى تربيتهم؟
إن كتائب الإخوان في فلسطين لم تكن تحت قيادة جاهلية ولا تعمل من أجل رفع راية الجاهلية بل كانت تعمل تحت قيادة خاصة بهم ولغاية إسلامية واضحة . فلماذا التفرقة بين الجهاد في فلسطين والجهاد في أفغانستان ؟ .